من منا لم يتحرق ولم يتصبب عرقاً، ومن منا لم يتمن أن ينخلع من ملابسه، بل من بشرته الذاتية هرباً من حرارة هذه الأيام؟ من منا لم يستغرب تلعثم مناخ الأرض وتقلبه بغير نذير بين قيظ قاس وبرد قارس، وبين فيضانات غامرة وموجات جفاف حارقة، أو بين أعاصير جامحة وحرائق غابات مهلكة؟ ومن منا لم يتساءل.. ماذا حدث في هذه الدنيا؟ وما أسباب انقلاب المناخ علينا بهذا الشكل المفاجئ؟
 
التفسير الأوحد والأقرب لكل هذه الفوضى ولكل هذه العذابات، يتلخص في ظاهرة "الاحتباس الحراري"، أو احتباس الحرارة داخل غلاف الأرض الجوي ومن ثم سخونة سطحها بصورة غير اعتيادية.
 
هذه الظاهرة جديدة على المجتمع البشري، وإن لم تكن جديدة على كوكب الأرض، حيث طفت على السطح بقوة منذ بداية التسعينيات، وذلك عندما أصدرت الهيئة الحكومية الدولية للتغير المناخي IPCC وهي هيئة علمية تابعة للأمم المتحدة تقريراً رسمياً يشير إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض بشكل متنام، ويشير أيضاً إلى أن ذلك يشكل خطراً بالغاً على مستقبل البشرية، بل على مستقبل كوكب الأرض بأكمله.
 
ومنذ ذلك الحين والجدل والخلاف لم ينقطعا بين مشكك في حقيقة تلك الظاهرة وواقعية تداعياتها ومخاطرها المحتملة وبين مرجح لصحتهما، أو بين مؤيد للإجراءات المتخذة للحد منها وأهمها برتوكول كيوتو وآلياته المختلفة، وبين معترض على جدوى الحلول المقترحة وعلى تكلفتها الباهظة.
 
صوبة العالم الزجاجية
"
ممارسات الإنسان السيئة وأبرزها إزالة الغابات والمناطق الخضراء وتلويث البحار والمحيطات والإسراف في حرق النفط، قد حولت  النعم الصالحة إلى نقم طالحة
"
"العالم في صوبة زجاجية كبيرة" وصف دقيق يلخص وضعية العالم الحالية ومعاناته التي أصبحت أزلية جراء ما يعرف بتأثير الصوبة الزجاجية، وهو أهم محفز على حدوث الاحتباس الحراري. فمن أهم صفات الصوبة الزجاجية، السماح بدخول أشعة الشمس الخارجية وتخزين جزء كبير منها دون السماح لها بالنفاذ ثانية، وهو ما يعني ارتفاع درجة الحرارة بشكل واضح داخل الصوبة مقارنة بالجزء المحيط بها، وهذا هو تماماً حال كوكب الأرض حالياً.
 
فالطبقة الداخلية لغلاف الأرض الجوي تبدو كأنها محاطة بطبقة أخرى عازلة من غازات "الدفيئة" تقوم بعمل زجاج الصوبة الزراعية، إذ تسمح هي الأخرى بدخول الإشعاع الشمسي ولا تسمح بنفاذ معظمه ثانية، مسببة بذلك احتباس الحرارة بالداخل ومن ثم انكواء جميع من بداخلها سواء كان إنساناً أو حيواناً أو غير ذلك بحرارة ذلك القيظ  القاسي.
 
وتعتبر غازات ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء والميثان، والأوزون وأكاسيد النيتروجين ومركبات الكلورو فلورو كربون من أهم غازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري، وإن كان الأول هو أهم هذه الغازات وأكثرها تأثيراً.
 
وعلى الرغم من أن وجود هذه الغازات، وبخاصة ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء، ضروري للمحافظة على استمرار الحياة بشكلها الحالي، إذ بدونها قد تصل الحرارة على الأرض إلى ما دون 15 درجة تحت الصفر، إلا أن ممارسات الإنسان السيئة وأبرزها إزالة الغابات والمناطق الخضراء وتلويث البحار والمحيطات والإسراف في حرق النفط وبقية أنواع الوقود الحفري الأخرى، قد حولت هذه النعمة الصالحة إلى نقمة طالحة.
 
فقد أدت هذه الممارسات إلى زيادة إنتاج غازات الدفيئة، في الوقت الذي قل فيه معدل امتصاصها، لتتراكم على هذا النحو بكميات كبيرة وزائدة عن الحد في طبقات الجو، وهو ما أدى إلى تعاظم تأثير الصوبة الزجاجية وبالتالي حبس كميات إضافية من الحرارة زائدة عن الحاجة داخل الغلاف الجوي، مسببة في النهاية ظاهرة الاحترار العالمي Global Warming، المعروفة اصطلاحاً بظاهرة "الدفيئة" أو "الاحتباس الحراري".
 
وتشير القياسات العلمية بالفعل إلى ارتفاع الحرارة على سطح الأرض بما بين 0.4 و 0.8 درجة مئوية خلال الـ150 عامًا الماضية، وهذا بالتزامن مع ارتفاع مستوى انبعاثات غازات الدفيئة في الجو.
ورغم أن هذه الزيادة تبدو للوهلة الأولي طفيفة وغير مؤثرة، فإنها كافية في الواقع لاضطراب حركة التيارات والأمواج في البحار والمحيطات، وكافية أيضاً لتغير مسارات التيارات الهوائية وكميات السحب والثلج المتساقط وغيرها من العوامل المتحكمة في طبيعة المناخ العالمي.
 
من هنا لم يكن غريباً اقتران هذه الزيادة بارتفاع مستوى سطح البحر بين 10 و 20 سنتيمتراً، كما لم يكن غريباً اقترانها بتكرار ظهور موجات الحر والجفاف، وحرائق الغابات والفيضانات والأعاصير وذوبان أو انهيار الكتل الجليدية والصخرية، وغمر أجزاء من الأشرطة والمدن الساحلية بمياه البحر الطاغية، وهي كلها علامات واضحة تدل على تغير مناخ الأرض بصورة ملحوظة.
 
مستقبل البشرية في خطر
"
إذا كانت زيادة الحرارة بمقدار درجة واحدة مئوية، قد سببت لنا تقلبات مناخية جامحة ومتاعب متزايدة بهذا الشكل، فما بالنا إذن بزيادة مقدارها أربع درجات كاملة؟
"
تستمر تلك النظرة التشاؤمية لأبعد من هذا، عندما تشير تقديرات لجنة الـIPCC الأممية، وكذلك معظم النماذج الرياضية المختصة في التنبؤ بحجم التغير المناخي المستقبلي، إلى أن الأرض ستتعرض - إذا ما ظلت انبعاثات غازات الدفيئة على وتيرتها الحالية– لارتفاع في درجة الحرارة مقداره أربع درجات في المتوسط بنهاية القرن الحالي.
 
وستتباين هذه الزيادة من منطقة جغرافية إلى أخرى، فمثلاً ستقتصر هذه الزيادة على درجتين مئويتين فقط في منطقة جنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية، بينما ستحظى منطقة الجزيرة العربية والشام وشمال أفريقيا، إضافة إلى أميركا بزيادة تتراوح بين 3 و 5 درجات مئوية، في حين أن منطقة مثل القارة القطبية الشمالية سترتفع فيها الحرارة بمقدار عشر درجات مئوية.
 
والسؤال البديهي الآن هو إذا كانت زيادة الحرارة بمقدار درجة واحدة مئوية قد سببت لنا تقلبات مناخية جامحة ومتاعب متزايدة بهذا الشكل، فما بالنا إذن بزيادة مقدارها أربع درجات كاملة؟ النتائج والتداعيات ستكون في الحقيقة كارثية، وسيصعب تحملها، لكن يجب على أي حال معرفتها والتوعية بها، لعل أن تكون في ذلك فائدة، أو لعله يعطينا تصوراً عن فداحة الخسارة المترتبة على إهمالنا وعدم مبالاتنا بحق البيئة المحيطة وبحق أنظمة الأرض الطبيعية، ومن تلك التداعيات:
 
- ذوبان أجزاء كبيرة من القارة القطبية الجنوبية وغرينلاند، مما سيؤدي إلى ارتفاع مستوى البحر بمقدار قد يصل إلى تسعة أمتار كاملة، وهو ما يعني غرق أجزاء كبيرة من الجزر الاستوائية والدلتاوات البحرية والمناطق الساحلية المنخفضة خاصة في شمال أوروبا وشرق أميركا ومصر وبنغلاديش والهند والصين.
 
- زيادة معدل انتشار الأمراض والأوبئة المستوطنة مثل الملاريا وحمى الضنك والتيفود والكوليرا بسبب هجرة الحشرات والدواب الناقلة لها من أماكنها في الجنوب نحو الشمال، وكذلك بسبب ارتفاع الحرارة والرطوبة ونقص مياه الشرب النظيفة.
 
-تدمير أو انخفاض إنتاجية بعض الموائل الطبيعية الحيوية، وعلى رأسها الشعاب المرجانية والغابات المدارية، وهي من أهم الموائل على ظهر الأرض ومن أكثرها عطاء للإنسانية، تتبع ذلك زيادة معدلات انقراض الكائنات الحية كنتيجة مباشرة لتدمير مثل هذه الموائل وعدم قدرة الكثير من كائناتها على التأقلم مع التغيرات الجديدة.
 
-زيادة نسبة الأراضي القاحلة وانخفاض الإنتاجية الزراعية كنتيجة مباشرة لزيادة نسبة الجفاف وتأثر عدد كبير من المحاصيل الزراعية سلباً بتغير درجة الحرارة والمناخ.
 
-تغير أنماط الأمطار والثلوج وتيارات المحيطات وارتفاع ملوحة وحموضة مياه البحر، وما يتبع ذلك من زيادة موجات الجفاف وحرائق الغابات وحدة العواصف وغير ذلك من الاضطرابات المناخية المذكورة آنفاً.
 
ليس من المبالغة  إذن وصف هذه التداعيات بأنها مدمرة، وليس من قبيل المزايدة القول بأنها ستتسبب في رسم خريطة جديدة للكرة الأرضية، وللتوزيعات البشرية عليها. ولعل هذا ما دعا جموع العالم مؤخراً إلى الاجتماع على هدف واحد هو محاولة الحد من انبعاثات غازات الدفيئة ووقف ظاهرة الاحتباس الحراري.
 
ومن أجل هذا صدقت بالفعل حوالي 141 دولة من بينها 12 دولة عربية على برتوكول كيوتو وآلياته المختلفة، وأبرزها ضريبة الكربون وتجارة الانبعاثات، رغم ما ينطوي عليه ذلك من ضرر لجهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية في تلك الدول.
 
احترار متنام أم جدل ممتد؟
"
بعض العلماء يرى أن احترار كوكب الأرض قد يكون جزءاً من دورة مناخية طبيعية، ولا دخل للإنسان فيه، وبرهانهم على ذلك هو مرور الأرض بحالة مماثلة في فترة ما قبل الثورة الصناعية
"
إلى أي مدى يمكن أن تَصدُق تلك التوقعات المتشائمة؟ الحقيقة أن الأمر لا يخلو من جدل ومعارضة، فعلى الرغم من اتفاق عدد كبير من العلماء على حقيقة سخونة الأرض واحتمالية تعرض البشرية بالفعل لأخطار محدقة بسببها، فإن هناك علماء يرون غير ذلك، مستندين على نظرة تفاؤلية وعلى حقائق علمية ومؤشرات جدلية لا يمكن تجاهلها.
 
فبعض العلماء يرى مثلاً أن احترار كوكب الأرض قد يكون جزءاً من دورة مناخية طبيعية، ولا دخل للإنسان أو لغازات الدفيئة فيها، وبرهانهم على هذا مرور الأرض بحالة مماثلة من الدفء العالمي في فترة ما قبل الثورة الصناعية، أي قبل تنامي أنشطة الإنسان وقبل تلوث الجو بغازات الدفيئة، ومرورها أيضاً بحالة من البرودة النسبية خلال حقبة السبعينيات رغم استمرار تنامي الانبعاثات الغازية والملوثات الجوية في تلك الفترة، ويعني ذلك أن دفء الأرض قد ينقلب في أية لحظة برداً وسلاماً على كل ما عليها.
 
ويرتكز تفاؤل هؤلاء العلماء على حقيقة أن مناخ الأرض يتصف بالديناميكية والتغير وتؤثر فيه عناصر وعوامل كثيرة جداً، طبيعية وبشرية، مما يعني صعوبة التمييز بين إسهام الأنشطة البشرية في هذا التغيير وبين دور العوامل الطبيعية في إحداثه. كما يرتكز أيضاً على أن تزامن زيادة نسبة غازات الدفيئة وتكاثرها في الجو مع ارتفاع متوسط درجة الحرارة على الأرض لا يعتبر دليلاً ولا يكفي لكي نتهمها بالتسبب في حدوث الاحتباس الحراري.
 
بل إن هناك من العلماء من يذهب في تفاؤله إلى حد القول بأن التغير المناخي حتى لو تحقق لن يخلو من فوائد، منها مثلاً تحسن إنتاجية بعض الغابات والمحاصيل، وزيادة مصادر المياه، وتحسن حالة بعض الموائل الطبيعية، وغير ذلك من التقديرات المتفائلة.
 
بعد الاطلاع على أوجه هذا الجدل، يثور هنا أكثر من سؤال منطقي مثل: هل يجدر تطبيق المقولة "في اختلاف العلماء رحمة" هنا، والأخذ بها في هذه القضية؟ وهل من الأفضل الركون إلى تفاؤل بعض العلماء أم ينبغي النظر بعين الاعتبار لوجهة النظر المتشائمة؟
 
"
مشكلة الاحتباس الحراري تفوق في حجمها وخطورتها  مشكلة الإرهاب الدولي، وذلك لأنها تحصد في كل يوم، بل في كل ساعة، آلاف الأرواح والمنشآت
"
في تقديري أنه لا بأس هنا من بعض التشاؤم، لأن الركون إلى رحمة وراحة الاختلاف، والتمادي في التفاؤل والاسترخاء لن يخرجنا من المشكلة ولن يجنبنا أخطار ومضار تبدو فعلاً محدقة، وهذا ببساطة لأن سخونة سطح الأرض بغض النظر عن أسبابها ودور غازات الدفيئة فيها، أو عن كونها ظاهرة طبيعية أو ذات خلفية بشرية، هي الحقيقة الوحيدة المتفق عليها والتي تبدو مؤكدة في هذه القضية، مما يعني أن استمرارها أو تناميها قد يحفز فعلاً على حدوث تغيرات مناخية، لا يعلم مداها إلا الله.
 
كما أن الثابت أيضاً أن مشكلة الاحتباس الحراري تفوق في حجمها وخطورتها أي مشكلة أخرى تهدد العالم حالياً، بل تفوق مشكلة الإرهاب الدولي حسب رأي السير ديفد كينج، كبير المستشارين العلميين في الحكومة البريطانية، وذلك لأنها تحصد في كل يوم بل في كل ساعة آلاف الأرواح والمنشآت بسبب ما ينتج عنها من فيضانات وأعاصير وموجات جفاف وحرائق غابات، وتداعيات أخرى يصعب حصرها.
 
وهذا يعني أن الخطر هنا مشترك، وأنه لا توجد منطقة في العالم بمنأى عن مخاطر تلك المشكلة. لذا فإنه يجب تكاتف الجميع والعمل جدياً من أجل حلها والحد من تداعياتها.
 
لقد جفت حلوق علماء البيئة وجماعات الخضر لكثرة الحديث عن أضرار التلوث، وأهمية المحافظة على أنظمتنا البيئية، وجدوى التنمية المستدامة، وغيرها من المبادئ البيئية المحافظة، لذا نحسب أننا لن نزيد على هذا ولن نقدم جديداً مهما قلنا.
 
ومع ذلك لا ينبغي الكف عن التذكير بأن ما ننفثه اليوم من غازات وملوثات ضارة، قد نجنيه غدا كوارث وتغيرات مهلكة. الأمر إذن واضح، ولا يحتاج إلى مزيد من الشرح أو التعليق، فهل نعقلها ونتوكل؟


ــــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة