رفيق عبد السلام

 

خضع الفضاء الغربي بشقيه الأوروبي والأطلسي لمسار علمنة واسع النطاق لامس مجمل البناء الاجتماعي والسياسي، كما طبع مجال المنظورات والقيم، ولكن مع ذلك يبدو لي من الخطأ المنهجي والعلمي قراءة حركة العلمنة في الفضاء الغربي من خلال المنظومة العلمانية ومسلماتها الوثوقية التي هي أقرب ما يكون إلى المدونة الثيولوجية (الكلامية) المغلقة منها إلى نظرية علمية على ما يقول عالم الاجتماع البريطاني ديفد مارتن.

 

كما أنه من الاختزال والتعميم قراءة الواقع الديني في المجتمعات الغربية من خلال أدبيات بعض المفكرين والأكاديميين الليبراليين والعدميين الذين لا يكفون عن التبشير بمقولة انتفاء الدين لصالح القيم الوضعية والإلحادية الجذرية.

 

"
من الاختزال والتعميم قراءة الواقع الديني في المجتمعات الغربية من خلال أدبيات بعض المفكرين والأكاديميين الليبراليين والعدميين الذين لا يكفون عن التبشير بمقولة انتفاء الدين لصالح القيم الوضعية والإلحادية
"
فثمة مسافة شاسعة بين نظرية العلمنة التي يكتفي أصحابها غالبا بالتشديد على الطابع الانتصاري للعلمانية استنادا إلى ادعاءات نظرية وثوقية، وبين واقع الدين في المجتمعات الغربية الذي يتسم بالتعرج والتركيب.

 

كما أن هنالك مسافة شاسعة بين النزعة العدمية والتفكيكية التي تطبع خطاب الكثير من المفكرين والكتاب الغربيين وبين عامة الناس الذين يميلون غالبا إلى إطفاء جوعة الضمير بنوع من التوليف بين متطلبات الحياة اليومية المعلمنة وبين ما تبقى من معان ومختزنات دينية.

 

 لم يكن غريبا أن يفاجأ المراقبون والمحللون بالانفجار الديني في هذه المناسبة أو تلك، بما يناقض قراءاتهم وتوقعاتهم الوثوقية. من ذلك ما حظيت به وفاة البابا يوحنا بولص الثاني مثلا من اهتمام غير مسبوق، فضلا عما أثاره هذا الحدث من مشاعر دينية وطقوس كنسية كان الكثير يظن أنها قد انقضت إلى غير رجعة بانقضاء "العصور الكنسية الوسطى" وظهور الحداثة.

 

طبعا لا يعني ذلك أن أوروبا المعلمنة هي بصدد القطع مع تقاليدها العلمانية، أو هي بصدد الانعطاف الكامل باتجاه المواريث المسيحية الكنسية على نحو ما كان عليه الأمر قبل ثلاثة أو أربعة قرون خلت، إذ لا يتعلق الأمر بحركة تواصل رتيب وجامد، كما أنه لا يتعلق بحركة قطع وانتقال.

 

بل ما نريد قوله هنا هو أن حركة الفكر وبنيات المجتمع أكثر تركيبا وتعقيدا من تلك النماذج النظرية الجاهزة سواء تلك التي تقول بمطلق القطع الانفصالي أو تلك التي تقول بالتواصل الرتيب.

 

فكما أن حركة العلمنة بنية خفية وليست بالضرورة مخططات واضحة وواعية، فكذا هو الأمر بالنسبة للمجال الديني الذي قد يأخذ تعبيرات مؤسسية واضحة المعالم كما يمكنه أن يأخذ تعبيرات نفسية ورمزية خفية.

 

لقد تعود علماء الاجتماع الغربيون الحديث الاحتفائي عن الانتصار الكاسح لحركة العلمنة من خلال التأكيد على تدني نسبة المتدينين ومرتادي الكنائس وتراجع الحضور الديني في مجال الحياة العامة، وغالبا ما يستند هؤلاء إلى معطيات الرصد الحسابي والجداول الإحصائية التي تثبت دعواهم في الكثير من الحالات.

 

ولكن كل ذلك لا يقدم صورة كاشفة عن دور الدين ومجال فعله وتأثيره سواء في الحياة الخاصة أو في الهيئة الاجتماعية والسياسية العامة.

 

ذلك أن المتابعة الدقيقة تبين أن الدين سواء في أشكاله الخفية أو المعلنة –بما في ذلك أكثر المجتمعات خضوعا لسياسات علمنة جذرية– مازال يتمتع بحضور قوي ونشيط.

 

فخلافا لقراءات العلمانيين وتوقعاتهم يشهد الدين والمؤسسات الدينية في الغرب الأطلسي والأوروبي نوعا من الانتعاش والصعود قياسا لما كان عليه الأمر قبل عقد أو عقدين من الزمن.

 

"
لعله مما يحفظ المجتمعات الغربية اليوم من مخاطر التمزق الكامل وتجنب الحالة الذئبية المخيفة، ما بقي من ترسبات مسيحية دينية سواء في شكلها المباشر أو في شكلها المدني المعلمن
"
هذا ما نشهده اليوم في روسيا ودول أوروبا الشرقية وأميركا وحتى أوروبا الغربية نفسها، هذا دون أن نتحدث عن العالم الإسلامي الذي يشهد إحيائية دينية واسعة، ودليل ذلك أن الرموز المسيحية مازالت تمارس حضورا قويا في تحديد الهوية العامة ومخازن الشعور الفردي والجماعي لدى الغربيين رغم القرون المتتالية من حركة العلمنة، فضلا عن الدور النشيط الذي تمارسه الكنائس والجماعات الدينية المنظمة.

 

صحيح أن هنالك تراجعا ملحوظا ومتزايدا للنشاط الديني المؤسسي لصالح الممارسة الدينية الفردية والخاصة، وظهور أنماط جديدة من الديانات الأغنوصية والوضعية إلا أن ذلك يجب ألا يحجب عنا حقيقتين اثنتين، أولاهما أن الإيمان الديني ليس متساوقا بالضرورة مع التعبير المؤسسي، إذ يمكن للمؤسسة الدينية أن تكون في حالة تراجع في حين ترتفع معدلات التدين والعكس صحيح أيضا.

 

ودليل ذلك أن الاعتقاد في وجود خالق وحياة آخرة، وفي قيمتي الخير والشر بمعناهما الديني مازال مرتفعا في الكثير من المجتمعات الغربية، بل هو في تزايد ملحوظ قياسا بالحقب المنصرمة، أو قياسا بالتصورات الدهرية الإلحادية التي مازالت قاصرة على بعض الفئات الاجتماعية المحدودة (هذا إذا استثنينا بلدان أوروبا الأسكندينافية التي تتسع فيها دائرة الإلحاد)، إذ يجد عامة الناس في معاني الإيمان بالله، والحياة الأخرى، وفي قيم الخير والشر نوعا من الحماية من زحمة الرأسمالية الصاخبة وموجات التفكيك الدهرية بتداعياتها وذيولها المدمرة للحياة الخاصة، ونسيج العلاقات العامة.

 

ثانيا إن الكنيسة بدورها لم تختف من المشهد الثقافي والاجتماعي على نحو ما تنبأت به نظريات العلمنة بقدر ما فرضت عليها تحولات الحداثة وأزماتها الراهنة، فرضت عليها تحويل الجزء الأكبر من فاعليتها من المجال الحصري للدولة إلى الحقل الاجتماعي المدني وإلى الفضاء السياسي بمعناه الواسع.

 

فقد غدت الكنيسة جزءا مكينا مما يسمى اليوم بالمجتمع المدني حيث تتولى الدفاع عن فئات المحرومين والمهمشين، وتشد أزر المتساقطين من ضحايا الآلة الرأسمالية القاسية، والعلمانية الكالحة، وهي إلى جانب ذلك تلعب دورا بارزا في مجال التعليم وحتى الحياة السياسية الرسمية.

 

أما على صعيد  التجربة العملية فيكفي أن يتأمل المرء في حالة الحماية والدعم اللذين توفرهما الدول الغربية للتعليم الديني الكنسي بما في ذلك تلك الدول الموصوفة بالعلمانية، وأن يتأمل في دور الكنائس والجماعات الدينية في الحياة السياسية في بلد مثل الولايات المتحدة الأميركية حيث تتحكم الكنائس بل الجماعات الأصولية المسيحية المهودة في مسار الأحزاب ومستقبل الانتخابات وفي صعود السياسيين وإسقاطهم، فضلا عن توجيه السياسات الدولية.

 

هذا ما نلاحظه خصوصا في الدول البروتستانتية التي لعبت فيها الكنيسة الإصلاحية دورا أساسيا في زعزعة الكنيسة الرومانية وإعادة بناء الحقل السياسي المدني، إلى الحد الذي لا يكاد ينفصل فيها الديني عن المدني، كما هو شأن الولايات المتحدة الأميركية وإلى حد ما بريطانيا.

 

لعله مما يحفظ المجتمعات الغربية اليوم من مخاطر التمزق الكامل، وتجنب الحالة الذئبية المخيفة التي تحدث عنها هوبس، ما بقي من ترسبات مسيحية دينية سواء في شكلها المباشر أو في شكلها المدني المعلمن، وفي مقدمة ذلك مؤسسة الأسرة والعلاقات الزوجية، ومعنى الواجب الأخلاقي والالتزام الاجتماعي سواء كان ذلك بتأسيس ديني مباشر أو باستلهام مضمر.

 

وقد رأينا كيف ساهمت حركة العلمنة الجامحة في الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية في تفاقم أزماتها وإعطابها ثم انهيارها لاحقا، بسبب ما رافق هذه العلمانية الجذرية من طابع تفكيكي وهدمي مريع.

 

صحيح أن مؤسسة الأسرة في شكلها التقليدي المتعارف عليه تبدو في حالة تراجع في أغلب البلاد الأوروبية، توازيا مع اتساع نطاق العلاقات الحرة وما يعبر عنه عادة بالعلاقات التعاقدية المؤقتة أو الأسرة "المرنة" قياسا على مقولة السوق المرنة والعمل المرن، وما شابه ذلك.

 

"
الشعور المتزايد بقسوة العلمنة وجدب الروح هو الذي دفع بالكثير من الناس في قلب المجتمعات الغربية إلى إعادة اكتشاف المقدس والنهل من معين المنابع الروحية للأديان والعقائد، بما في ذلك ديانات آسيا البعيدة
"
أما نسبة المواليد خارج مؤسسة الزواج الرسمي فتبدو مفزعة حيث تصل نسبتها في بلد مثل بريطانيا إلى ما يقارب 40%، ولكن كل ذلك لا يعطينا صورة كاشفة ودقيقة عن عموم المشهد الثقافي والديني الغربي.

 

فقد صمدت الأسرة التقليدية في مواجهة ضغوط العلاقات التعاقدية المؤقتة، كما أن ثمة اتجاها متزايدا سواء بين من ينعتون بالمحافظين أو حتى الليبراليين على تأكيد أهمية قيم الأسرة والروابط الدموية في مواجهة حالة التذرر الهائلة التي تطبع النظام الرأسمالي الغربي في حلقته المتقدمة.

 

كما أن هنالك اتجاها متزايدا نحو إحياء القيم الأخلاقية الدينية والمدنية في المدارس ومناهج التعليم لمواجهة نزعات القلق والفوضى التي بدأت تلقي بظلالها الكثيفة على قطاعات الشباب خصوصا، وذلك بحكم الترابط الوثيق بين الأخلاق المدنية والأخلاق الدينية، على نحو ما أبرزه ومنذ وقت مبكر الفيلسوف الألماني كانط في مختلف كتاباته.

 

وهنا أقول إن حياة علمانية كاملة على نحو ما نظر له الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه وأتباعه مثلا هي حياة لا تحتمل، كما أن عالما معلمنا بالكامل على نحو ما تصوره عالم الاجتماع ماكس فيبر ومن قبله ماركس بالغة الكلفة على الأفراد والمجموعات، وعلى بنية الاجتماع السياسي بالنظر إلى ما يرافق العلمانيات الجذرية من نزعات عدمية مدمرة وناسفة لما تبقى من عرى قيم مدنية تشد النسيج الاجتماعي العام.

 

صحيح أن ثمة نخبة من الإفراد أو المجموعات لا تجد صعوبة في "التعايش" مع حالة الفراغ العدمي مع ما يصحب ذلك من قلق وزلزلة في الضمير، بل قد يجعل بعضها من هذه الحالة العدمية والإلحادية موضعا للتفكير والتأمل الثاقبين على نحو ما فعله فلاسفة وأدباء عدميون كبار من أمثال نيتشه وسارتر وهايدغر وألبرت كامي وكافكا ومرلو بونتي وغيرهم.

 

ولكن ليس بمقدور عامة الناس احتمال مثل هذا الفراغ العدمي، كما أن المجتمعات تحتاج في نهاية المطاف إلى "قيم عامة" تشد عراها وتلحم مؤسساتها الحيوية وإلا سقطت في هاوية التفكك والفوضى العارمة.

 

ولعل هذا ما حدا بالفيلسوف الأميركي ماكنتاير إلى المناداة بالعودة إلى مفهوم الفضيلة كقيمة كونية وعامة (على النحو الذي نظر له الفيلسوف اليوناني أرسطو) بديلا عما أسماه بالمصيدة النيتشوية (نسبة إلى الفسلسوف الألماني نيتشه) التي تتهدد المجتمعات الغربية بطغيان تضارب المعايير القيمية وما يتبعها من تذرر اجتماعي.

 

كما أن هذا الشعور المتزايد بقسوة العلمنة وجدب الروح هو الذي دفع، ويدفع بالكثير من الناس في قلب المجتمعات الغربية إلى إعادة اكتشاف "المقدس"، والنهل من معين المنابع الروحية للأديان والعقائد، بما في ذلك ديانات آسيا البعيدة مثل البوذية والهندوسية، والديانات الأرواحية القديمة فضلا عن التصوف الإسلامي.

 

هذا ما حدا ببعض الباحثين الغربيين إلى الحديث عما أسموه "انفجار" المقدس، واجترح  بعضهم الآخر مصطلح ما بعد العلمانية دلالة على تهافت المقولات العلمانية على نحو ما راج منذ بدايات القرن التاسع عشر.

 

"
من غير الدقيق اعتبار الغرب الحديث علمانيا خالصا، كما أنه من غير الدقيق أيضا تصنيفه بالمسيحي الخالص، بل الواجب قراءته من هذين الوجهين معا
"
والخلاصة أنه من التبسيط المخل وصف المجتمعات الغربية بأنها مسيحية كتابية على النحو الذي تصوره الأدبيات الإسلامية التقليدية في معرض مقارنة بين "الشرق الشيوعي الكافر" والغرب "المسيحي الكتابي".

 

وكذلك من التسطيح تصوير المجتمعات الغربية على أنها حالة علمانية كاملة على نحو ما تصور أدبيات الكثير من العلمانيين عندنا.

 

من الأخطاء المخلة هنا قراءة واقع المجتمعات الغربية من خلال ما يكتبه علماء الاجتماع وجداولهم الإحصائية الانتقائية، أو من خلال أدبيات الفلاسفة التفكيكيين أو البراغماتيين الجدد، لأن حركة الواقع على نحو ما بينا سابقا أكثر تعقيدا وتداخلا مما تسجله أدبياتهم وقوالبهم النظرية.

 

من هنا يبدو من غير الدقيق اعتبار الغرب الحديث علمانيا خالصا، كما أنه من غير الدقيق أيضا تصنيفه بالمسيحي الخالص، بل الواجب قراءته من هذين الوجهين معا.

 

وعليه فمن التبسيط المخل قراءة التاريخ السياسي والديني الغربي من خلال التعبيرات اللائكية الفرنسية التي تمثل الاستثناء وليست القاعدة ضمن سياقات التجربة الغربية.

___________________

كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة