برهان غليون

بعد أن فشلت الولايات المتحدة في العثور على أسلحة الدمار الشامل التي جعلت منها المبرر الرئيسي والشرعي لإسقاط النظام العراقي بالقوة المسلحة، وتحقيق هدفها في احتلال العراق وتثبيت أقدامها فيه، أخرجت دبلوماسيتها من صندوقها السحري فكرة الحرب على الاستبداد ودفع العالم العربي الغارق في النظم الشمولية نحو الديمقراطية.

وكان هدفها من ذلك أن تضفي على إستراتيجيتها العسكرية الهجومية الجديدة في الشرق الأوسط مسحة أخلاقية، تبرر تدخلها المباشر في شؤون المنطقة، وتخفف من أثر الهجوم القوي الذي تتعرض له من قبل مناوئيها في العالم العربي والعالم أجمع، قبل أن يصبح هذا الهجوم قضية داخلية ويدخل إلى أروقة الكونغرس الأميركي نفسه.

وبالرغم من أن الرأي العام العربي والعالمي أيضا لم يخدعا كثيرا بتصريحات المسؤولين الأميركيين وبياناتهم وإعرابهم المتكرر عن نواياهم الخيرة تجاه الشعوب العربية، فإن قطاعات واسعة من الجمهور العربي الذي فقد الأمل بأي إصلاح داخلي حقيقي، وضاق ذرعا بالوعود الفارغة لزعمائه، بدأت تعتقد بالفعل أنه ربما كان لواشنطن مصلحة في تغيير الأوضاع السياسية والاجتماعية في المنطقة، والتخلي عن سياساتها التقليدية في دعم النظم الفاسدة الأبوية والاستبدادية.

ومما ساهم في ترسيخ هذا الاعتقاد عاملان، الأول الحملة الإعلامية القوية التي خاضتها وسائل الإعلام الأميركية والتي أكدت فيها على الطبيعة العقائدية لالتزامات الرئيس جورج بوش وهوسه الحقيقي بتحقيق تقدم على صعيد نشر الديمقراطية.

"
ليس للولايات المتحدة التي جعلت من الحرب ضد الإرهاب محور إستراتيجيتها العالمية، أي مصلحة في تبني سياسات الحفاظ على الوضع القائم والتضامن مع النظم الاستبدادية, وأنه ربما كان من مصلحتها بشكل أكبر تبني نظرية العمل في اتجاه نشر الفوضى الخلاقة
"
والثاني تأكيد معظم المحللين السياسيين العرب والدوليين للطرح القائل إن الولايات المتحدة التي مالت في العقود الماضية إلى التحالف مع الأنظمة القائمة بصرف النظر عن طبيعتها في سبيل الحفاظ على الاستقرار وإنجاح الحرب ضد الإرهاب، قد أدركت اليوم خطأ هذا الطرح.

فهي تميل الآن إلى تبني طرح مباين له تماما، ينطلق من الاعتقاد بأن نظم الاستبداد والإقصاء السياسي والفساد ومصادرة الدولة والسلطة من قبل مجموعات مصالح خاصة وضيقة معا، ربما كان السبب الرئيسي في انتشار الإرهاب في العالم العربي وتصديره إلى بقية بلدان العالم.

وفي هذه الحالة ليس للولايات المتحدة التي جعلت من الحرب ضد الإرهاب محور إستراتيجيتها العالمية، أي مصلحة في تبني سياسات الحفاظ على الوضع القائم والتضامن مع النظم الاستبدادية التي تضبط هذه الأوضاع، وأنه ربما كان من مصلحتها بشكل أكبر التخلي عن نظرية الدفاع عن الاستقرار لصالح تبني نظرية العمل في اتجاه نشر الفوضى الخلاقة.

وبصرف النظر عما إذا كانت الولايات المتحدة قد اقتنعت بالفعل بأهمية العمل في سبيل الإصلاح والديمقراطية أم أنها تستخدمهما فقط من أجل إضفاء الشرعية على أهدافها الإستراتيجية المرتبطة في الشرق الأوسط بالسيطرة الأحادية أو القوية على النفط، وبتأمين حماية إسرائيل، ونزع سلاح أعدائها سواء أكان سلاح دمار شامل أم غير شامل.

وبصرف النظر أيضا عما إذا كانت واشنطن معنية أساسا بالحرب على الإرهاب أم أنها تستخدمها كوسيلة لنشر قواتها وسيطرتها العالمية، وإجبار الدول الكبرى الأخرى على العمل على أرضية أجندتها الوطنية، لا يستطيع أحد أن ينكر اليوم أنه كان لإستراتيجية التدخل الأميركي الشامل، العسكري والاقتصادي والسياسي، آثارا كارثية على المصالح العربية، سواء ما تعلق منها بنشر الديمقراطية أو بتحقيق السلام الإقليمي وتحرير الأراضي المحتلة في فلسطين والجولان ولبنان، أو في إطلاق ديناميكية تنمية إقليمية، أو في تعزيز فرص التكتل العربي والتعاون الإقليمي اللذين لا غنى عنهما للتقدم في أي مشروع إصلاح سياسي أو اقتصادي جدي.

ولا يحتاج المرء إلى نظرة ثاقبة حتى يدرك ذلك على الطبيعة، فقد ترافقت السياسة الأميركية الجديدة كما هو واضح للجميع بتعزيز التطابق بين أهداف الإستراتيجية الأميركية في المنطقة الشرق أوسطية وأهداف الإستراتيجية الإسرائيلية، مما قاد إلى وضع حد لجهود السلام وقضى نهائيا على عملية برشلونة التي كانت الإطار الوحيد الذي صاغته الدبلوماسية الدولية، لفتح حوار مثمر بين العرب والإسرائيليين قد يقود إلى الخروج من حالة الحرب الكامنة وتحرير الأراضي العربية بالوسائل السياسية.

وهكذا وصلت عملية مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية التي كانت ولا تزال محور أي جهد جدي في اتجاه إصلاح الأوضاع في الشرق الأوسط إلى طريق مسدود تماما، وحلت محلها مناورات ومراوغات إسرائيلية لا تنتهي لابتلاع ما احتلته من الأراضي في الضفة الغربية والجولان.

وعلى مستوى التعاون العربي والإقليمي، تدفع الضغوط الأميركية التي رافقت إستراتيجية السيطرة الشاملة ووضع اليد على المنطقة، إلى التنافس بين الحكومات العربية على التخلي عن تراث العمل العربي المشترك الماضي، ومن وراء ذلك إلى التجميد العملي والنظري لأي جهود تكتلية عربية، بل إلى التنكر لفكرة الجامعة العربية نفسها، على سبيل التجاوب مع مبادرة الشرق أوسطية التي تهدف إلى وضع إسرائيل في قلب أي تكتل إقليمي مقبل.

وهكذا لم يتحقق أي تقدم يذكر لا في التعاون بين أعضاء المجموعة العربية، لتحسين شروط الاندماج في منظومة العولمة الاقتصادية والجيوسياسية والثقافية والعلمية والتقنية العالمية، ولا في التعاون بين المجموعة العربية والدول غير العربية المجاورة.

وعلى مستوى إطلاق عملية التنمية التي تشكل التحدي الأكبر لدول المنطقة التي تشهد تزايدا قويا في معدلات الفقر، وتدهورا مستمرا في شروط المعيشة، وتفاقما لحجم البطالة التي قد تتجاوز في أوساط الشباب نصف القوة العاملة، ما كان من الممكن حصول أي تقدم مع استمرار جمود الأوضاع الإستراتيجية وغياب التعاون العربي والإقليمي.

ولا تزال المنطقة العربية تعاني من أدنى معدلات نمو اقتصادي بالمقارنة مع جميع مناطق العالم، إذا استبعدنا مساهمة تصدير النفط والأثر المباشر لزيادة أسعاره في السنوات القليلة الماضية.

وليست الخسارة بأقل من ذلك على صعيد المسألة الأمنية، سواء ما تعلق منها بالأمن الخارجي أو الداخلي لبلدان المنطقة، فهي تعيش جميعا في حالة انكشاف كامل، وليس هناك دولة واحدة تستطيع أن تدعي أنها تعتمد في أمنها الوطني على قواها الذاتية أو تحالفاتها الفعلية، وهو ما دفعها جميعا إلى أن تضع نفسها تحت الوصاية والحماية الأجنبية.

"

أدت سياسات زعزعة الاستقرار إلى تعزيز التحاق النخب الحاكمة بالإستراتيجية الأميركية وتقديم التنازلات لها على حساب المصالح الوطنية، وفي سبيل التغطية على هذه التنازلات قامت الأنظمة بتشديد قبضتها الأمنية وتطوير أدائها
"

أما في الداخل فمعظمها، من العراق إلى السعودية مرورا بالأردن ولبنان وسوريا، يشهد تناميا ملفتا لبؤر الإرهاب التي لم تكن قوية في أي فترة سابقة كما هي اليوم، وجميعها تعيش على وقع عمليات الدهم والقتل والاغتيال، كما تتهدد وحدة مجتمعاتها النزاعات العائلية والإثنية والدينية.

لكن ربما كان الخراب الأكبر الذي نجم عن سياسات الولايات المتحدة الخرقاء في الشرق الأوسط يتعلق بمسألة الديمقراطية التي تريد واشنطن أن تجعل من دعمها لها عنوانا لأهدافها الأخلاقية. وفي اعتقادي أن ضغوط الولايات المتحدة في هذا المجال قادت أكثر من أي ميدان آخر إلى عكس النتائج التي يريدها العرب وتتفق ومصالحهم الكبرى.

فمن جهة أولى أدت سياسات زعزعة الاستقرار إلى تعزيز التحاق النخب الحاكمة بالإستراتيجية الأميركية وتقديم التنازلات لها على حساب المصالح الوطنية، وفي سبيل التغطية على هذه التنازلات أو منع الجمهور من استخدامها لتبرير ضغوطه على الحكومات لتحقيق أهداف اجتماعية خاصة به قامت الأنظمة، بعكس ما تشير المظاهر السطحية، بتشديد قبضة النظم الأمنية وتطوير أدائها.

ومن جهة ثانية، بقدر ما ربطت الولايات المتحدة بين أهدافها الإستراتيجية الاستعمارية، سواء ما تعلق منها بنشر القواعد العسكرية الأميركية في أكثر الدول العربية، وليس في العراق وحده، أم ما تعلق منها بالدعم غير المشروط لسياسات إسرائيل الاستيطانية، أضعفت من شرعية القضية الديمقراطية العربية ودفعت قطاعات واسعة من الجمهور الملوع بالقمع إلى التشكيك فيها، والابتعاد عن المشاريع المرتبطة بها.

ومن جهة ثالثة، كان للخطابات الأميركية المتكررة حول التمسك بالتحول الديمقراطي أثر تخديري على النخب العربية، التي اعتقدت أنها بالمراهنة على الضغوط الأميركية تستطيع أن توفر على نفسها عناء العمل الشاق النظري والعملي، من أجل بناء القوى الديمقراطية القادرة على تغيير موازين القوى الداخلية، والسعي بجميع الوسائل إلى الربط مع الجمهور الواسع، وإدخاله في العملية السياسية التحويلية.

ومن جهة رابعة قدمت الضغوط الأميركية باسم الإصلاح والديمقراطية ذريعة سهلة للنظم العربية الاستبدادية، لمحاصرة القوى الديمقراطية واتهامها بالمشاركة مع واشنطن في تكثيف الضغوط عليها، والمساهمة بالتالي في زعزعة الاستقرار وتهديد الوحدة الوطنية.

ومما عزز من هذه الاتهامات اختلاق الولايات المتحدة نفسها لأحزاب معارضة تابعة لها من دون أي قاعدة داخلية، بدل أن تتعامل بشكل واضح وعلني مع قوى المعارضة الوطنية وتفتح مفاوضات سياسية علنية معها تكشف النوايا الحقيقية الأميركية.

وهكذا أظهرت الولايات المتحدة أنها لا تريد من الديمقراطية إلا استبدال النظم القائمة بنظم تسيطر عليها أحزاب هي صنيعتها الفعلية، كما يعبر عن ذلك إنشاء حزب المؤتمر الوطني لأحمد الجلبي في العراق وحزب الإصلاح السوري لفريد الغادري.

إن ما حصل كان في الحقيقة مصادرة مباشرة للقضية الديمقراطية العربية من قبل الولايات المتحدة ومحاولتها استخدامها لخدمة أهداف السياسة الأميركية الإستراتيجية في المنطقة، أي لتحقيق أهداف تتعارض كليا مع الأهداف الوطنية والجماعية العربية.

قد يقول البعض: لا يمكن أن ننكر أن الضغوط الأميركية قد أضعفت النظم العربية أو زعزعتها، وسمحت بالتالي لبعض قوى المعارضة والرأي العام بأن ترفع رأسها وتزيد من قوة انتقادها، كما شجع قطاعات أخرى من المثقفين والناشطين على دخول الحلبة السياسية والتعبير عن رأيهم بحرية أكبر.

وأنا أعتقد بالعكس من ذلك أن هذه الضغوط، حتى على هذا المستوى، قد خدمت النظم القائمة، لأنها دفعت النخب الثقافية إلى الاندفاع وراء أوهام التغيير السريع المحتمل المراهن على التناقض بين النظام والخارج، ومنعتها من الانخراط في العمل الطويل والشاق للربط مع قاعدتها الاجتماعية الأساسية والشغل عليها وإعدادها.

وكل ذلك جعل مسألة التغيير تبدو وكأنها عملية انقلاب سياسي سطحي، وحرم الناشطين الديمقراطيين من إدراك ضخامة المهام الموكلة إليهم على سبيل السعي إلى استعادة ثقة الشعب والجمهور الواسع، وإعادة تثقيفه بالقيم الجديدة وإعداده سياسيا وتنظيميا لخوض معارك التحول الديمقراطي التي تتجاوز بكثير مسألة تغيير السلطة أو أشخاصها، لتصب في تحويل المجتمع ونوعية العلاقات التي تجمع بين أفراده، لقد اختصرت الديمقراطية إلى صراع من أجل الحريات الشكلية فحسب.

"
لا يزال الخيار الوحيد بالنسبة لي هو الشفاء من وهم أميركا التي لا تملك أي حل لمشاكل المجتمعات العربية، والعودة إلى المجتمعات والشعوب من أجل تثقيفها وتنظيمها وإعدادها لمعارك التحويل والإصلاح الطويلة
"
هذا ما يفسر التعثر الكبير الذي لا تزال تعاني منه قضية التحول الديمقراطي العربية، كما يفسر مراوحة المعارضة الديمقراطية العربية في مكانها بالرغم من كل الخطابات الحماسية للرئيس بوش، ودعوته الحكومات إلى الانخراط في الإصلاحات المؤدية إليها.

فهي لا تزال بعيدة عن أن تكون قوة مؤثرة في بلدانها كما لا تزال تعاني من عزلة عميقة عن بقية قطاعات الرأي العام، وتفتقر بصورة محزنة للمبادرات والمشاريع والأفكار التي تجعل منها قطبا ديناميكيا فاعلا في الحياة الثقافية والسياسية لبلدانها.

وقد وصلنا نتيجة لكل ذلك إلى وضع خطير لا يستطيع أحد أن يعرف مآله الناجم عن التهافت السياسي والأيديولوجي للنظم الشمولية القائمة، وفي الوقت نفسه استمرار ضمور المعارضة وفشلها في مراكمة القوة المادية والمعنوية التي تؤهلها لاستلام السلطة وإخراج النظم المتهلهلة.

وهو ما يعني أن الولايات المتحدة نجحت في النهاية في أن تجعل الخيار الوحيد هو التدخلات الخارجية، وهذا ما يؤكد ما كررناه مرارا عن التضامن العميق والموضوعي بين الاستبداد والاستعمار، وكلاهما يراهن على قطع الطريق على تمكين الشعوب من مصيرها ولا يحققان استقرارا ولا نموا اقتصاديا ولا ديمقراطية.

ما هو العمل المطلوب الآن؟ كنت قد حذرت عشية غزو العراق من وهمين بدآ يسيطران على الرأي العام العربي، وهم الاعتقاد بأن التدخل الأميركي بجميع صوره قادر على تحقيق الأهداف الديمقراطية والإصلاحية العربية، ووهم الاعتقاد بأن النظم العربية قادرة على فرز تيارات إصلاحية جدية.

وقلت إن الضمانة الوحيدة لحصول أي تقدم في اتجاه الديمقراطية أو الإصلاح هو بناء القوى الداخلية فكريا وعمليا وإلا فإن الأمور سوف تسير أكثر فأكثر نحو التعقيد والخراب الأعم، وهو ما نعيشه اليوم مع الانسداد الحاصل على جميع الجبهات وفي كل الاتجاهات.

فيبدو العالم العربي اليوم مكبلا وجامدا من دون خيارات، والآن لم تتغير المعادلة كثيرا ولا يزال الخيار الوحيد بالنسبة لي هو الشفاء من وهم أميركا التي لا تملك أي حل لمشاكل المجتمعات العربية، والعودة إلى المجتمعات والشعوب من أجل تثقيفها وتنظيمها وإعدادها لمعارك التحويل والإصلاح الطويلة.
ــــــــــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة