عبد الوهاب المسيري

من الحقائق الأساسية في القرن العشرين التي لا يملك الملاحظ الموضوعي إلا أن يعترف بوجودها، ظهور ما يمكن أن نسميه الحضارة الاستهلاكية العالمية، وهي حضارة لها رموزها وفنونها ومصطلحاتها وقيمها، وقد حازت ذيوعا لم تحظ بمثله حضارة من قبل.

ولعل سبب ذيوع هذه الحضارة أنها لا تستند إلى علاقات اجتماعية حضارية معينة، أو إلى مواصفات بيئية خاصة، وإنما تحاول قدر استطاعتها أن تنفصل عن التاريخ وعن الزمان والمكان لتطرح أشكالا حضارية متحررة من تلك القيود.

ويمكننا أن نطلق عليها اصطلاح حضارة العلم والتكنولوجيا المنفصلين عن القيمة باعتبار أنها تستند إلى رؤية للإنسان معادية في جوهرها للتاريخ والتراث.

وقد يقول قائل إن هذه ليست حضارة، وإنما عكس الحضارة أو الحضارة الضد anti-culture لأنها تقوض كل الأشكال الحضارية المعروفة عندنا، فهي لا تنظر للإنسان باعتباره نتاج تفاعل آلاف السنين بين جماعة بشرية ما والبيئة المحيطة بها نتجت عنه أشكال حضارية محددة يستمد منها الفرد هوية محددة، كما أنها لا تنظر إليه باعتباره كيانا مركبا يتكون من جسد وروح، أو لنقل مكونا من مادة وتطلعات إلى ما وراء المادة، وإنما تراه على أنه شيء بسيط إلى حد كبير، وأنه حتى لو كان الإنسان حقا مكونا من جوانب باطنية روحية تجعله يجابه مشاكل مثل مشكلة المعنى والإحساس بالاغتراب، وجوانب خارجية جسدية تجعله يجابه مشاكل مثل بناء الجسور وأزمة الطاقة والمستوى الصحي، فإن هذه الحضارة ترى أن المشاكل الأولى مشاكل شخصية خاصة، على الفرد أن يجابهها بمفرده إن طرحت نفسها عليه.

"
لعل سبب ذيوع الحضارة الاستهلاكية العالمية أنها لا تستند إلى علاقات اجتماعية حضارية معينة، أو إلى مواصفات بيئية خاصة، وإنما تحاول قدر استطاعتها أن تنفصل عن التاريخ وعن الزمان والمكان لتطرح أشكالا حضارية متحررة من القيود
"
ومن واجبه هو أن يبحث لها عن حلول وإجابات خاصة، وسيتكفل المجتمع بالجانب الثاني وحسب، فينشئ الجسور ويمد الطرق ويحل أزمة الطاقة – أي أن الجوانب المركبة والروحية الغامضة تترك للأفراد، أما الجوانب البسيطة الخارجية فيتم حلها بشكل اجتماعي حاسم عن طريق العلم والتكنولوجيا والتخطيط الدقيق الذي يستند إلى عمليات حسابية ومعادلات رياضية، إذ إن الجوانب الخارجية تتسم بأنها خاضعة للقياس.

والهدف من وجود الإنسان في الأرض ليس البحث عن الحق والخير والجمال أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما أن يدخل الإنسان حلقة الإنتاج والاستهلاك المفرغة، فينتج ليستهلك ويستهلك لينتج.

هذا الرأي له وجاهته وهو يعبر عن وجهة نظري أيضا. ولكن لو عرّفنا الحضارة بأنها هي كل ما صنعته يد الإنسان (بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل) فإننا لابد وأن نعرف هذه الحضارة الضد بأنها "حضارة".

وأعتقد أنني لن أجانب الصواب كثيرا إن قلت إن هذا الفصل بين الظاهر والباطن بين المشاكل الجسدية وتساؤلات الضمير، هو الذي تستند إليه هذه الحضارة الجديدة، وأن منتجاتها الحضارية تتسم بأنها تتوجه إلى عالم الظاهر وحسب وأنها تحاول قدر استطاعتها أن تصفي هذه المنتجات من أي عناصر زمنية أو مكانية (تاريخية) وأنها تبتعد قدر استطاعتها عن تساؤلات الضمير المزعجة.

ونحن إن تصورنا أن هذا الفصل بين ظاهر الإنسان وباطنه قد يكون فصلا متعسفا، بل وغير واقعي، قد نكون محقين ولكننا في هذا المقال لسنا في مجال محاكمة هذه الحضارة وإنما نحاول أن نرصد بعض سماتها، وقد يمكننا أن نفعل ذلك بشكل متعين من خلال بعض منتجاتها الحضارية ورموزها.

ويخيل إلي أن من أهم رموز هذه الحضارة هو البنطلون الجينز الأزرق الذي نعرفه جميعا والذي ترتديه أعداد متزايدة من شباب العالم (وعواجيزه أيضا). فالچينز يتسم بالبساطة الشديدة، فهو قطعة من القماش السميك، يمكن استخدامها في صناعة الحقائب أو المظلات أو أي شيء على وجه الأرض، تمت حياكتها بطريقة بسيطة أيضا لا تختلف من مكان لآخر، كما أنها لا تتغير من عام لآخر، فهو بذلك تعبير عن رفض أي تنوع زماني أو مكاني.

ومع هذا يلصق على الجيب الخلفي للبنطلون العلامة التجارية للشركة المنتجة بطريقة أشبه ما تكون بالإعلان عنها، حتى يراها كل من له عيون ترى، ويمكنه أن يحدد هوية صاحب البنطلون ومكانته وطبقته.

فبنطلون ماركة ليفي يشبه بنطلون جينز آخر في كل تفاصيله إلا في الماركة، والماركة (أي القشرة الخارجية) هي التي تحدد السعر، ولذا فالماركة – في واقع الأمر– أكثر أهمية من البنطلون ذاته.

وقد تنبهت إحدى شركات الجينز في سنغافورة إلى هذا الجانب فحاكت بنطلونات علامتها التجارية من الذهب الخالص، وهي بهذا أصابت الهدف المطلوب، التبسيط الكامل الذي يخلص الرداء من ملامح أي هوية حضارية متميزة، وفي ذات الوقت تأكيد السطح بشكل متطرف.

ولعل الرمز الثاني لهذه الحضارة هو ”التي شيرت“، والذي لا يختلف في بنائه عن الجينز. فهو أيضا قطعة قماش بسيطة للغاية تمت حياكتها في بساطة بالغة ولا تختلف فانلة من هذا النوع تشتريها من فلوريدا عن نظيرتها في دمنهور أو جبال الألب.

ولكنها رغم كل ذلك تستخدم كرقعة للإعلان عن الكوكاكولا أو المكان الذي زاره صاحب الفانلة أو عن بعض معتقداته كأن يؤكد أنه من مؤيدي الأهلي أو أنه يحب السباحة.

ولكن مهما كان مضمون الرسالة المنشورة على الفانلة، فإنها تفترض أن صاحب هذا الرداء شيء بسيط، لا يمانع في أن يتحول إلى إعلان متحرك عن أشياء أخرى بسيطة. فهو سطح أو رقعة أو مساحة – فهو ظاهر، باطنه ليس له أهمية كبيرة.

"
إذا قارنت الفيديو كليب الأميركي بالهندي بالمصري باللبناني فإنك لن تجد أي فروقات جوهرية، فكلها تستخدم نفس المفردات، وفي مركزها يقف جسد الأنثى الذي يتحرك في عالم الاستهلاك اللذيذ المستحيل!
"
والآن لو نظرنا لفنون هذه الحضارة لوجدنا أنها تتسم بنفس السمات – ففنونها بسيطة للغاية، منفصلة عن أي خصوصية زمانية أو مكانية. فموسيقى الديسكو إيقاعها أحادي. وإن وجدت تنويعات على الإيقاع الأساسي فهي تنويعات بسيطة لا تبتعد كثيرا عن ذلك الإيقاع.

والرقص المصاحب للديسكو لا يختلف كثيرا عن الموسيقى، فيمكن للراقص أن يتحرك في حركات لا تخضع لأية مقاييس مادامت داخل إطار عام، ولكن على الرغم من حرية الحركة وحرية الارتجال إلا أن الحركات تظل تنويعات بسيطة على لحن بسيط.

ومرة أخرى نجد أن الموسيقى والرقص لا يرتبطان بأي شكل حضاري محدد، وإنما هما حركات تكاد تكون بدائية، وهي بدائية بمعنى أنها تظل طافية على السطح تتبع نمطا في الحركة شبه آلي، فالرقص الذي يسمى بالبدائي يعبر عن نزعات كونية وعن وضع الإنسان في الكون وعن غربته أمام الطبيعة التي انفصل عنها، ولذا فنحن نجد في الفن الأفريقي إحساسا غامراً بمأساة الإنسان، وإن كان هناك أيضا تأكيد لمبدأ الحياة الذي يعبر عن نفسه من خلال دائرية الطبيعة التي لا تنتهي, أما بدائية الديسكو فهي لا تصل إلى هذه الأعماق بأية حال.

وقد أفرزت موسيقى الديسكو والرقص المصاحب لها النوع الفني الذي اكتسح الجميع، أي الفيديو كليب. فإن قارنت الفيديو كليب الأميركي بالهندي بالمصري باللبناني فإنك لن تجد أي فروقات جوهرية (إلا في تصاعد معدلات الإباحية)، فكلها تستخدم نفس المفردات، وفي مركزها يقف جسد الأنثى الذي يتحرك في عالم الاستهلاك اللذيذ المستحيل!

وأهم سلع هذه الحضارة هو سندوتش الهامبورغر (وأرجو ألا أقحم ذوقي الخاص في وصفي لهذا الطعام، إذ إنني أشمئز منه تماما وأبذل قصارى جهدي ألا أتناوله).

يتسم سندوتش الهامبورغر بأنه أولا خاضع للقياس تماما، بحيث لا يختلف ساندوتش عن الآخر. ولعل هذا يتضح في الولايات المتحدة أكثر من اتضاحه في بلادنا.

فأنت إن دخلت أحد محلات الهامبورغر فإنك ستأكل ساندوتش مثل الذي سبقه ومثل الذي سيلحقه، وستجد نفس البائعين ونفس الابتسامات ونفس الأسعار (ولنقارن ذلك بتجربة أكل الفول، والمفاجآت السارة وغير السارة التي قد تقابلها).

إن إعداد سندوتش الهامبورغر ينتمي لعالم الظاهر، ولذا لا يوجد مجال للإبداع أو التخريب، للتفسير أو الانحراف. وبطبيعة الحال يتخطى ساندوتش الهامبورغر الزمان والمكان فهو ليس بصيني أو هندي أو مصري أو فرنسي أو يوناني. إنه الطعام/ الشيء الجدير بالإنسان/ الشيء.

وهو إلى جانب ذلك يتناوله الإنسان بمفرده وليس مع العائلة، ويمكن أن يأكله وهو سائر أو شبه نائم أو وهو يزاول عمله، فهو طعام الإنسان الفرد الذي يتحرك في الحياة العامة، ولا تهمه الحياة الخاصة.

وقد اكتسح الهامبورغر كل الحضارات، وفي إحدى الإحصائيات الأخيرة ظهر أن أكثر العلامات انتشارا في العالم الغربي هي أقواس ماكدونالد التي فاق عددها عدد صلبان الكنائس.

ويمكننا بعد ذلك أن نتحدث عن ”قيم“ هذه الحضارة، وسنجدها تتسم بنفس السمات والصفات، فهي قيم لا تضرب بجذورها في أي مكان أو زمان محددين، بل إن الثابت الوحيد في هذه الحضارة هو التغير، ولذا تتغير الأغاني والرقصات والموضات والأذواق والقيم بسرعة.

وينتظر أهل هذه الحضارة كل عام الأوامر التي تصدر من بيوتات الموضة أو دور السينما أو شركات ألبومات الأغاني والفيديوهات، فهم دائما مشغولون بآخر صيحة، يحاولون قدر استطاعتهم محاكاتها مهما كلفهم ذلك من مال وجهد، إذ إن إنسان الظاهر لابد أن يحتفظ بمظهره حسبما ظهر له من تغيرات ظاهرة.

"
هذه الحضارة التفكيكية المنفصلة عن القيمة والزمان والمكان والتراث والتاريخ، لا تقوم بتفكيك الحضارات الشرقية وإنما تقوم بتفكيك كل الحضارات، بما في ذلك الحضارة الغربية والأميركية نفسها
"
وهذه الحضارة الضد ليست أميركية، رغم أن جذورها أميركية. ومع هذا يجب أن نتنبه إلى أنه لا يمكن الحديث عن ”غزو ثقافي غربي أو أميركي“ فهذه الحضارة التفكيكية، المنفصلة عن القيمة والزمان والمكان والتراث والتاريخ، لا تقوم بتفكيك الحضارات الشرقية وإنما تقوم بتفكيك كل الحضارات، بما في ذلك الحضارة الغربية والأميركية نفسها.

فالأجيال الجديدة في الغرب لا تعرف تراث بلدها، وفي بلد مثل إنجلترا ذات التقاليد العريقة تحولت هذه التقاليد إلى زخارف توظف من أجل تسلية الأطفال وجذب السياح! وتوجد في الولايات المتحدة جيوب حضارية لها تراثها مثل الثقافة شبه الفرنسية في لويزيانا والتقاليد الثقافية البروتستانتية في ماساشوستس وبقايا التقاليد الزراعية الأرستقراطية في الجنوب، وتقاليد الأسرة في كثير من المدن الصغيرة، كل هذا يتم تقويضه وتفكيكه.

ولنتذكر أن هذه الحضارة لا تأتي لنا بالأعمال المسرحية الشامخة لمؤلفين مسرحيين غربيين مثل سوفولكيس أو راسين أو شكسبير، أو الأعمال الروائية العظيمة لمؤلفين مثل ديكنز وفولكنر ومالرو، ولا الأعمال الموسيقية الكلاسيكية لمؤلفين موسيقيين مثل باخ وموتزارت وتشايكوفسكي ولا حتى أنواع الطعام الغربي المتنوعة (فرنسي – إيطالي – يوناني)، بل تصدر لنا سلعها الحضارية التي لا لون ولا طعم ولا رائحة لها.

وأخيرا يجب أن نتذكر أن كلمة ”غزو“ تفترض وجود شكل من أشكال الإرغام، وحسب معلوماتي إن كان هناك إرغام (مثل قوة رأس المال وسطوة الإعلانات التي تروج لهذه السلع) فهناك أيضا استعداد لكثير من البشر أن يستسلموا لإغواء هذه السلع، فالإنسان أحيانا يفضل السهل على الجميل، والمادي البسيط على الإنساني المركب، فعبارة ”غزو ثقافي“ لا تصف الحالة بدقة، وقد يكون من الأدق الحديث عن ”إغواء ثقافي“، وقد استسلم الكثيرون منا لهذا الإغواء. وكل الفضائيات العربية تساهم بكل نشاط في هذا ”الإغواء الثقافي“.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن لهذه الحضارة التي تشجع ظهور نمط فردي غير منتم استهلاكي أن تخدم مصالح مجتمعنا؟ وكيف يمكن أن نفسر الحديث المستمر عن الأزمة الاقتصادية وضرورة التقشف والترشيد، ونحن نساعد على إشاعة رؤية للحياة شرهة نهمة ترى أن الإنسان إنما وجد في هذا الكون كي يحقق أكبر قدر من اللذة باستهلاك أكبر قدر ممكن من السلع، بغض النظر عن كل ”مسائل الضمير“ ؟

وألا يمكن أن نرى أن التنمية لا تستند بالضرورة إلى ”ثورة التطلعات المتزايدة“، كما يخبرنا بعض علماء الاجتماع في الغرب، وإنما عن طريق توجه حضاري جديد، يعيد بعث قيم تراثية ترى أن الإنسان ظاهر وباطن، وأنه كيان مركب يمكنه أن يساهم في البناء والإبداع والإنتاج، إن وجد داخل مجتمع عادل يسد حاجاته الأساسية (التي يمكن تعريفها وتحديدها) ويضمن له شيئا من الأمن، بدلا من تركه أمام سيل من سلع حضارة الاستهلاكية العالمية وقيمها التي ستوصلنا جميعا إلى بوابة جهنم؟..  والله أعلم.
ــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة