ياسر الزعاترة

منذ أسابيع، وتحديدا منذ قرار الحكومة العراقية الجديدة التمديد لقوات الاحتلال، يندلع جدل بلا أفق واضح حول ما إذا كان انسحاب قوات الاحتلال هو صاحب الأولوية أم إعادة الأمن إلى الساحة العراقية، لاسيما بعد أن فوجئت الأوساط السياسية المحلية والعربية والدولية باتساع دائرة المقاومة وأعمال العنف على نحو واسع في وقت كان الجميع يبشرون بانحسارها، سواء كان في الدوائر الأميركية أم في دوائر الحكومة العراقية، وهو الأمر الذي افتضح وأنتج تناقضا واضحا في التصريحات بين أركان الحكومة الأميركية والعراقية.

أوضح تعبير عن هذه الجدلية التي نحن بصددها ورد على لسان المتحدث باسم الحكومة العراقية السيد ليث كبة، حيث ذهب بعد التأكيد على التزام الحكومة بشأن خروج القوات الأجنبية إلى أن "تعجيل الانسحاب قبل بناء قوات أمنية قوية سيدفع الجماعات الإرهابية إلى إخفاء أسلحتها لفترة واستئناف العمليات المسلحة بعد خروج القوات الأميركية"، مضيفا أن "من يريد إخراج القوات الأجنبية فليساعد قوات الدولة على التخلص من الشبكات الإرهابية ووقف العنف".

بالمقابل كانت قوى عديدة في الساحة العراقية، ومن مختلف الأطياف السياسية، ترى رأيا آخر، إذ تصر على سرعة انسحاب القوات الأجنبية من أجل استتباب الوضع الأمني، على اعتبار أن أعمال المقاومة لن تتوقف، بما في ذلك أعمال العنف المرفوض، قبل خروج تلك القوات.

يشارك في هذا الرأي (103) من نواب الجمعية الوطنية، وأكثرهم من الشيعة، إضافة إلى التيار الصدري الذي أعلن عن وثيقة مليونية تطالب بإخراج القوات الأجنبية، كما يشارك فيه أعضاء المؤتمر التاسيسي العراقي لمقاومة الاحتلال الأميركي في العراق، والذي يتشكل من العديد من القوى والهيئات المهمة على رأسها هيئة علماء المسلمين.

يشار هنا إلى أن البرنامج الذي خاض الائتلاف العراقي الموحد على أساسه الانتخابات كان ينص على إخراج القوات الأجنبية من العراق، لكن ذلك لم يحدث كما هو معلوم، بل إن تمديد وجودها قد تم بقرار من الحكومة من دون الرجوع إلى الجمعية الوطنية.

"
المقاومة لا تحتاج لكي تستمر وتتصاعد إلا لعنصرين، الأول هو الفضاء الشعبي الحاضن والمساند، وهو ما يتوفر بقوة في مناطق العرب السنة، أما الثاني فهو الدعم الخارجي، وهو ما يتوفر بقوة أيضا
"

من الضروري الإشارة هنا إلى أننا في هذه السطور لا نفترض أن القوات الأميركية هي رهن إشارة الحكومة العراقية، ما إن تقول لها "مع السلامة" حتى تحمل أمتعتها وترحل، ذلك أن المعادلة أكثر تعقيدا من ذلك بكثير، بدليل أن صلاحيات الحكومة لاتزال محدودة، إذ تسيطر قوات الاحتلال على ملفي الأمن والنفط، بل وتتحكم بمختلف الملفات الأخرى على نحو مباشر أو غير مباشر.

بل إن الجعفري لا زال يغازل الحكومة الأميركية من أجل منحه الصلاحيات المناسبة، وقد تابعنا ذلك الغزل بالعلاقة الإستراتيجية بين البلدين كما تجلى على لسان الجعفري أثناء زيارته لواشنطن حيث أكد لمضيفه الأميركي أن بغداد ستحافظ على علاقتها مع واشنطن حتى لو قامت هذه الأخيرة بعمل عسكري ضد طهران، وذلك في محاولة مكشوفة من زعيم حزب الدعوة الذي طالما احتضنته طهران للتأكيد على أن العلاقة مع الولايات المتحدة مقدمة على العلاقة مع إيران. وليس مهما بعد ذلك ما إذا كان الجعفري يمارس التقية أم أنه كان صادقا وبكامل وعيه!!.

خلال الأسابيع الأخيرة لم يعد بوسع الجنرالات الأميركان وحتى السياسيين سوى الاعتراف بصعوبة هزيمة المقاومة العراقية في غضون شهور، وحاجتهم إلى سنوات لإنجاز المهمة، وقد تزامن ذلك مع تصاعد المقاومة وأعمال العنف على رغم عمليات السيف والخنجر والرمح ومصارع الثيران وما بعدها وما قبلها، الأمر الذي أكد أن هزيمة المقاومة لا تبدو ممكنة.

وفي تفسير ذلك يمكن القول إن المقاومة لا تحتاج لكي تستمر وتتصاعد إلا لعنصرين، الأول هو الفضاء الشعبي الحاضن والمساند، وهو ما يتوفر بقوة في مناطق العرب السنة، فيما تزيدها أعمال العنف والعقوبات الجماعية التي تشن بحق مناطقهم اتساعا وتأكيدا يوما إثر آخر. أما الثاني فهو الدعم الخارجي، وهو ما يتوفر بقوة أيضا.

وإذا اعتقد الجعفري أن تحريضه السافر على سوريا في واشنطن يمكن أن يحل المشكلة فهو واهم، لأن سوريا ليست مصدر التدفق الوحيد للمقاتلين والسلاح والمال، بل هناك مصادر أخرى لن توقف دعمها، في حين لا تفعل ذلك بالضرورة على نحو مباشر، بل على نحو غير مباشر، الأمر الذي سيجعل مطاردتها والتحريض عليها صعبا إلى حد كبير.

ثمة حاجة لأن يدرك الجعفري ومن معه من عقلاء التحالف الشيعي ومن يقف وراءهم من المراجع أن المحيط العربي خائف إلى حد كبير من توجهاتهم السياسية عربيا وإقليميا، فالحكومة الطائفية في العراق سيكون لها تأثيرات حيوية على استقرار العديد من الأنظمة العربية، وهي تأثيرات لا يمكن أن تواجه بالصمت والانتظار، وإذا كان بالإمكان تجاوز مثل هذه المخاوف، الأمر الذي لا يبدو ممكنا في واقع الحال، فإن تجاوز البعد الآخر سيكون أكثر استحالة، أعني ما يمكن أن يتركه نجاح الحكومة في بسط الأمن ومن ثم الإبقاء على القوات الأميركية في قواعد عسكرية تتحكم بالبلد من خلالها، ما يمكن أن يتركه على فرص نجاح المشروع الأميركي لإعادة تشكيل خريطة المنطقة (مشروع الشرق الأوسط الكبير).

من الصعب ها هنا أن يصدق المحيط العربي والإقليمي أن الجعفري سيخرج القوات الأميركية عندما يتوقف العنف، فقد وعد قبل ذلك وأخلف. وإذا كان في واشنطن قد طمأن قادتها على تحالفه الإستراتيجي معهم حتى لو ضربوا إيران عسكريا، فماذا عساه يكون الموقف من تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الكبير بشكل عام، لاسيما بالنسبة للدول العربية التي لا يكن لها الجعفري ومن حوله أي ود، بل يرونها صدامية (نسبة إلى صدام) الوجه واليد واللسان في بعض الأحيان، فيما يرونها آخرون سنية المذهب للشيعة معها ثارات تاريخية!!.

من هنا يمكن القول إن دوامة العنف لا تبشر بنهاية قريبة مهما شنت القوات الأميركية والقوات العراقية من حملات لدهم مناطق العرب السنة من أجل مطاردة رجال المقاومة، أو الإرهابيين بحسب الوصف المستخدم، أما حكاية الحوار مع بعض قوى المقاومة من أجل فرز القوى الإرهابية عن المقاومة الشريفة كما يقال، فلن تحقق نجاحا يذكر، لسبب بسيط هو أن جدولة انسحاب القوات الأجنبية هي الحد الأدنى السياسي الذي يمكن أن يشكل فاتحة معقولة للحوار.

بالمقابل لا تبدو الحجة التي أوضحها ليث كبة ورددها الجعفري والحكيم، ويرددها أركان الحكومة والمتحالفين معها مقنعة إلى حد كبير، إذ أن انسحاب القوات الأجنبية ومعه قيام توافق وطني على حكومة غير طائفية وعراق موحد تمهيدا لانتخابات عادلة لا يمكن إلا أن يحظى بدعم الدول العربية والإقليمية، فيما يحظى بدعم شعبي كبير من مختلف القوى العراقية والجماهير عموما، وهنا تحديدا سيفقد العنف مصدري الدعم اللذين أشرنا إليهما سابقا، ولنتذكر على سبيل المثال أن عنفا أقوى وأسوأ بكثير كما هو الحال في الجزائر ومصر قد توقف بعد أن فقد فضاءه الشعبي ومدده الخارجي.

أما استمرار التحذير من الحرب الأهلية والطائفية كما يفعل زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية السيد عبد العزيز الحكيم فلا يبدو مجديا، فمثل هذا التحذير ينبغي أن يوجه إليه هو لا سواه، فالحرب الطائفية لا تفتعلها مجموعة الزرقاوي فقط بممارساتها المعروفة، بل تحفزها أكثر ممارسات القوات العراقية التي تنفذ العقوبات الجماعية بحق مناطق العرب السنة.

وفي العموم فإن الحرب الأهلية لا تخص العرب السنة وحدهم، بل تسيء للجميع ولن يربح منها أحد، أما التلويح بانتقالها إلى المحيط العربي فلا يبدو ذا معنى إذ أنه يوجه إليه أيضا، اللهم إذا اعتقد أن بوسعه أن يهدد الدول المحيطة بشيعتها، وهو ما لا يقبله أولئك بحال من الأحوال، ليس لعجزهم عن مواجهة دولهم فحسب، بل بسبب رفضهم المسبق لمثل تلك الحرب العمياء، لاسيما وهم يتعايشون مع محيطهم حتى لو كانت لهم مظالمهم السياسية والاجتماعية التي يمكن تسويتها بالحوار وليس بالاقتتال.

وفي أي حال فإن مثل تلك التحذيرات لن تؤدي إلى وقف الدعم عن المقاومة في العراق، لأن الخطر القادم من استتباب الأمن وسيطرة القوات الأميركية على الوضع وتمددها نحو الخارج ومنحها قيادة المنطقة للكيان الصهيوني، كل ذلك يبدو أكثر خطرا بكثير من مخاوف حرب أهلية تشمل المنطقة لا تبدو مقنعة بحال، حتى لو كانت ملامح الحرب الأهلية متوفرة في العراق ذاته.

"
لو كان الوضع الرسمي العربي يمتلك شيئاً من العافية لكان بوسعه فعل شيء على هذا الصعيد، لكنه مع الأسف عاجز أيما عجز، ما يلقي بالتبعة على القوى الحية في الأمة كي تتحرك من أجل إنجاز مشروع يحرر العراق
"

من هنا يمكن القول إن المسار الأفضل للعراق هو ذلك المسار المقنع المتمثل في المطالبة بسحب القوات الأجنبية وإنشاء توافق وطني على حكومة وحدة تمهد لانتخابات عادلة. وفي حين يبدو هذا الطرح صعب التطبيق بالنسبة لحكومة دمية يتحكم الاحتلال بمفاصلها ويتعامل معها كما لو كان ملكا يمكنه تغيير حكومته في أي لحظة، فإن الجهة التي يمكنها طرح المشروع هي تلك التي منحت الحكومة وقبلها الائتلاف الموحد رخصة الفوز في الانتخابات، أعني السيد علي السيستاني، وسيكون ذلك ممكنا من خلال الحوار مع هيئة علماء المسلمين، والعديد من القوى السنية والشيعية الفاعلة في الساحة.

إن توافقا كهذا لن يطالب المحتلين بالرحيل بمنطق الاستجداء، ولكن بإخراج الناس إلى الشوارع، وصولا إلى العصيان المدني، وذلك بإعلان إنهاء الاحتلال من دون قيد أوشرط، ومن ثم تشكيل حكومة وحدة من شخصيات نزيهة معروفة تحمل البلاد نحو إحصاء سكاني وانتخابات عادلة ودستور توافقي.

لكن عدم حدوث مبادرة من هذا النوع لا ينبغي أن يترك الساحة مشرعة أمام مسار العنف الزاحف نحو الحرب الأهلية، ليس لإمكانية تمددها واقعيا نحو الخارج العربي والإسلامي، بل لما يمكن أن تحدثه من شرخ في صف الأمة، في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى الوحدة، لاسيما وأن البلدوزر الأميركي لن يستثني، لا إيران الشيعية ولا حزب الله الشيعي، ولا الآخرين أيا كانوا.

لو كان الوضع الرسمي العربي يمتلك شيئاً من العافية لكان بوسعه فعل شيء على هذا الصعيد، أكان مباشرة، أم من خلال المؤسسات المشتركة مثل الجامعة العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي، لكنه مع الأسف عاجز أيما عجز، ما يلقي بالتبعة على القوى الحية في الأمة كي تتحرك من أجل إنجاز مشروع يحرر العراق ويحول دون الحرب الأهلية ويحفظ على الأمة وحدتها، في ذات الوقت الذي يفشل فيه مشروع الشرق الأوسط الكبير.

بمبادرة من الكبار في العالم العربي يمكن أن تحل المعضلة، وقد اقترحنا في مقال آخر كلا من السيد حسين فضل الله، والسيد حسن نصر الله، والسيد محمد مهدي عاكف، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، والشيخ يوسف القرضاوي، والشيخين سفر الحوالي وسلمان العودة من المملكة العربية السعودية، ومعهم أي رموز آخرى يمكنهم أن يمنحوا المبادرة المزيد من المصداقية.

نتمنى أن يستمع إلينا من يمكن أن يساهم في هذا المشروع الذي سيعتمد بالضرورة على قناعة السيد السيستاني والقوى التي تشكل الحكومة الحالية، أما القوى السنية فلا يمكن أن يكون لها أي تحفظ، فيما يمكنها بكل بساطة أن تضمن توقف العنف، حتى لو احتاج الأمر لبضعة أسابيع أو أكثر من ذلك، والسبب هو أن القادمين من الخارج لن يقفوا في وجه



مبادرة تفشل المشروع الأميركي وتسجل انتصارا كبيرا للجهاد والمجاهدين بصرف النظر عن جنسياتهم.
ـــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة