إبراهيم غرايبة

 

- أسئلة قد لا تكون سابقة لأوانها

- اليهودية العالمية الجديدة

- إسرائيل وتحولات الصراع

 

حدثت مجموعة من الأحداث والمؤشرات تعطي أهمية ووجاهة لأسئلة حول مستقبل السياسات اليهودية العالمية والإسرائيلية، فالانسحاب الإسرائيلي من غزة، ومن قبل من جنوب لبنان ومن سيناء، والصعود الصيني العالمي وتأثيره المتوقع على الإستراتيجيات العالمية والتحديات التي تواجه الولايات المتحدة الأميركية، والافتراق الإستراتيجي المتوقع بين اليهود في العالم أو الوكالة اليهودية العالمية ودولة إسرائيل، والتحولات الكبرى في المجتمع والدولة في إسرائيل، وغير ذلك من الأحداث والتحولات الإسرائيلية تفتح المجال لتحليل يبحث عن مشاهد جديدة في الإستراتيجية العالمية اليهودية والإسرائيلية.

 

"
المتطرفون الدينيون اليهود يمثلون تحديا خطيرا لمستقبل إسرائيل والولايات المتحدة وهو أكثر خطورة وكارثية من التطرف والعنف الإسلامي
"
أسئلة قد لا تكون سابقة لأوانها

هل تستطيع إسرائيل توحيد يهود العالم وهم في دولهم وأوطانهم تحت سياسة إسرائيلية واحدة؟ وهل تستطيع التأثير الإستراتيجي عليهم كما لو أنهم مواطنون إسرائيليون؟ هناك تشابه بين القضية نفسها والقضية الفلسطينية، إذ ينتشر الفلسطينيون في دول كثيرة ومعظمهم يحمل جنسية الدول التي يعيشون فيها، فهل تستطيع السلطة الوطنية الفلسطينية تشكيل وكالة فلسطينية عالمية؟

 

وهل تسعى إسرائيل إلى أن تكون دولة إقليمية أو جزءا من المنطقة وترتب مستقبلها وأوضاعها بعيدا عن الدور الوظيفي في إستراتيجيات ومصالح الولايات المتحدة الأميركية؟

 

هل الوكالة اليهودية العالمية التي تعبر عن اليهود في العالم ودولة إسرائيل يعملان اليوم في اتجاه واحد أم أن ثمة خلافا بدأ يتسع بينهما كما يلاحظ في سياسات إسرائيل وتحولاتها وفي تقرير الوكالة اليهودية عن اليهود في العالم؟

 

هل سيكون الانسحاب الإسرائيلي من غزة ومن قبل من جنوب لبنان ومن سيناء مؤشرا على مسار جديد في السياسة الدولية والإقليمية؟ هل يعني انتهاء الاحتلال في العالم؟ وأنه لم يعد ثمة مجال لشعب أن يحكم شعبا آخر، ولا لدولة أن تحتل أراضي دولة أخرى مهما كان الفرق في ميزان القوى بين الدول والشعوب؟

 

هل يظهر المشهد الإسرائيلي الجديد أسئلة جديدة تشي بالضعف والاختلال رغم القوة العسكرية والدعم الأميركي؟

 

الانتخابات الإسرائيلية تؤشر على حالة من التشتت والتمزق والصراع داخل إسرائيل، وانهيار الأحزاب التقليدية الكبرى التي أسست الحركة الصهيونية وإسرائيل، وقادتها لأكثر من 30 سنة، وتنامي تأثير اليهود الشرقيين السفارديم وزحفهم نحو قيادة دولة إسرائيل، وهم بنظر الإشكناز المؤسسين للصهيونية وإسرائيل لا يختلفون عن العرب.

 

ويمثل الروس حالة عصية على الهضم والفهم في إسرائيل، فلا هم يهود ولا هم إسرائيليون غربيون إشكناز ولا هم شرقيون سفارديم، إنهم فقط "روس" ينتمون إلى المافيا والفودكا والشيوعية السابقة والقيصرية واليهودية الروسية المتميزة أكثر مما ينتمون إلى إسرائيل.

 

والمتطرفون الدينيون اليهود يمثلون تحديا خطيرا لمستقبل إسرائيل والولايات المتحدة أكثر خطورة وكارثية من التطرف والعنف الإسلامي، فهل تعيش إسرائيل بحالتها الجديدة حالة من الانفصام عن الوكالة اليهودية العالمية التي تمثل الإسناد الأساسي لدولة إسرائيل؟

 

ويسيطر على قادة الدولة الإسرائيلية برغم هالة القوة والدعم هاجس القدرة على التحول إلى دولة حقيقية قادرة على الاندماج والتحرك في العالم كجميع الدول، ولكن الولايات المتحدة ألغت بقوة وإصرار يقترب من العنف مشروعات إسرائيلية للتعاون التقني مع الصين، بل وأجبرت قادة إسرائيل على الاعتذار.

 

"
التغير الكبير في مسار اليهودية العالمية هو ما يحدث في إسرائيل من تحولات في النفوذ والنخب والتركيب الاجتماعي والاقتصادي الذي يغير من المسار الذي استقرت عليه إسرائيل منذ تأسيسها
"
اليهودية العالمية الجديدة

"حال الشعب اليهودي في العام 2004: عوامل التأثير على اليهود في عالم متغير- بين التقدم والتراجع" عنوان تقرير هو الأول من نوعه صادر عن معهد تخطيط السياسات للشعب اليهودي بتكليف من الوكالة اليهودية العالمية، وبإشراف البروفيسور في الجامعة العبرية بالقدس، سيرجيو ديلا بيرغولا.

 

وقد كتب المبعوث الخاص السابق للرئيس الأميركي لعملية السلام في الشرق الأوسط واليهودي المعروف دينيس روس مقدمة للتقرير، وهو يعمل اليوم رئيسا للمعهد اليهودي الذي أصدر التقرير، وقد أصدر المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ترجمة له ستنشر في المستقبل القريب.

 

يشتمل التقرير على معطيات دقيقة وواسعة تشمل كل الجاليات اليهودية في العالم على كل الأصعدة، ويتطرق لأحدث التغييرات في أروقة السياسة الدولية والإقليمية وانعكاساتها على اليهود، فجزء كبير من مضامينه قد يشكل عناوين لتوجهات إسرائيل ولمؤسسات اليهودية لعدة عقود مقبلة.

 

ويبدو أن ثمة خلافا بين الوكالة اليهودية العالمية التي ترى دولة إسرائيل جزءا من الإطار اليهودي العالمي، ودولة إسرائيل واليهود الإسرائيليين الذين يرون أنهم مركز القيادة ليهود العالم.

 

ومن المخاطر على اليهود التي يراها التقرير حالة التعددية الإثنية والثقافية في إسرائيل التي أدت إلى ظاهرة الزواج المختلط بين الأديان، وتغريب الزواج، أي بين الأعراق اليهودية نفسها، إذ يعتبرها التقرير أمرا خطيرا!، وتمثل الزيجات خارج الدين نصف حالات الزواج في المجتمعات اليهودية.

 

وأفادت معطيات التقرير بأن أعلى نسبة للزواج المختلط لليهود هي في روسيا وأوكرانيا، حيث بلغت 80%. وفي ألمانيا وهنغاريا 60%، وفي الولايات المتحدة 54%، وفي فرنسا وبريطانيا والأرجنتين 45%، وفي كندا 35%، وفي أستراليا 22%، وفي جنوب أفريقيا 20%، وفي المكسيك 10%. أما في إسرائيل فإن نسبة الزواج المختلط لا تتجاوز 5%.

 

ويلاحظ التقرير أن "معظم اليهود يجدون أنفسهم ويعيشون حاليا في أكثر البلدان والمدن قوة في العالم النامي، جامعين الثراء والقوة العسكرية والمعرفة الرفيعة التكنولوجية والحرية السياسية.

 

كما أن اليهود في جاليات الشتات (الدياسبورا) في موقع ملائم، فيما يتعلق بالتربية والدخل والموقع في الصناعات العالمية الأساسية للدفاع عن المصالح اليهودية.

 

ويوجد تحت تصرف اليهود عدد كبير من المصادر يمكن تعبئتها لدعم الهوية والثقافة اليهودية، والدفاع عن الجاليات اليهودية أمام التهديدات الخارجية، ولليهود تمثيل جيد في مراكز صنع القرار السياسي والاقتصادي، وهم أيضا في وضع يمكنهم من ممارسة التأثير.

 

وفي التقرير اقتراحات جديدة حول مأسسة النفوذ اليهودي بما ينسجم مع الانقلابات العالمية في مجالات الاقتصاد والإعلام والسياسة، وإثارة أسئلة ساخنة حول الهوية وحول علاقات إسرائيل وسياساتها بالجاليات اليهودية في العالم وحول عملية السلام.

 

وربما يكون التغير الكبير في مسار اليهودية العالمية هو ما يحدث في إسرائيل من تحولات في النفوذ والنخب والتركيب الاجتماعي والاقتصادي الذي يغير من المسار الذي استقرت عليه إسرائيل منذ تأسيسها.

 

"
صعود اليهود الشرقيين في إسرائيل قد يجعلها تتجه لتكون جزءا من المنطقة وليس دولة وظيفية مرتبطة بالغرب وتعتمد عليه، في الوقت الذي تريد فيه الوكالة اليهودية أن تبقى إسرائيل واليهود جزءا من الغرب
"
فقد أنشئت إسرائيل كدولة أوروبية ينتمي إليها مجتمع أوروبي عصري يختلف عن المجتمعات الشرقية، وقد أدت هذه السياسة إلى استعلاء وسيطرة المجموعة الأوروبية، وتهميش المجموعات الشرقية.

 

وقد تعمدت السياسات الإسرائيلية حجب التعليم الثانوي عن أبناء السفارديم لكي يستمروا في الأعمال الزراعية والأعمال غير الماهرة، وليبقوا طبقة دونية في المجتمع الإسرائيلي.

 

وربما يكون من أسباب التحول الكبير الذي جرى عام 1977 في إسرائيل الاتجاه الكبير للشرقيين إلى إسقاط حزب العمل المسؤول عن السياسات المتحيزة والتمييزية تجاه الشرقيين، ويقدر أن 80% منهم قد أعطوا أصواتهم للأحزاب اليمينية عام 1992.

 

وربما يكون الوضع الأمني غير المستقر عاملا في توحيد المجموعات اليهودية وتأجيل الصراع الإثني والثقافي والطبقي، ولكن المشكلة بدأت بالظهور مؤخرا على نحو قوي وواضح مثل الصراع بين المتدينين والعلمانيين والتمايز الروسي.

 

ولم يقتصر الانقسام الإسرائيلي على الانتخابات، بل امتد إلى المجالات الاجتماعية أيضا، وبدأت هيمنة السياسة الطائفية في إسرائيل، فقد برزت الأحزاب الطائفية مثل شاس، وبدأ الشرقيون يحتلون مناصب مهمة ويشاركون في السلطة المحلية ويؤثرون في الأحزاب السياسية.

 

إن الطبقة المؤسسة من الغربيين الإشكناز أو "الأحوساليم" تبدو متجهة إلى الانحسار وربما الأفول بعد أكثر من نصف قرن من الهيمنة والتسلط، وكانت نتائج الانتخابات الأخيرة في إسرائيل خاصة عام 2001 كما يصفها باحث إسرائيلي الحلقة النهائية، على الصعيدين الرمزي والسياسي، في سيرة "الاحوساليم".

 

وتشهد الواجهة السياسية الإسرائيلية اليوم صعودا لافتا للقيادات الشرقية، ففي الليكود هناك ديفد ليفي ومئير شتريت وموشيه قصاب الذي تدرج حتى صار رئيس دولة، وسلفان شالوم (وزير المالية في حكومة شارون) وشاؤول عمور، وفي حزب العمل أيضا وصل إلى الصف الأول عدد كبير من الشرقيين، مثل بنيامين بن إليعازر، وشلومو بن عامي، ورعنان كوهين، ورافي أدري، ورافي ألول، وإيلي بن مناحم وعمير بيرتس (رئيس "الهستدروت الجديدة") وغيرهم.

 

ماذا يعني التحول الإسرائيلي نحو الشرقية واستمرار الوكالة اليهودية تحت هيمنة غربية؟ هل يعني أن إسرائيل قد تتجه لتكون جزءا من المنطقة وليس دولة وظيفية مرتبطة بالغرب وتعتمد عليه، في الوقت الذي تريد فيه الوكالة اليهودية أن تبقى إسرائيل واليهود جزءا من الغرب؟

 

عندما نشأت الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر بقيادة هرتزل اعتبرها قادة اليهود التقليديون مثل روتشيلد تجمعا من الشحاذين، لأنهم كانوا يرون في قيام دولة يهودية خطرا على اليهود، ويفضلون إستراتيجية ترتيب أوضاع اليهود في دولهم.

 

واليوم تبدو القيادة اليهودية في العالم تتخذ دور الحركة الصهيونية السابق في حين تتجه إسرائيل التي أنشأتها الحركة الصهيونية إلى الإستراتيجيات والأفكار التقليدية التي كانت سائدة قبل 120 سنة، وهي أن يكون اليهود جزءا من المنطقة التي ينتمون إليها، ولكن اليهود هذه المرة هم دولة إسرائيل.

 

وربما يكون من أمثلة هذا التوجه الإسرائيلي أفكار إسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بعد توقيع معاهدة السلام مع الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، إذ كان يدعو إلى إقامة تكتل إقليمي يكون قادرا على التطور والازدهار بنفسه وبإمكانياته وموارده الذاتية.

 

فهل كان مقتله صراعا بين اتجاهات التحول إلى دولة حقيقية مندمجة في المنطقة والعالم وبين الدور الوظيفي الإستراتيجي لليهود وإسرائيل؟

 

"
إسرائيل ستتراجع أهميتها، فهي لم تعد قاعدة متقدمة لمواجهة الاتحاد السوفياتي وتهديد الوطن العربي والمحافظة على تجزئته وتفرقته، وستزيد أهمية باكستان لتكون هي القاعدة الأطلسية في مواجهة المد الآسيوي
"
إسرائيل وتحولات الصراع

إذا كان المشروع الأميركي للإصلاح والتعاون مع الشرق الأوسط حقيقيا وجادا، وثمة ما يدعو للاعتقاد بذلك لحاجة الولايات المتحدة ومصالحها إليه، فإن ذلك يعتمد على حالة من الاستقرار والرضا في المنطقة.

 

وثمة قناعة واسعة الانتشار في العالم بأن حالة الاضطراب والعنف والتطرف التي يشهدها العالم مرتبطة بالاحتلال والشعور بالظلم، فهل نتحدث عن تحولات كبرى في الرؤية الإستراتيجية الأميركية نحو إسرائيل والصراع القادم المتوقع مع الصين؟

 

وهل يكون التحول في سياسات ومواقف منظمات المقاومة الفلسطينية خاصة حماس والجهاد نحو وقف العمل العسكري والمشاركة السياسية فرصة معقولة ومهمة لإنشاء حالة من الاستقرار والرضا في فلسطين وإن لم تكن على أساس عادل أو على أساس طموحات وأهداف حركات المقاومة، وتكون هذه الحالة أساسا لإنهاء التوتر في المنطقة وحشدها في الصراع المستقبلي؟

 

وفق هذا المشهد ستتراجع أهمية إسرائيل، فهي لم تعد قاعدة متقدمة لمواجهة الاتحاد السوفياتي وتهديد الوطن العربي والمحافظة على تجزئته وتفرقته، وستزيد أهمية باكستان لتكون هي القاعدة الأطلسية في مواجهة المد والمعسكر الآسيوي.

 

وهذا يقتضي بالضرورة تحقيق تسوية مرضية ومستقرة وإن لم تكن عادلة للقضية الفلسطينية، وإعادة ترتيب المنطقة باتجاه التنافس والصراع الجديد، وحشد المسلمين وطلائعهم من الحركات الإسلامية في تحالف جديد.

 

ويمكن أن تكون أيضا قضية المسلمين في الصين (تركستان) عنوانا لقضية جديدة يتجمع المسلمون فيها لمواجهة الصين على غرار تجربة أفغانستان، وحتى القاعدة والحركات القتالية الأخرى يمكن أن تكون جزءا من هذا المشروع الجهادي.

 

وربما كانت أحداث سبتمبر/ أيلول وحرب العراق قد أعادت مسار الصراع والتنافس العالمي نحو موارده وأطرافه الحقيقية، تماما كما حدث في أوائل التسعينيات عندما صفيت بعد حرب الخليج الثانية المجموعات القتالية الأممية واليسارية والقومية والوطنية، وهي ما يمكن التعبير عنها رمزيا، وليس موضوعيا باعتقال كارلوس وأوجلان.

 

وكان الإعلان عن مفاوضات تجريها كل من واشنطن ولندن مع المقاومة العراقية على لسان كل من رمسفيلد وبلير بعد نشر تقرير في الصحافة البريطانية يبدو أنه سرب عمدا من قبل الإدارة الأميركية والبريطانية منتظرا منذ مدة طويلة، وكان بعض المحللين يغامرون بالقول بوجود هذه المفاوضات اعتمادا على حدس تحليلي وإشارات غامضة.

 

فالقاعدة المنطقية لهذه المفاوضات كانت قوية وقائمة في التحليل والتفكير، والدول لا تخوض الحروب لأجل الهواية والاستمتاع، والمصالح التي يمكن تحقيقها دون القوة العسكرية لا تحتاج إلى القوة حتى ولو كانت متاحة وممكنة.

 

والمدرسة الأميركية الدبلوماسية والإستراتيجية التي صاغها كسينجر ولم يبتدعها تقوم على أن التسويات يجب أن يخرج منها الجميع في حالة توازن، وأن القوة المنتصرة يجب ألا تسحق المهزوم أو تبيده حتى لو استطاعت ذلك، وإنما يجب أن تمنحه قدرا ومنفذا لسلام مشرف، وأفضل ضمان للسلام هو التوازن.

______________

كاتب أردني

المصدر : الجزيرة