محمد فال ولد المجتبى

 

ـ خصوصية الإجرام المعاصر

ـ ملامح أزمة السياسة الجنائية

ـ ضرورة التفكير في الإصلاح

 

نشر المفكر الإيطالي لويجي فيراجولي -وهو من أبرز الحقوقيين المعاصرين المهتمين بتطور نظريات القانون الجنائي وعلم الإجرام- مؤخرا دراسة هامة تعرضت للتحولات التي أحدثتها العولمة في عالم الجريمة وانعكاساتها على أمن المجتمع وأنظمة حمايته.

 

وتضمنت الدراسة تصنيفا جديرا بالاهتمام لفئات السلوك الإجرامي، كما تضمنت تشخيصا جريئا لأزمة السياسات الجنائية، ومقترحات رائدة هدفها إصلاح القانون الجنائي، حتى يكون في مستوى التحدي الذي تمثله الجريمة المعاصرة بطبيعتها الخاصة والوسائل الاستثنائية المتاحة لها، مما يفرض إقرار آليات ناجعة لمواجهتها بنفس المستوى من الفعالية وعلى امتداد النطاق غير المحدود الذي تتحرك في إطاره.

 

ينطلق التحليل من مجموعة من الملاحظات منها أن هناك ظاهرة إجرامية أصبحت ذات امتداد عالمي، وأن هناك علاقة سبب وأثر بين العولمة وهذا التطور، ومنها أن هذا الوضع يرتبط بوجود أزمة قانونية، تتعلق بمصداقية القانون وبفعاليته.

 

أضف إلى ذلك أن هناك عجزا عن إقرار قواعد قانونية وتوفير ضمانات مؤسسية تكافئ التحديات التي تفرضها العولمة.

 

وقد تسببت هذه الأزمة في تراجع الوظيفة الأصلية التي تمثل أساس القانون الجنائي ومبرر وجوده، وهي الحد من العنف سواء كان ناتجا عن الجرائم نفسها أو ناشئا من ردود الأفعال عليها، وهو ما يعني الوقاية من الجريمة، من جهة، وتجنب العقوبات المفرطة وغير القانونية من جهة أخرى.

 

"
يدعو لمزيد من القلق أن هذه الأشكال الجديدة من الجريمة تتميز بكونها ذات طبيعة منظمة وأنها تمارس وتلقى الدعم والحماية من طرف سلطات قوية وخفية تحتل مواقع النفوذ والتحكم
"
خصوصية الإجرام المعاصر

في عالم الجريمة التقليدي يأتي الاعتداء على الحقوق والممتلكات عادة من أفراد على هامش المجتمع أو عصابات معزولة، ولتحقيق الكفاية غالبا.

 

أما اليوم فإن الإجرام الذي يمثل التهديد الأكبر لاستتباب أمن المجتمعات والأمم والتحدي الأبرز لتشريعاتها ومؤسساتها هو ما يسميه فيراجولي "إجرام السلطة"، وهو صنف من الجريمة غير هامشي ولا استثنائي لأنه، خلافا للجريمة التقليدية، متجذر في مركز المجتمعات المعاصرة ويتحكم في مفاصلها.

 

وتنتمي إلى عالم الجريمة المنظمة التي تمارس من موقع السلطة، أو بالقرب منها، ثلاث فئات متميزة من حيث طبيعتها رغم أنها تكرس، في حالات كثيرة، تداخل المصالح وتواطؤ المواقف بين سلطان الجريمة المنظمة ونفوذها وبين انحرافات وجرائم السلطة سياسية كانت أو اقتصادية.

 

الأولى قوى الجريمة المنظمة: وفي مقدمتها الجماعات الإرهابية وكبريات منظمات المافيا. صحيح أن مثل هذه المنظمات وجدت دائما، لكنها اليوم حققت تطورا مذهلا على  مستوى الانتشار والتأثير كما أصبح لها وزن مالي هائل جعل أنشطتها ضمن طليعة قطاعات الاقتصاد العالمي الأكثر مردودية.

 

ولا ينطوي هذا التأكيد على أية مبالغة، فقد قدر الباحث الفرنسي جان دو مايار قبل سنوات أن حجم الأعمال المرتبطة بغسيل الأموال يبلغ سنويا ما بين 800 إلى 2000 بليون دولار.

 

إنما المفارقة أن هذه الأرباح الضخمة تتحقق نتيجة لاستغلال أكثر الأوضاع بؤسا، وهو ما يتجلى في سيطرة عصابات المافيا على سوق المخدرات  واستخدامها البشع لجيوش من صغار الموزعين فضلا عن استغلالها للبؤس المعنوي للمدمنين.

 

والشيء نفسه يمكن أن يقال عن متاجرة مافيا الهجرة السرية بأحلام العاطلين، وتلاعب جماعات الإرهاب العابر للأوطان بعواطف الشباب المتمرد.

 

والملاحظ في أغلب هذه الحالات أن هناك فرزا طبقيا تستغل "النخب" الإجرامية بمقتضاه بؤس وخصاصة وهامشية عالم الجريمة الصغيرة وتقوم بتوظيفه لتعظيم أرباحها.

 

الثانية النفوذ الاقتصادي العابر للحدود: ويتجسد هذا النوع من الجريمة -الذي يمثل بامتياز أثرا مباشرا لظاهرة العولمة بما تعنيه من فراغ في القانون العام- عبر صيغ مختلفة من الفساد والعدوان على الحقوق الاجتماعية واغتصاب الموارد الطبيعية وتدمير البيئة.

 

ولأن هذا النفوذ يتوسع اطرادا مع تقلص المجالات التي يغطيها التشريع فهو عمليا على خصومة مع القانون.

 

ولذلك تتضاءل تدريجيا الفوارق بينه وبين القوى الإجرامية ذات الطبيعة المافيوزية الصريحة، والتي يشترك معها في استغلال أوضاع الفقر التي نتجت عن ظاهرة العولمة أو تفاقمت بسببها.

 

"
الصيغ الجديدة للجريمة أضحت تمثل عدوانا جديا على مصالح أساسية فردية وجماعية لأن الأمر تحول من انحراف أفراد معزولين وعاجزين إلى إجرام واسع النفوذ يتمتع بمستوى غير مسبوق من الحصانة ضد العقوبة وقدرة فائقة على الابتزاز
"

في غياب تشريعات ومؤسسات فاعلة ترسم حدودا وتحدد ضوابط النشاط الاقتصادي انقلبت طبيعة العلاقة بين الدولة والسوق، فلم تعد الدول  تقر شروط المنافسة في إطار السوق وإنما أصبحت السوق تفرض على الدول أن تتنافس على اجتذاب الاستثمارات التي غالبا ما تحظى بها البلدان الأكثر استعدادا -بدافع الفساد أو تحت ضغط الحاجة- لغض الطرف عن التجاوزات.

 

الثالثة إجرام السلطات العمومية: وهو أكثر هذه الفئات تعقيدا وتنوعا فهناك الارتباط الوثيق بين هذه السلطات وقوى الجريمة الاقتصادية السابق ذكرها، وللجماعات الإرهابية دائما تحالفاتها المعروفة أو الخفية مع الأنظمة السياسية وأجهزة الاستخبارات.

 

بل إن أنشطتها تخدم في حالات كثيرة الأجندة السياسية للأنظمة التي تدعي مواجهتها، وهناك الظهور المتواتر لأشكال قديمة متجددة من الفساد واستغلال السلطة.

 

وقبل هذا وذاك تأتي الجرائم الأكثر لصوقا بطبيعة السلطات العمومية، كالجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها الأجهزة السرية وقوى الأمن والجيش، ومنها أيضا الحروب وجرائمها، وأخيرا تسخير أجهزة الدولة لخدمة الأغراض الإجرامية لجماعات ضغط ومراكز نفوذ خفية، في تحريف صريح للوظائف الأصلية للدولة وانحراف واضح عن قوانينها.

 

والذي يدعو لمزيد من القلق أن هذه الأشكال الجديدة من الجريمة تتميز بكونها ذات طبيعة منظمة وأنها تمارس -أو تلقى الدعم والحماية- من طرف سلطات قوية وخفية تحتل مواقع النفوذ والتحكم.

 

ويعني ذلك حصول تحول في الخلفية الاجتماعية للظاهرة الإجرامية، على الأقل في مستوياتها "العليا"، حيث لم تعد "الطبقات الخطيرة" هي تلك الأكثر فقرا وهامشية، وإنما "النخب" المتحكمة سياسيا واقتصاديا، وغدت الأولى خاضعة للثانية التي ترعى كل نزوع إجرامي وتستغله لحسابها.

 

كما أن الصيغ الجديدة للجريمة أضحت تمثل عدوانا جديا على مصالح أساسية فردية وجماعية لأن الأمر تحول من انحراف أفراد معزولين وعاجزين إلى إجرام واسع النفوذ يتمتع بمستوى غير مسبوق من الحصانة ضد العقوبة وقدرة فائقة على الابتزاز تتناسب مع تزايد قوة المنظمات الإجرامية وتوثق صلاتها بالسلطات العمومية.

 

ملامح أزمة السياسة الجنائية

لم يكن تطور الجريمة وتمكن تأثيرها في المجتمعات المعاصرة والعجز عن التصدي لها ليكون على النحو الذي هو عليه الآن لولا الخلل في أدوات حماية المجتمع من الجريمة، وفي مقدمتها القانون الجنائي الذي بات يعاني من التضخم التشريعي وترهل الأجهزة القضائية وشيوع الحلول الظرفية ذات المنحى الديماغوجي.

 

ولا شك أن مثل هذه الحلول حرفت مفهوم الأمن واختزلته في مطلب الحفاظ على النظام العام اعتمادا على مقاربات أمنية وجنائية طبقية وقاصرة، مما أدى إلى استنزاف طاقات الجهاز القضائي في ملاحقة الجريمة الصغيرة والهامشية وصرفه عن الاهتمام بتعقب الإجرام الأكثر خطورة والذي يتصرف من مواقع السلطة والسطوة والنفوذ.

 

"
أزمة القانون الجنائي نتيجة لحلول ظرفية قاصرة عن مواجهة الأسباب البنيوية للجريمة ومقتصرة على تغذية الأوهام حول فعالية الردع العقابي، حتى لا نقول صناعة المزاج القمعي والمخاوف السائدة في المجتمعات المعاصرة
"

وهذا بدوره مثل إخلالا مكشوفا بالترتيب المنطقي للأولويات وتجاهلا غير مقبول لحقيقة أن مقاربة الجريمة الصغيرة من المنظور الجنائي حصرا إنما تؤدي إلى تغذية الأوهام حول الفعالية المطلقة للردع العقابي، في الوقت الذي تعفي فيه الدولة وسلطاتها والمجتمع ومؤسساته من أعباء البحث عن حلول بنيوية للأزمات الاجتماعية التي تنتج هذا الصنف من الجريمة.

 

لقد أسفر الإسراف في الإنتاج التشريعي ذي الأثر الجنائي عن تمييع الوظيفة التنظيمية للقانون عموما وابتذال القدرة الردعية لقواعد القانون الجنائي خاصة والحد من فعاليتها بفعل التوسع غير المحدود لمجالات تطبيقها.

 

كما أدى ذلك الإسراف إلى فوضى كبيرة بسبب تعدد المصادر وتداخل الصلاحيات على نحو يتنافى مع التحديد والوضوح المطلوبين في القاعدة القانونية لاسيما الجنائية.

 

وأدى التضخم إلى تعطيل فعالية الجهاز القضائي المثقل كاهله بقضايا مكلفة وتافهة، في مجهود نتيجته الوحيدة إضاعة الوقت وتبذير موارد كان ينبغي أن توجه لملاحقة الجرائم الكبرى والخطيرة التي أصبح مرتكبوها يستفيدون في معظم الحالات من نوع من العفو الضمني تحت مسمى التقادم.

 

كما تسبب في إضعاف هيبة القانون وقدرته التنظيمية وأخل بأهم الوظائف المنوط به تحقيقها في دولة القانون.

 

تمثل أزمة القانون الجنائي مظهرا ونتيجة لحلول ظرفية قاصرة عن مواجهة الأسباب البنيوية للجريمة ومقتصرة على تغذية -حتى لا نقول صناعة- المزاج القمعي والمخاوف السائدة في المجتمعات المعاصرة.

 

وتتجلى أخطاء هذه السياسات ومخاطرها بوضوح في ما يتعلق بالمسألة الأمنية، التي يمكن رصد الانحرافات المتصلة بها على مستويين:

الأول منهما عناية السلطات العمومية عادة بترسيخ فكرة أن الجريمة التي تمثل خطرا على أمن المجتمع وسكينته هي الجريمة الصغيرة الشائعة والمبتذلة.

 

وفحوى هذا الخطاب، المتناغم بوضوح مع مصالح الإجرام المتنفذ، أن الطبقات الهامشية كالفقراء والأقليات العرقية والمهاجرين هي مصدر الخطر وأن الاختلاف الاجتماعي والانحراف مترابطان بالضرورة، في محاولة لصرف انتباه الرأي العام عن جرائم السلطة والجريمة المنظمة وتصويب اهتمامه نحو الجريمة الهامشية دون غيرها.

 

أما الثاني منهما فهو أن هناك رسالة سياسية أخرى لا تقل خطورة، وتتعلق بتحريف مفهوم الأمن واختزال مدلوله عبر تجاهل المحتوى الواسع لمفهوم الأمن الاجتماعي، وحصر دلالته في فكرة الأمن العمومي مختزلة، بدورها، في مهام حفظ النظام العام.

 

تحاول هذه السياسات المماهاة بين الأمن وبين التدخل الجنائي كما لو كان يمثل حلا سحريا لمشكلةٍ الواقعُ أن مواجهتها لا تحتاج إجراءات جنائية بقدر ما تتطلب سياسات اجتماعية لأن حلها يمر عبر خطط للدمج لا من خلال إستراتيجيات للإقصاء.

 

"
ثمة حاجة ملحة لتعبئة سياسية وثقافية حول متطلبات إصلاح القانون الجنائي لتخليصه من عيوبه الراهنة واستعادة طبيعته المتميزة نظاما للضمانات ووظيفته الأصلية أداة للحد من العنف ولحماية المصالح الأساسية للمجتمع وأفراده
"
ضرورة التفكير في الإصلاح

يتبين من كل ما سبق أن ثمة حاجة ملحة لتعبئة سياسية وثقافية حول متطلبات إصلاح القانون الجنائي لتخليصه من عيوبه الراهنة واستعادة طبيعته المتميزة نظاما للضمانات ووظيفته الأصلية أداة للحد من العنف ولحماية المصالح الأساسية للمجتمع وأفراده.

 

وينبغي أن يتقدم هذا الإصلاح المنشود في ثلاثة اتجاهات رئيسة:

الأول الترابط الحاصل على الصعيد الكوني الذي يستلزم تطوير فضاء عمومي عالمي واستحداث قانون جنائي دولي قادر على مواجهة الظواهر الإجرامية المعاصرة.

 

وفي هذا السياق يمثل تشكيل المحكمة الجنائية الدولية إنجازا تاريخيا يجب تعزيزه بتمكين المحكمة من الوسائل الضرورية للاضطلاع بمهامها وتوسيع صلاحياتها لتشمل جرائم كالإرهاب والاتجار بالمخدرات والسلاح وأنشطة الجريمة المنظمة متعددة القوميات، وكذلك الجرائم ضد البيئة والصحة العمومية، فضلا عن الانقلابات والمحاولات الانقلابية.

 

الثاني أنه تتعين عقلنة المدونات الجنائية التقليدية بتعزيز نظام الضمانات ومراجعة الأولويات تركيزا على الأهم فالمهم، باعتبار ذلك شرطا لا غنى عنه لضمان فعالية القانون الجنائي.

 

ومن المطلوب في هذا الإطار إعادة الاعتبار إلى مبدأ الشرعية وتقليص كتلة القانون الجنائي المتضخمة من خلال مراجعة صياغته على أساس إقرار مبدأ دستوري يمنع وضع أي قاعدة قانونية متعلقة بالجرائم أو العقوبات أو الإجراءات الجنائية إلا في إطار تعديلات تشريعية يتم اعتمادها بأغلبية غير عادية.

 

كما أنه من المطلوب أيضا محاربة السياسة التجريمية الصارمة بخصوص المتاجرة بالمخدرات التي أدت إلى سيطرة عصابات المافيا على سوق المخدرات وأتاحت لها أرباحها المتضخمة بفعل الاحتكار فرصا لتوسيع مجالات نفوذها وتغذية ظواهر إجرامية تخدم أهدافها.

 

رغم ذلك يبقى هذا المسلك التجريمي مفهوما بل ومطلوبا، حتى لو كان البعض يرى أن تشريع المخدرات، بشروط وضوابط، سيجرد الجريمة المنظمة من أحد أبرز مقومات استمرارها.

 

لكن ما هو مطلوب أكثر هو وضع حد للتسامح المطلق اتجاه سوق لا تقل خطورة وضررا هي سوق السلاح، فالسلاح موجه بطبيعته للقتل ووفرته تمثل أبرز أسباب الجريمة والحروب، وليس مفهوما أن لا يتم منع المتاجرة به، بل وحظر إنتاج جميع أنواعه إلا في حدود ما يتطلبه حفظ النظام العام وتحقيق مقتضيات احتكار الدولة للإكراه الشرعي.

 

هذا الاقتراح الذي قد يبدو موغلا في المثالية ليس كذلك في الواقع إلا بالنسبة لمن يقدسون مصالح لوبيات صناعة السلاح والمتاجرة به أو من تعجبهم السياسات العدوانية للقوى العظمى والنزعات العدمية لأمراء الحرب في بلدان العالم الثالث.

 

وليس من قبيل المصادفة أن تكون نسبة عالية من نزلاء السجون تنتمي دائما إلى فئات معينة هي السود في الولايات المتحدة، والمهاجرون في أوروبا، والفقراء في جميع بلدان العالم!.

 

"
هذه العدالة الانتقائية ثمرة الخطاب الخاطئ لبعض السياسيين ووسائل الإعلام ومظهر للنزعة البيروقراطية التي تدفع أجهزة الأمن والقضاء إلى البحث عن إنجازات وهمية في مواجهة الجريمة
"

فهذه العدالة الانتقائية هي ثمرة الخطاب الخاطئ لبعض السياسيين ووسائل الإعلام ومظهر للنزعة البيروقراطية التي تدفع أجهزة الأمن والقضاء إلى البحث عن إنجازات وهمية في مواجهة الجريمة.

 

من ثم فإنه من المهم إدراج الوعي بوجود هذا التمييز المنهجي المخل بمبدأ المساواة ضمن أخلاق المهنة القضائية، بما يسهم في إعادة التوازن إلى السياسة الجنائية وإرهاف إحساس القضاة بواجب مراعاة مقتضيات الكرامة الإنسانية واحترام الضمانات الإجرائية في كل الحالات، مع التركيز على ملاحقة فئات المجرمين الأكثر خطورة.

 

واضح أن الآفاق المفتوحة أمام هذه الإصلاحات لا تدعو إلى التفاؤل، لا فيما يتعلق بإرساء نظام جنائي دولي قادر على مواجهة التحديات الراهنة، ولا فيما يخص إقرار سياسات جنائية عقلانية بديلة عن السياسات الديماغوجية السائدة حاليا.

 

لكن هذه الإصلاحات حتى وإن كانت، موضوعيا غير محتملة الآن فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها مستحيلة التحقيق، لأنها ليست كذلك إلا بالنسبة لمن يسمون التقصير واقعية، ويصمون بالطوباوية وعدم الواقعية كل ما لا يستطيعون، أو لا يريدون إنجازه.
__________________
كاتب موريتاني

المصدر : الجزيرة