علي حسين باكير

النفط العراقي وإسرائيل
لماذا النفط العراقي؟!
أسعار النفط غير منصفة

سخر الرئيس الأميركي جيمي كارتر إبان تسلمه جائزة نوبل للسلام عام 2002 خلال مؤتمر صحفي ممن سماهم "الحمقى" الذين يعتقدون أن سياسة أميركا تجاه العراق مبنية على المصالح النفطية, قائلا "يمكن شراء النفط بأسعار معقولة في حدود 27 دولارا للبرميل, وهذا أقل من التكلفة الضخمة التي يستدعيها اجتياح العراق". ووصف رئيس دائرة التخطيط في وزارة الخارجية الأميركية آنذاك ريتشارد هاس مقولة وجود دوافع نفطية دفعت أميركا لاحتلال العراق بأنها سخيفة.

هذا الكلام قد يبدو للوهلة الأولى صحيحا, وهناك عدة بلدان قد تستطيع الولايات المتحدة أن تستعيض بنفطهم عن العراق، ومنها فنزويلا في أميركا اللاتينية وروسيا ونيجيريا واحتياطيات ألاسكا إذا أرادوا.

وفي النهاية فليس هناك دولة تخوض حربا لسبب واحد, فلا بد من وجود عدة أسباب, ولكن لا شك أن النفط أولها بالنسبة للولايات المتحدة أو ثانيها إذا قدمنا حماية أميركا لإسرائيل على هذا الهدف. لكن ما العلاقة بين نفط العراق وإسرائيل؟ وما هدف الولايات المتحدة من السيطرة على نفط العراق؟ وأين تقع الدول الكبرى من هذه الإستراتيجية؟

النفط العراقي وإسرائيل




"
الجهود الأميركية لإيصال النفط العراقي إلى إسرائيل ليست مفاجئة, وإذا كانت أميركا صمتت فإن إسرائيل لم تفعل ذلك, فقد أكد نتنياهو أن الوقت لن يطول حتى يتدفق نفط العراق إلى حيفا
"
في عام 1975 وقعت الولايات المتحدة مذكرة تفاهم مع إسرائيل, ومن ضمن ما جاء في هذه المذكرة ضمان الولايات المتحدة لكل احتياجات إسرائيل النفطية في حال حدوث أزمة. وهذه المذكرة تجدد بهدوء كل خمس سنوات وتلتزم الولايات المتحدة بموجبها إنشاء وتخزين احتياطي إستراتيجي إضافي لإسرائيل بقيمة تعادل ثلاثة مليارات دولار عام 2002.

كما أن واشنطن كانت قد أقّرت تشريعا خاصا يعفي إسرائيل من القيود المفروضة على صادرات النفط من الولايات المتّحدة. وقد فرضت هذه الالتزامات المالية الضخمة على الولايات المتحدة التي قد تجد نفسها في وقت ما مضطرة لأدائها لإسرائيل, قيام أميركا بوضع خطة بديلة للتخلص من أعبائها, فكان أن أرادت إحياء خط "الموصل-حيفا" النفطي, وتم ذلك من خلال بالونات اختبارية في الأشهر الأولى من احتلال العراق.

ورغم عدم صدور أي تصريحات أميركية بهذا الخصوص فإن الجهود الأميركية لإيصال النفط العراقي إلى إسرائيل ليست مفاجئة, وإذا كانت أميركا صمتت فإن إسرائيل لم تفعل ذلك, فقد صرح وزير البنى التحتية الإسرائيلي يوسف باريتسكي بعد احتلال العراق بأنه قد تم الإيعاز إلى شركة النفط (تاشان) التي تملكها الدولة, لفحص أوضاع خط أنابيب النفط الممتدة من كركوك إلى حيفا.

وقال وزير المالية الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم 20 يونيو/حزيران 2003 لمجموعة من المستثمرين إنه "لن يطول الوقت حتى تروا النفط العراقي يتدفق إلى حيفا.. إنها مسألة وقت حتى يعاد تدفّق النفط العراقي إلى البحر المتوسط".

وبما أن الولايات المتحدة تسعى لتطبيق مشروع الشرق الأوسط الكبير أو غيرها من المشاريع الشرق أوسطية كمشروع بيريز, فإن ذلك يتطلب اندماج إسرائيل في المنطقة حيث يجب على العرب أن يؤمنوا اليد العاملة والنفط لإسرائيل, وبما أن خط "كركوك-حيفا" موجود ولا يلزمه إلا صيانة بسيطة ليعاد العمل به, فان نفط العراق كان حلقة مهمة في مشروع الشرق الأوسط الكبير وبالتالي في الإستراتيجية الأميركية.

لماذا النفط العراقي؟!
قد لا يكون النفط العراقي مهما بحد ذاته للولايات المتحدة من ناحية الاستهلاك وحتى نفط الخليج أيضا على اعتبار أنه -كما ذكرت نشرة "أويل آند غاز جورنال"- بلغ متوسط حجم الإمدادات الخليجية في الربع الأول من العام الجاري، وخصوصاً السعودية والعراقية ثم الكويتية، 2.4 مليون برميل يومياً وشكل نحو 20% من إجمالي واردات النفط الأميركية، ما اعتبرته النشرة الدولية ذات الصدقية العالية نسبة متواضعة قابلة للتعويض "من مصادر النفط غير التقليدية في الولايات المتحدة والدول الأخرى من القسم الغربي من العالم، والتي توفر لأميركا حالياً ما لا يقل عن 50% من وارداتها الإجمالية من النفط الخام والمشتقات".

لكن أهمية النفط الخليجي والعراقي تحديدا تكمن في عدة نقاط نختصرها على الشكل التالي:

أولا- أن الولايات المتحدة أصبحت تعي تماما أنها ليست وحدها على الساحة الدولية خاصة من الناحية الاقتصادية, وأن هناك دولا عديدة تسعى للوصول إلى مستواها والتفوق عليها في المدى المنظور, وعليه كان لا بد لواشنطن أن تعمل على إفشال وصول الآخرين إلى مستواها أو التحكم في عملية صعودهم إليها, فكان النفط الخليجي والعراقي هو الوسيلة.

"
سيطرة القوات الأميركية على نفط العراق والخليج سيمنع حتى إمكانية التفكير في استخدام سلاح النفط سواء ضد أميركا أو إسرائيل, وستكون القوات الأميركية جاهزة في قلب الآبار النفطية للدفاع عنها
"
ذلك أن معظم الدول الأوروبية واليابان والصين والهند تستورد نفط الخليج، ولحسن حظ أميركا أن هذه الدول وخاصة أوروبا واليابان لا تمتلك نفطا صالحا للاستهلاك في أراضيها، وعليه فإن قوتها الاقتصادية ترتكز بالأساس على النفط المستورد من الخارج وبالتحديد من الخليج, وسيطرة أميركا على هذا النفط سيعطيها المجال أكثر لتحديد كميات الإنتاج وكميات التوريد وأسعار النفط.. إلخ، ما يجعل تطور الدول الأخرى ونموها الاقتصادي خاضعا بطريقة غير مباشرة للإشراف الأميركي.

ثانيا- في حال استقرار الأوضاع بالعراق, فإن ذلك يمكن الشركات الأميركية من الوصول إلى 112 مليار برميل من النفط وهو الاحتياطي المعلن للبلاد وبعضهم يشير إلى 200 مليار برميل, ويعتبر أهم احتياطي عالمي بعد السعودية, وهذا معناه أن السيطرة على العراق تعني الحصول على نحو ربع احتياطي العالم النفطي, دون أن نذكر الأرباح التي ستأتي للشركات النفطية الأميركية بعد إنهاء مصالح الشركات النفطية الروسية والفرنسية والصينية التي كانت قائمة في العراق إبان حكم صدام.

ثالثا- تعتبر كلفة إنتاج النفط العراقي من بين الأدنى في العالم (نحو 1.5 دولار للبرميل كحد أقصى) ولذلك فإن الأرباح هائلة. وعدا عن ذلك فإن الأهم هو الأرقام التي تتحدث عن نسبة الاحتياط ومعدلات الإنتاج إلى الاستهلاك, أي بمعنى آخر عدد السنوات التي سيستغرقها صرف الاحتياطي النفطي بمعدلات الإنتاج الحالية.

وخلال الخمس إلى العشر سنوات القادمة سيستقر إنتاج النفط ويتجه فيما بعد للانخفاض بحدود خمسة ملايين برميل يوميا, والعراق وحده يمتلك قدرة عالية جدا على زيادة الإنتاج بكميات كبيرة جدا, إذ يعتقد بعض المحللين أن العراق في حدود السنوات الخمس القادمة سيبلغ قدرة السعودية الحالية أو بحدود 10 ملايين برميل نفط يوميا.

"
رغم ارتفاع أسعار النفط فإنها غير منصفة لأن الدولار فقد ثلث قيمته الحقيقية, وأن الولايات المتحدة تحصل على أرخص سعر من خلال أسعار تفضيلية أو من خلال وجودها في العراق واستغلالها لنفطه
"
رابعا-
وجود وسيطرة القوات الأميركية على نفط العراق والخليج سيمنع حتى إمكانية التفكير في استخدام سلاح النفط سواء ضد أميركا أو إسرائيل, وستكون القوات الأميركية جاهزة في قلب الآبار النفطية للدفاع عنها وبمقربة جميع دول الخليج النفطية إذا حصل أي انقلاب أو تغيير للسلطة أو لأي إستراتيجية يمكنها أن تهدد الآبار النفطية وإمداداتها, ويمكن أميركا أكثر من الضغط على منظمة أوبك لاستنزاف احتياطياتها من خلال الإنتاج العالي لدرجة قصوى، مع التشديد على أن يكون سعر البرميل في حدوده الوسطى إن لم تكن الدنيا.

ففي أول تعديل لقانون الطاقة الأميركي يستهدف دولا ذات سيادة وافق مجلس الشيوخ بشكل مبدئي يوم 21 يونيو/حزيران الماضي على مشروع قانون تحت مسمى "لا أوبك"، يمنح وزارة العدل الأميركية أو لجنة التجارة الاتحادية سلطة مقاضاة أوبك بتهمة التلاعب بالأسعار!!

وقال السيناتور الجمهوري مايك ديوين إن "أسعار النفط والغاز مرتفعة جدا، وقد حان الوقت لفعل شيء بخصوص ذلك"، وأضاف زميله الديمقراطي هيرب كول الذي اشترك معه في تقديم التعديل "لو أن أوبك مجموعة من الشركات العالمية الخاصة -لا حكومات أجنبية- لكان تصرفها خطة غير قانونية للتلاعب بالأسعار".

أسعار النفط غير منصفة
ويمكن القول إن هذا كذب محض, فحتى الأسعار الحالية للنفط ورغم ارتفاعها فإنها غير منصفة لعدة عوامل، منها أن الدولار فقد من قيمته الحقيقية نحو الثلث وهناك تضخم كبير, ومنها أن الولايات المتحدة رغم هذا الارتفاع تحصل على أرخص سعر من خلال أسعار تفضيلية أو من خلال وجودها في العراق واستغلالها لنفطه.

أضف إلى كل ذلك أن الدول الأجنبية ومنها أميركا تفرض ضريبة داخلية على النفط تقارب ثلاثة أضعاف سعره, بمعنى أنها تحقق أرباحا من وراء هذه الضرائب تكاد تصل حد مساواة تصدير النفط في بعض الدول. وإن كان السعر الحالي للنفط يزعجها ويزعج مواطنيها فلتخفض من ضرائبها الداخلية عليه, علما بأن السعر الحقيقي للبرميل يجب أن يتراوح في هذه الظروف بين 100 و115 دولارا حسب بعض الخبراء.

هذه هي حقيقة الدول الديمقراطية التي أفقرت العالم وتريد كل شيء بالمجان في حين تفرض علينا شراء طائراتها وصواريخها الخردة بمليارات الدولارات دون أن يكون لنا الحق في استعمالها!!

وعلى العموم, يمكن بعد هذا كله إدراك أهمية نفط العراق والخليج خاصة في ظل توقعات إدارة معلومات الطاقة الأميركية التي رسم مديرها غي كاروس صورة مثيرة عندما لفت -محذراً- إلى أن استهلاك أميركا من النفط سيزيد بنحو 8 ملايين برميل يومياً في غضون عقدين بينما سينخفض إنتاجها المحلي 1.5 مليون برميل يومياً (من 6.2 ملايين برميل كذروة عام 2009 إلى 4.7 ملايين عام 2025)، مشدداً على أن الإمدادات الإضافية المطلوبة لسد حاجات الطلب المحلي المتعاظمة "ستأتي من الدول الخليجية التي تمتلك الجزء الأعظم من الاحتياطي العالمي المؤكد".
________
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة