محمد بن المختار الشنقيطي

إصلاح طال انتظاره
ملامح الجد في الوعد
نظرة في ميثاق المجلس
عن العلاقات الخارجية

تستحق القيادة العسكرية الجديدة في موريتانيا على شعبها وعلى السياسيين الموريتانيين حسن الظن والتعاطي الإيجابي. فالمبادرات التي صدرت عن هذه القيادة حتى الآن تبشر بتغيير جدي في النظام السياسي، وانفراج عملي في مجال الحريات المدنية، وربما نقلة نوعية في تاريخ موريتانيا السياسي.

وهنالك طريقتان أمام القادة الموريتانيين الجدد لإقناع الشعب بجدارتهم بالفعل الجريء الذي قاموا به فجر الثالث من أغسطس/آب 2005 وبقيادة البلاد خلال الفترة الانتقالية: فإما أن يسعوا إلى استمداد التأييد من منجزاتهم الخاصة، وإما أن يسعوا إلى استمداده من مساوئ حكم العقيد ولد الطايع.

أما التأييد الذي ينبع من الغبطة بسياسات القيادة العسكرية الجديدة، فهو الذي سيبقى ويستمر، لأنه مبني على أساس صلب من الالتزامات والمنجزات العملية.

وأما التأييد النابع من مساوئ الحاكم المخلوع –على وفرتها- فهو قصير العمر، ضحل النتائج. لأن الذين أيدوا السلطة الجديدة لمجرد السخط على السلطة القديمة لا يعول على تأييدهم، إذ تأييدهم مجرد تعبير عن ردة فعل ظرفية سرعان ما تتبخر بعد أن تهدأ الأمور، وتتلاشى فرحة اللحظة الحاضرة.

ومن الواضح أن العقيد أعلي ولد محمد فال وصحبه في "المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية" اختاروا الخيار الأول، وقرروا أن يقدموا لشعبهم رؤية جديدة وآمالا واعدة.

إصلاح طال انتظاره

"
من أهم الأمور الإجرائية التي يستلزمها السعي الإصلاحي الجاد هي: إدخال التعديلات الدستورية اللازمة للتداول السلمي على السلطة، ومنع العسكريين من الترشح للمناصب السياسية، وإعادة صياغة قانون الانتخابات والأحزاب
"
وأهم ما يتعين على القيادة الجديدة في موريتانيا هو التركيز على تغيير إجراءات النظام السياسي وآلياته، بدلا من تغيير وجوهه وشخصياته. ومن أهم الأمور الإجرائية التي يستلزمها السعي الإصلاحي الجاد هي:

أولا: إدخال التعديلات الدستورية اللازمة للتداول السلمي على السلطة، خصوصا تغيير نصوص من الدستور الموريتاني الحالي الذي صاغه ولد الطايع على مزاجه الخاص، بما يضمن له الهيمنة والبقاء.

ومن تلك النصوص المادة (28) التي تنص على أنه "يمكن إعادة انتخاب رئيس الجمهورية"، بإطلاق دون تحديد عدد ولاياته، وهو ما يسمح للرئيس بالبقاء في السلطة مدى الحياة.

ومنها مواد أخرى كثيرة أغلبها يتعلق بمنصب الرئيس، ويجعل منه رأسا لكل السلطات بما فيها السلطة القضائية، ويذهب إلى حد إعطائه حق استبدال العقوبات الصادرة عن القضاء (المادة 37).

ثانيا: منع العسكريين من الترشح للمناصب السياسية، كما هو الحال في كل الديمقراطيات الجادة، ووقف عملهم على مهماتهم المهنية في حماية الوطن، والسهر على أمن البلاد من العدوان الخارجي.

وبذلك يتم استبعاد منطق القوة من المسار السياسي، ويصبح الإقناع بديلا عن الإكراه، والكفاءة أساسا أخلاقيا لتقلد المناصب، والتراضي أسلوبا وحيدا لحل النزاعات. فلا جامع يجمع بين الشرعية والقوة، وكل ديمقراطية تحسم القوة نتائجها هي ديمقراطية زائفة.

ثالثا: إعادة صياغة قانون الانتخابات وقانون الأحزاب بطريقة تضمن تساوي الجميع في الحقوق الدستورية والفرص السياسية، وجعل حق تشكيل الأحزاب والجمعيات، وإصدار الصحف والمنشورات، وتنظيم المسيرات والاحتجاجات، حقا دستوريا تلقائيا، لا منحة من السلطة التنفيذية التي هي منافس لغيرها من الفاعلين السياسيين في البلد.

فقانون الأحزاب الحالي قانون انتقائي، وتطبيقه في عهد الرئيس المخلوع ولد الطايع كان تطبيقا في غاية السوء. كما أن حرية الصحافة كانت صورية، وكانت المادة (11) من ذلك القانون سيئ الصيت تعبث بكل لسان صدق.

ملامح الجد في الوعد
وقد جاءت الوعود التي قطعها العقيد أعلي ولد محمد فال والمجلس العسكري الذي يقوده باعثة على الأمل، متسمة بكل ملامح الجد. وأهم ما تضمنته هذه الوعود مما انتظره دعاة الحرية والديمقراطية في موريتانيا كثيرا هو الآتي:

أولا: الإعلان عن استفتاء على تعديلات دستورية مهمة، لم تتضح معالمها بعد بالشكل الكافي، لكن من الراجح أنها ستتضمن ما أشرنا إليه من قبل من تقليص صلاحيات الرئيس، وتحديد مدة ولايته بفترتين. وهذا مفتاح الإصلاح الدستوري اللازم للانتقال إلى ديمقراطية غير مغشوشة، ووقف الاستهتار بإرادة الشعب، وتزييفها.

ثانيا: التزام رئيس المجلس وأعضائه بعدم الترشح لمنصب رئيس الجمهورية أو عضوية البرلمان، وهو التزام –إذا تم الوفاء به- فسيدخل من خلاله أعضاءُ المجلس العسكري أبواب التاريخ الواسعة، محررين لشعبهم من الاستبداد. لأن هيمنة الجيش على السلطة خلال العقود الثلاثة الماضية هو أساس الأزمة السياسية التي تعيشها موريتانيا.

ثالثا: التزام المجلس العسكري في بيانه الأول بعدم إقصاء أي طرف سياسي من التنافس على السلطة، وهو ما يعني عودة الأحزاب التي تم حلها في عهد ولد الطايع إلى الحياة السياسية، كما يعني مشاركة فاعلة من التيار الإسلامي في العمل السياسي الشرعي بعد أن حرمه ولد الطايع من ذلك مدة مديدة. وكل ديمقراطية تستبعد التيار الإسلامي الموريتاني –بعد أن تجذر وأخذ مداه في المجتمع- ستكون زائفة ومشوهة.

وهكذا فإن مما يحسب للقيادة الموريتانية الجديدة أنها أعلنت برنامجا للإصلاح السياسي واضح المعالم، يتجاوز تغيير الشخصيات إلى تغيير الإجراءات، وهو ما سيضفي عليها استقرارا وقبولا داخليا، وشرعية وإقرارا خارجيا خلال الفترة الانتقالية. ويبقى الوفاء بهذا بالرنامج، وتطبيقه بشفافية، دون تحيز لطرف سياسي ضد آخر، هما مفتاح النجاح في العامين القادمين.

"
مما يحسب للقيادة الموريتانية الجديدة أنها أعلنت برنامجا للإصلاح السياسي واضح المعالم، يتجاوز تغيير الشخصيات إلى تغيير الإجراءات، وهو ما سيضفي عليها استقرارا وقبولا داخليا، وشرعية وإقرارا خارجيا
"
كما يحسب للقيادة الجديدة أن انقلابها العسكري تم بطريقة مرنة تدل على ثقة بالنفس وسيطرة كاملة على الوضع. فلم يفرض القادة الجدد حظر التجول في العاصمة الموريتانية، وفتحوا المطارات للملاحة المدنية بسرعة، وتركوا الحكومة السابقة تسير الأمور الجارية لأيام.

وأعطوا انطباعا جيدا بأنهم لا يستهدفون جهة بعينها بانقلابهم، وأنهم يهتمون بإصلاح المستقبل أكثر مما يهتمون بمحاسبة الماضي. وهذه الروح السمحة هي التي تليق بمجتمع هش مثل المجتمع الموريتاني. فالموريتانيون يحتاجون إلى عمق الإصلاحات وصدقها، كما يحتاجون إلى روح الوئام والانسجام، والابتعاد عن الثأر والانتقام.

وأول ما يبعث روح الوئام والانسجام ويبعث الأمل في النفوس هو إطلاق سراح المتبقي من السجناء السياسييين والعسكريين الذين ظلت سجون الرئيس المخلوع ولد الطايع تغص بهم دوما. فقد عانى هؤلاء السجناء الكثير، وعانت أسرهم وذووهم لوعة الانتظار أمام السجون في انتظار لحظة اللقاء.

نظرة في ميثاق المجلس
من خلال نظرة سريعة على الميثاق الدستوري الذي أصدره "المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية"، فإن العقيد أعلي ولد محمد فال سيكون الشخص المحوري في النظام السياسي الموريتاني خلال الفترة الانتقالية. فقد نص "الميثاق الدستوري" في مادته الخامسة على أن "يجتمع المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية في دورة عادية كل ثلاثة أشهر وفي دورة استثنائية بناء على دعوة من رئيسه أو على طلب من ثلثي (3/2) أعضائه".

والاجتماع كل ثلاثة أشهر يعني أن المجلس العسكري لن يماس تسيير الشؤون الجارية، أو يتابعها متابعة يومية. ثم نص الميثاق الدستوري في مادته السادسة على الآتي: "يمارس رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية السلطات التنفيذية وخاصة منها الصلاحيات الواردة في المواد من 23 إلى 39 من الباب الثاني من دستور 20 يوليو/ تموز 1991. يعين رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الوزير الأول والوزراء".

ومعنى هذه المادة أن رئيس المجلس سيتمتع بكافة الصلاحيات التي يمنحها الدستور الموريتاني لرئيس الجمهورية، وهي صلاحيات واسعة كما أوضحنا من قبل.

وربما يكون من مصلحة الانتقال المرجو في موريتانيا أن يتولى شخص مثل العقيد أعلي ولد محمد فال هذا الدور المحوري. فالذين يعرفون الرجل عن كثب يؤكدون أنه رجل هادئ كتوم، يتسم بالمهنية العسكرية، ويفضل العمل من وراء ستار على الدعاية وتملق الناس له، وليست لديه مطامح سياسية.

فهو بهذه الصفات سيكون قادرا على إلجام نفسه، وإلجام أصدقائه في المجلس العسكري، ومنعهم من أي تدخل في المسار السياسي، ثم تسليم السلطة إلى المدنيين في الوقت المحدد عبر "ديمقراطية نزيهة وشفافة"، كما تنص عليه المادة الثانية من الميثاق الدستوري الجديد.

ولا يعني ذلك أن تأثير الجيش على النظام السياسي سيزول، بل سيبقى في وسع العقيد ولد محمد فال وصحبه أن يجدوا صيغة للتأثير غير المباشر في القرار السياسي من وراء ستار، مع بقاء الحكم في أيدي المدنيين، وفتح الحريات السياسية على مصاريعها.

"
ليس من الوارد أن تتحسن أو تتعمق العلاقات بإسرائيل في ظل الحكم الجديد وهي التي أودت بالرئيس المخلوع في النهاية،  بل سيتم قطعها تدريجيا، أو– في أسوأ الأحوال- تجميدها عند حدودها الدنيا، على الطريقة القطَرية والمغربية
"
عن العلاقات الخارجية
من الواضح من الصيغة التعميمية الباردة التي علقت بها وزارة الخارجية الفرنسية على الانقلاب الموريتاني، أن فرنسا ترحب بالقيادة الموريتانية الجديدة.

فلا غرابة إذا تكشف أن قادة موريتانيا الجدد سيكونون أقرب إلى فرنسا وأوروبا، منهم إلى إسرائيل والولايات المتحدة، وهذا أمر في صالحهم، داخليا على الأقل.

فرغم حساسية العديد من الموريتانيين من النفوذ السياسي والثقافي الفرنسي في بلادهم، فإن ارتماء الرئيس المخلوع في أحضان إسرائيل خلال الأعوام الأخيرة جعلهم يرحبون بالعلاقات التقليدية مع فرنسا.

كما أن الإسلاميين الموريتانيين –وقد كانوا رأس الحربة في مقاومة علاقات ولد الطايع الخارجية- يرون في الأوروبيين شريكا أكثر انفتاحا عليهم وقبولا بهم من الأميركيين، مما سيجعلهم أقل اعتراضا على علاقة القادة الجدد بفرنسا وأوروبا.

أما العلاقات بإسرائيل التي أودت بالرئيس المخلوع في النهاية، فليس من الوارد أن تتحسن أو تتعمق في ظل الحكم الجديد. بل سيتم قطعها تدريجيا، أو –في أسوأ الأحوال- تجميدها عند حدودها الدنيا، على الطريقة القطَرية والمغربية.

وقد جاء تنديد الولايات المتحدة بالانقلاب ودعوتها إلى عودة ولد الطايع للسلطة مؤكدة لهذه الخلاصة. وربما لا يدرك الأميركيون أن تنديدهم بالقادة الجدد سيكون له أثر عكسي، إذ سيرفع من رصيدهم الشعبي داخليا، ويعينهم في بناء شرعيتهم السياسية بعيدا عن ميراث ولد الطايع سيئ الصيت.

كما أن موقف الجامعة العربية السلبي من القادة الموريتانيين الجدد لن يثمر سوى إبعادهم عن الدول العربية واقترابهم أكثر من فرنسا. أما تعليق الاتحاد الأفريقي عضوية موريتانيا به بسبب الانقلاب فلا قيمة له، مادام أغلب دول الاتحاد محكومة بعجائز العسكريين الفاسدين.

وعلى المستوى الإقليمي سيكون القادة الجدد في موريتانيا أقرب إلى المغرب منهم إلى الجزائر على الراجح. فالخلفيات القبلية لبعض الضباط الحاكمين الآن تجعلهم مصنفين تقليديا ضمن الحلف المغربي بموريتانيا، وإن كانت علاقاتهم بفرنسا قد تتجه ببعضهم وجهة الجزائر، إذ كانت فرنسا دائما متحيزة إلى الجزائر ضد المغرب في قضية الصحراء وغيرها.

ومن المتوقع أن تتحسن علاقات موريتانيا بدول الجوار الأفريقية في الجنوب: فالقادة الجدد لا تعرف عنهم مشاركة في التصفيات العرقية التي ارتكبها الرئيس المخلوع ولد الطايع ضد المواطنين الموريتانيين من أصول زنجية، كما أن ملف "فرسان التغيير" الذي عقّد علاقة موريتانيا ببعض دول الجوار الأفريقي سيتم تجاوزه في الواقع الجديد.

ومهما يكن من أمر، فإن الآمال عريضة، والبشائر واعدة. وعسى أن يكون القادة الموريتانيون الجدد عند حسن ظن شعبهم.




ــــــــــــــــــ
كاتب موريتاني

المصدر : الجزيرة