د. عبد الوهاب المسيري

الصور المجازية ليست مجرد زخارف وإنما وسيلة إدراكية لا يمكن للمرء أن يدرك واقعه دونها، أو حتى أن يعبر عن مكنون نفسه إلا من خلالها، وهى بالتالي مرتبطة تمام الارتباط بالنماذج المعرفية والإدراكية ورؤية الكون وخير وسيلة للتعبير عنها.

ويوجد داخل كل نص مكتوب أو شفهي، نموذج كامن يستند إلى ركيزة أساسية، عادة ما تترجم نفسها إلى صورة مجازية استخدمها صاحبها -بوعي أو بدون وعي- للتعبير عن هذا النموذج. ويتجلى النموذج الإدراكي (المجرد) من خلال الصور المجازية بشكل متعين مباشر، وبالتالي تتضح مرجعيته النهائية، وقد لا يمكن إدراك طبيعة النموذج وبنيته دونها.

ولكي تأخذ هذه الأفكار المجردة التي أوردناها شكلا واضحاً متعينا في أذهاننا، قمت بتطبيق منهج تحليل النصوص من خلال الصور المجازية على بعض النصوص الأدبية وغير الأدبية -سياسية وتاريخية ودينية- لأبين مقدرته التفسيرية.

"
حينما ينظر عقل الإنسان إلى الكوكب الدريّ فإنه يشعر بالرهبة، ولكن الرهبة هنا لا تزال رهبة أمام المخلوق، ولكنها مع هذا تصلح إشارة إلى الرهبة التي يجب أن يمارسها الإنسان أمام الخالق
"
ولنبدأ بنص ديني. يصف القرآن الكريم الله سبحانه وتعالى بأنه "ليس كمثله شيء..." (الشورى/11)، أي أنه لا توجد لغة مباشرة يمكنها أن تساعدنا على إدراك كنه الله عز وجل. ولكن مع هذا ينقل القرآن الكريم مفهوم الله إلى عقل الإنسان القاصر عن طريق الصورة المجازية المركبة "الله نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح..." (النور/35)، ويا لها من صورة مجازية متواضعة، ولكنها تعكس لعقل الإنسان القاصر فكرة اللامتناهي. ثم ينطلق القرآن من هذه الصورة المجازية فيكثفها "المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دريّ..." (تكملة لآية النور).

وهكذا خرجنا من الصورة المجازية المتواضعة المستقرة في عالم الحدود إلى صورة أخرى تكاد تكون لامتناهية، فعقل الإنسان حينما ينظر إلى الكوكب الدريّ فإنه يشعر بالرهبة، ولكن الرهبة هنا لا تزال رهبة أمام المخلوق، ولكنها مع هذا تصلح كإشارة إلى الرهبة التي يجب أن يمارسها الإنسان أمام الخالق: صورة مجازية وحسب، إذ يظل الله وحده هو اللامتناهي.

ثم بعد اقتراح اللانهائي والإيحاء به نعود مرة أخرى إلى عالم المألوف "يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية..." (تكملة لآية النور). ما زلنا في عالم النور الإلهي، ولكننا انتقلنا من المشكاة إلى الكوكب ثم نعود إلى وقود المشكاة، إلى تلك الشجرة المباركة التي أخذ منها الزيت، ثم نصل إلى الزيت نفسه "يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار..." (تكملة لآية النور). وهكذا تزداد الصورة المجازية كثافة بإضافة الأبعاد إليها. ولا يمكن أن ندعي أننا ندرك الذات الإلهية إدراكاً كاملاً في نهاية الآية فهو عز وجل ليس كمثله شيء، وإن كنا قد اقتربنا في إدراكنا بعض الشيء.

وكما أسلفنا، ثمة رؤية كاملة للكون يتم التعبير عنها من خلال الصور المجازية، فالفكر المادي -على سبيل المثال- يرد كل شيء بما في ذلك الإنسان وكل منتجاته الحضارية إلى المادة وقوانينها. فالمفكر الفرنسي الاستناري كابانيس يؤكد أن "الدماغ يفكر كما تهضم المعدة، وكما تفرز الكبد الصفراء". الصورة المجازية الأساسية هنا هي العالم كجسر مادي والعقل كمعدة فالتفكير الإنساني عملية كيميائية بسيطة، ولا يوجد فارق جوهري بين العملية الفكرية والعملية الهضمية (أي بين الفكر والمادة وبين الجسد والروح).

أما توماس هوبز فقد قال إن الإنسان في حالة الطبيعة -وهي حالة الإنسان بعد انسحاب الإله من الكون- هي حالة حرب الجميع ضد الجميع، فالإنسان كالذئب يلتهم إخوته إن سنحت له الفرصة. ويستخدم هوبز صورة مجازية أخرى -صورة التنين- ليصف الدولة.

فالبشر يبرمون عقدا اجتماعيا فيما بينهم لا بسبب فطرة خيرة فيهم وإنما من فرط خوفهم وبسبب حب البقاء، فينصبون الدولة التنين حاكما عليهم حتى يمكنهم أن يحققوا قدرا ولو قليلا من الأمن، وحتى لا تأكل الذئاب بعضها البعض.

وقد استخدم الفلاسفة والمفكرون الغربيون مجموعة من الصور المجازية تبين في تطورها وتنوعها تطور رؤية الكون الغربية داخل الإطار المادي. فقدم إسبينوزا ونيوتن عالما آليا تماما تنحل فيه الذات الإنسانية في الحركة الآلية للكون، فشبه إسبينوزا الإنسان بقطعة حجر قذفت بها يد قوية، وبينما تدور الحجرة المسكينة في الفضاء تظن أنها تتحرك بكامل إرادتها.

ثم قام نيوتن بمقارنة العالم كله -بما في ذلك الإنسان- بآلة دقيقة: ساعة تدور دائماً وعلى نفس الوتيرة دون تدخل إلهي أو إنساني. وقد اكتشف لوك أن الآلة التي توجد خارجنا توجد داخلنا أيضاً، فقارن العقل بالصفحة البيضاء التي يتراكم عليها كل ما يصلنا من معطيات حسية، ثم تتحدد هذه المعطيات آليا من تلقاء نفسها حسب قانون الترابط، فتتكون الأفكار البسيطة ثم تتلاحم الأفكار البسيطة لتصبح مركبة. وقد أدى كل هذا إلى ظهور الصورة التي يطرحها آدم سميث للإنسان الذي يعيش في عالم تنظمه قوانين العرض والطلب الآلية التي قارنها باليد الخفية، تنظم كل شيء ولا يراها أحد.

وشهد القرن التاسع عشر انتقالاً تدريجيا من الرؤية الآلية إلى الرؤية العضوية، ولذا تحل الصور المجازية العضوية (أي المستمدة من عالم الحيوان والنبات) محل الصور المجازية الآلية (المستمدة من عالم الآلات).

"
يبدو أن الإنسان الغربي بعدما انغمس في التجريب المتحرر من القيمة والغاية بدأ يمارس أحاسيس غامضة بالخوف من هذا الجنّي الذي أخرجه من القمقم
"
فبيّن الماركيز دي صاد ومن بعده فرويد، أن ذئب هوبز كامن داخلنا. وبيّن داروين أن جنة روسو الطبيعية هي في واقع الأمر غابة تصل حالة التوازن من خلال اليد الخفية للصراع من أجل البقاء والبقاء للأصلح. وإذا كان نيوتن قد جعل من العالم ساعة ومن الإله صانع ساعات ماهرا، ففي عالم داروين تعود أصول الإنسان -حسب تصوره- إلى القردة العليا والزواحف. ثم جاء فرويد وأثبت علمياً وموضوعيا حسب تصور البعض أن الغابة تقع في واقع الأمر، داخل الإنسان على شكل لاوعي مظلم ولبيدو متفجرة.

وقد أجرى بافلوف تجاربه على الكلاب ثم طبق نتائجها على الإنسان، فقد كان يفترض أن الإنسان كالكلب وأنه لا توجد فروق جوهرية بين الواحد والآخر، فكلاهما تحكمه ظروفه المادية. وهكذا يتم تفكيك الإنسان تماما، وهكذا يتحقق الوعد ما بعد الحداثي أن الإنسان لن يعبد شيئاً ولا حتى نفسه، وأنه سينزع القداسة عن كل شيء، حتى نفسه. ويحتفي فوكوه بكل هذا من خلال صورة لا هي بالعضوية ولا بالآلية إذ يقارن الإنسانية ببعض الأشكال التي خطت على الرمال ثم تمحوها الأمواج!

ويبدو أن الإنسان الغربي بعدما انغمس في التجريب المتحرر من القيمة والغاية بدأ يمارس أحاسيس غامضة بالخوف من هذا الجنّي الذي أخرجه من القمقم. وقد عبر عن أحاسيسه هذه من خلال مجموعة من الصور المجازية والأساطير (والأسطورة هي صورة مجازية تأخذ شكل قصة).

وأولى هذه الأساطير أسطورة بروميثيوس الذي سرق النار من الآلهة وأعطاها للإنسان بهدف الاستنارة بطبيعة الحال -وهذه هي الأسطورة العلمانية الكبرى- فعذبته الآلهة بسبب جريمته. ثم تلتها أسطورة فاوستوس الذي باع روحه للشيطان في سبيل المعرفة الكاملة التي تمكنه من التحكم في الواقع والزمان (أو هكذا كان الظن). ومع بداية القرن الثامن عشر تظهر أسطورة فرانكشتاين، هذا الكائن القبيح الذي خلقه عالم "مستنير" يؤمن بالعلم وبمقدراته ليسخره في خدمته.

ولكن المخلوق يقتل خالقه بعد قليل وينطلق حرًّا ليعيث في الأرض فساداً وفي الناس قتلاً، أي أن ثمرة العلم الإنساني هي قتل الإنسان ونتيجة العلم الإنساني لاإنسانية، ففرانكشتاين إنسان طبيعي آلي يتحرك في إطار قوانين الطبيعة الآلية. ثم تظهر بعد ذلك أساطير مثل دكتور جيكل ومستر هايد وغيرهما لتدل على خوف الإنسان على ذاته الإنسانية المتعينة من عقله المجرد الذي يتحرك في إطار القوانين العلمية والمعادلات الرياضية اللاإنسانية.

وهكذا، بعد أن سرق بروميثيوس كرة النار من الآلهة بثقة بالغة لينير للإنسان طريقه وعالمه، وقف حائراً لا يعرف ماذا يفعل بها بعد ذلك، وبدلا من الاستفادة من النار بدأت حرق أصابعه، إذ رأى ثقوب الأوزون والتلوث وتآكل الأسرة واجتثاث أشجار غابات المطر الاستوائية وازدياد غاز ثاني أكسيد الكربون، فاكتشف أنه لا يساعد الإنسان وينير طريقه، بل على العكس وجد أنه يساهم في هلاكه وحرقه وتصفيته.

والآن لنطبق نفس منهج التحليل من خلال الصور المجازية على بعض النصوص السياسية، ولنضرب مثلاً بالكاتب البريطاني توماس أديسون في القرن الثامن عشر (في مجلة سبكتيتور) حيث استخدم صورة مجازية ليصف علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالحضارة الغربية، فقال إنهم أصبحوا الأداة التي تتحدث من خلالها الأمم التي تفصل بينها مسافات شاسعة، والتي تترابط من خلالها الإنسانية.

ثم تتعمق الصور المجازية وتزداد تبلوراً حتى يبين أديسون أنهم أصبحوا مثل الأوتاد والمسامير في بناء شامخ. وهذه الصور المجازية تبين أن الحضارة الغربية ترى أن اليهود بغير قيمة في حد ذاتهم، غير أن أهميتهم مطلقة لاحتفاظ هيكل البناء بتماسكه، أي أنهم وسيلة مهمة إلى أقصى حد ولكنهم مع هذا ليسوا غاية لها أهمية في حد ذاتها.

وقد استمر هذا الموقف حتى الوقت الحاضر، فالدولة الصهيونية مجرد أداة في يد الغرب لا قيمة لها في حد ذاتها، ولكن تكمن أهميتها في الدور أو الوظيفة التي تقوم بها، أي حماية المصالح الغربية في العالم العربي.

والصور المجازية يمكن استخدامها كوسيلة لتمرير التحيزات وفرضها بشكل خفي، فالمجاز يقوم بترتيب تفاصيل الواقع لنقل رؤية معينة. وإذا ما درسنا الخطاب السياسي الغربي، وجدنا أنه يستخدم صوراً مجازية كثيرة تعبر عن الرؤية الغربية للعالم، ولكنها تبدو كما لو كانت محايدة.

فحينما يشيرون إلى العالم العربي باعتباره "الشرق الأوسط" أو حتى "المنطقة"، وحينما يتحدثون عن "الفدائيين" باعتبارهم "إرهابيين" وعن "الاستشهاديين" باعتبارهم "انتحاريين"، فإنهم في واقع الأمر يفرضون صوراً مجازية تجسد مفاهيمهم. فبدلاً من "العالم العربي" -المصطلح الذي يستدعي التاريخ والتراث والهوية- نجد أن مصطلح "المنطقة" ينقل إلى وجداننا صورة أرض ممتدة بلا تاريخ أو تراث.

"
يمكن استخدام الصور المجازية كوسيلة لتمرير التحيزات وفرضها بشكل خفي، وإذا ما درسنا الخطاب السياسي الغربي وجدنا أنه يستخدم صوراً مجازية كثيرة تعبر عن الرؤية الغربية للعالم، ولكنها تبدو كما لو كانت محايدة
"
واستخدام الصورة المجازية قد يكون واعياً فيحاول المتحدث أن يتحكم في الصورة المجازية، ولكن بدلاً من ذلك تهزمه الصورة، بل تفضحه، إذ إن منطقها الداخلي قد يعبر عن عكس ما يرمي المتحدث إليه.

ولنضرب مثلاً: استخدم الصحفي الأميركي توماس فريدمان في حديثه عن العولمة صورتين مجازيتين للتعبير عن رؤيته للمجتمع التقليدي ومجتمع العولمة الحديث، فاستخدم صورة شجرة الزيتون ليرمز بها إلى المجتمع التقليدي باعتبارها رمز الجذور الثقافية، واستخدم صورة سيارة تويوتا المعروفة باللكزس ليرمز بها لمجتمع العولمة باعتبارها رمز الحركة والتجديد المستمرين.

ويؤكد لنا فريدمان أنه يمكن الجمع بين الاثنين. ولكن منطق الصورة إن أخضعناه للتحليل الدقيق يقول غير ذلك. فشجرة الزيتون ثابتة، في حين أن سيارة اللكزس متحركة.

وشجرة الزيتون تم استيعابها في المجتمع الإنساني، فالإنسان هو الذي يزرعها ويرعاها ويستخدمها ويوظفها لصالحه، أي أنها اكتسبت بُعداً إنسانيّاً من خلاله. أما السيارة اللكزس فلم يذكر فريدمان شيئاً عن هدف استخدامها أو عن المكان الذي تتوجه إليه، فهي تشبه مفهوم التقدم الغربي الذي لم يخبرنا أحد حتى الآن عن غايته أو هدفه.

ويمكن أن نذكر في هذا السياق كيف حوَّل المنتفضون عام 1987 شجرة الزيتون إلى رمز للحياة والهوية، فهي تمد الفلسطينيين بزيت الزيتون الذي يعد مكونا أساسيا لطعامهم، كما أنها -كما يقول المثل الشعبي الفلسطيني- يمكن للمرأة أن تتعرى تحتها، أي أن الشجرة تستر الإنسان ولا تعريه كما تفعل منظومة الحداثة! والله أعلم.
______________
كاتب ومفكر مصري

المصدر : الجزيرة