صالح محمد النعامي

 

- القرار ضمانة لتهويد القدس

- ضم التجمعات الاستيطانية

- الجدار كمحدد لخط الانسحاب النهائي

- عدم السماح بدولة فلسطينية قابلة للحياة

- فك الارتباط للتغطية على أهداف الجدار

- الجدار مدعاة لتفجر انتفاضة ثالثة

 

ليس من المبالغة القول إن القرار الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية الأحد الماضي، والقاضي باستكمال بناء جدار الفصل العنصري حول مدينة القدس قبل مطلع سبتمبر/أيلول المقبل كحد أقصى، هو أخطر إجراء تُقدم عليه الدولة العبرية بعد قيامها باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967.

 

فبعد إقرار إسرائيل مؤخراً أنها لا تقوم ببناء الجدار لدواع أمنية فقط، بل أيضاً من أجل مصادرة الأراضي الفلسطينية، فإن القرار الأخير يحسم عملياً لصالح إسرائيل أربعا من قضايا الحل الدائم المفترض أن تتعاطى معها أي تسوية سياسية للصراع بين الشعب الفلسطيني ودولة الاحتلال، وهي القدس والتجمعات الاستيطانية، وخط الانسحاب النهائي، وطبيعة الكيان الفلسطيني الذي ينشأ بعد أي تسوية سياسية.

 

"
دور الجدار العنصري حول القدس في تسهيل ضم التجمعات الاستيطانية لإسرائيل يساهم بشكل مباشر في مساعدة الحكومة الإسرائيلية على قطع شوط كبير في إنجاز خطة "القدس الكبرى"
"
القرار ضمانة لتهويد القدس

من أخطر التداعيات التي يمكن أن تنتج عن القرار الأخير، العمل على استكمال تهويد مدينة القدس بشكل حاسم.

 

ويمكن الإشارة إلى اثنتين من آليات التهويد التي يغذيها هذا القرار، أولاها حسم الصراع الديمغرافي لصالح اليهود، إذ أنه بعد استكمال مسار الجدار حول المدينة سيجد خمسة وخمسون ألف مقدسي أنفسهم خارج حدود المدينة في المرحلة الأولى، وهذا العدد مرشح للارتفاع ليصل إلى مائة ألف مقدسي، لأن القرار يمهد الطريق في المستقبل لسلخ الأحياء الفلسطينية جنوب المدينة عنها وضمها للضفة الغربية.

 

ويأتي هذا القرار في ظل سلسلة من الإغراءات التي أعلنت عنها الحكومة الإسرائيلية لجذب اليهود للاستيطان في القدس ومحيطها.

 

فقد قررت الحكومة الإسرائيلية تقديم تسهيلات كبيرة لكل يهودي يستعد للاستيطان في القدس ومحيطها، عن طريق توفير فرص عمل كثيرة ومغرية عبر إقامة مناطق صناعية ومرافق سياحية، إلى جانب تقديم تسهيلات ضريبية كبيرة.

 

وفي نفس الوقت فإن الحكومة تقدم قروضاً ميسرة جداً لتسهل على اليهود شراء شقق في الأحياء الاستيطانية داخل المدينة وحولها.

 

ويقوم ممثلو الوكالة اليهودية بالتجوال في أرجاء العالم، لحث اليهود على تفضيل الاستيطان في القدس عندما يهاجرون إلى الدولة العبرية.

 

أما ثانيتها فهي توفير احتياطي أراض لإقامة مزيد من المستوطنات، إذ لم يقم الجدار العنصري بطرد عشرات الآلاف من الفلسطينيين من مدينتهم فحسب، بل إنه عمل على مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، وأوجد مساحات واسعة من الأراضي الشاسعة الخالية التي بالإمكان استغلالها في إقامة مزيد من الأحياء الاستيطانية.

 

فالجدار الذي يصل القدس بمستوطنة "معاليه أدوميم" كبرى مستوطنات الضفة الغربية، مكّن سلطات الاحتلال من استغلال الأراضي الواقعة بين القدس وتلك المستوطنة في مشروع "E1" الذي يهدف إلى بناء آلاف الوحدات السكنية لاستيعاب عشرات الآلاف من اليهود.

 

ضم التجمعات الاستيطانية

استكمال الجدار في محيط القدس يعني أيضاً ضم عدد من أهم التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية لبلدية الاحتلال في القدس، لأن مسار الجدار حول المدينة يعني ضم مستوطنة "معاليه أدوميم" الواقعة إلى الشمال الشرقي من المدينة، وكذلك ضم التجمع الاستيطاني "غوش عتصيون" الذي يعتبر من أكبر التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية، حيث يضم عشرات الآلاف من المستوطنين اليهود.

 

وتتمثل خطورة هذا الإجراء في أنه يستبق الحل الدائم ويضم تجمعات استيطانية لبلدية الاحتلال، أي لإسرائيل، بحيث تعتبر الدولة العبرية مصير التجمعات الاستيطانية عندما يحين التفاوض حول التسوية الدائمة، خارج نطاق التفاوض.

 

"
ضم التجمعات الاستيطانية لبلدية الاحتلال في القدس، لا يساهم فقط في تهويد القدس وحسم الصراع الديمغرافي لصالح اليهود، بل يساعد أيضا على نهب مزيد من أراضي الضفة الغربية لصالح إسرائيل

"
صحيح أن التجمعات الاستيطانية الكبيرة ليست كلها تقع في محيط القدس، لكن تكريس ضم بعضها لبلدية الاحتلال، يعني حدوث سابقة تسمح للدولة العبرية بضم بقية التجمعات لها.

 

وإذا أخذنا بعين الاعتبار رسالة الضمانات التي قدمها الرئيس الأميركي جورج بوش لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون خلال فترة رئاسته الأولى والتي أعلن فيها تأييد واشنطن لقيام إسرائيل بضم هذه التجمعات، فهمنا أن تل أبيب تشعر أن لديها غطاء دولياً لمواصلة ضم هذه التجمعات.

 

دور الجدار العنصري حول القدس في تسهيل ضم التجمعات الاستيطانية لإسرائيل، يساهم بشكل مباشر في مساعدة الحكومة الإسرائيلية على قطع شوط كبير في إنجاز خطة "القدس الكبرى" التي وضعها شارون عام 1997 عندما كان وزيراً للبنى التحتية في حكومة بنيامين نتانياهو، والتي اعتبرها حينئذ أهم منجزات المشروع الصهيوني في فلسطين.

 

ويهدف المشروع إلى تحقيق هدفين أساسيين: رفع عدد اليهود في القدس ومحيطها إلى مليون يهودي، وبسط بلدية الاحتلال في المدينة على 25% من مساحة الضفة الغربية.

 

من هنا فإن ضم التجمعات الاستيطانية لبلدية الاحتلال في القدس، لا يساهم فقط في تهويد القدس وحسم الصراع الديمغرافي لصالح اليهود، بل يساعد أيضا على نهب مزيد من أراضي الضفة الغربية لصالح إسرائيل.

 

الجدار كمحدد لخط الانسحاب النهائي

تشدد السلطة الفلسطينية في أنها لن توقع على أي تسوية سياسية لا تلتزم فيها إسرائيل بالانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو/حزيران عام 1967، تعتبر من أهم الثوابت الوطنية الفلسطينية لأي تسوية.

 

وبعد قرار إسرائيل استكمال الجدار حول القدس المحتلة، وفي حال ما إذا ظلت السلطة الفلسطينية وفية لثوابتها، فإنه يمكن القول إن تسوية سياسية لن تتحقق بين إسرائيل والسلطة، إذ أن المسار الجديد حول القدس، مثله مثل سائر مسارات الجدار الأخرى يندفع في قلب الضفة الغربية متجاوزاً الخط الأخضر، الذي كرس عملياً الحدود بين الضفة الغربية وإسرائيل.

 

وينطوى القرار الذي اتخذته إسرائيل على العديد من الدلالات السياسية، أهمها قرارها بإنشاء معابر حدودية على طول المسار الجديد حول القدس، أي أن الدولة العبرية تعتبر هذا المسار هو خط الحدود النهائي بين القدس وبقية أرجاء الضفة الغربية، مع العلم أن دولة الاحتلال قررت إقامة معابر حدودية على جميع مسارات الجدار الأخرى في أرجاء الضفة الغربية، لتؤكد إلغاء الخط الأخضر، وتكريس الجدار كخط حدود سياسي بين الدولة العبرية والضفة الغربية.

 

وأكدت إسرائيل في السابق بأكثر من مناسبة أن الولايات المتحدة تدعم توجهها هذا.

 

عدم السماح بدولة فلسطينية قابلة للحياة

تصر السلطة الفلسطينية على أن أي تسوية سياسية يجب أن تؤدي إلى دولة فلسطينية "قابلة للحياة" في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكنه بعد قرار إسرائيل الأخير، لا مجال لتحقيق هذا الهدف عبر الوسائل السلمية.

 

فإذا كان أهم متطلبات إيجاد دولة قابلة للحياة هو التواصل الإقليمي بين أجزائها، فإن مسار الجدار حول القدس يقضي تماماً على أي إمكانية لتحقيق هذا الشرط، لأن مسار الجدار يقسم عملياً الضفة الغربية إلى قسمين كبيرين: قسم يقع جنوب الجدار وآخر يقع شماله، ولا يوجد بينهما أي تواصل إقليمي.

 

مما تقدم يتبين حجم مساهمة مسار الجدار العنصري الذي تبنيه الدولة العبرية حول القدس في حسم أي تسوية سياسية مستقبلية لصالح دولة الاحتلال.

 

"
تعاطي العالم مع خطة فك الارتباط وكأنها تمثل تنازلات قاسية أقدم عليها شارون، ساعد على اختفاء الضغوط الدولية التي سببها بناء الجدار على إسرائيل، وتخفيف الحرج الذي وضعها فيه قرار محكمة العدل الدولية

"
فك الارتباط للتغطية على أهداف الجدار

من نافلة القول إنه لم يكن ليتسنى للدولة العبرية أن تواصل بناء جدار الفصل العنصري لولا الأصداء التي أحدثتها خطة "فك الارتباط" التي تتضمن إخلاء مستوطنات قطاع غزة وأربع مستوطنات شمال الضفة الغربية.

 

فتعاطي العالم مع هذه الخطة وكأنها تمثل تنازلات قاسية أقدم عليها شارون، ساعد على اختفاء الضغوط الدولية التي سببها بناء الجدار على إسرائيل، وتخفيف الحرج الذي وضعها فيه قرار محكمة العدل الدولية التاريخي الذي اعتبرت فيه الجدار غير قانوني ودعت إلى هدمه، وتعويض المواطنين الفلسطينيين الذين تضرروا من إقامته.

 

ولو افترضنا أنه يجوز لدول العالم أن تتعاطى مع خطة فك الارتباط وتغفل المخاطر التي يشكلها الجدار، فإنه لا يمكن تفهم أن تتغاضى السلطة الفلسطينية والدول العربية عن هذه المخاطر، من أجل التساوق مع خطة "فك الارتباط" على الرغم من أنها خطة أحادية الجانب.

 

فالسلطة الفلسطينية انتقدت قرار إسرائيل استكمال الجدار حول القدس المحتلة فقط كضريبة كلامية، وفي نفس الوقت تواصلت لقاءات التنسيق مع الجانب الإسرائيلي في كل ما يتعلق بخطة "فك الارتباط"، كما أن مصر توشك أن توقع اتفاقا مع إسرائيل ينظم دورها الأمني في خطة "فك الارتباط".

 

لكنه كان يتوجب على كل من السلطة الفلسطينية والحكومة المصرية بوصفها الطرف العربي المرشح للعب أكبر دور في خطة "فك الارتباط" أن تشترط لإقامة أي تنسيق مع إسرائيل في تنفيذ هذه الخطة وقف إسرائيل لإقامة هذا الجدار، أو على الأقل إقامته على طول الخط الأخضر الذي يقارب خط الرابع من يونيو/حزيران 67.

 

لقد كان من المفترض، أن تعمل السلطة الفلسطينية على تجنيد الرأي العام العالمي لهدم الجدار الفاصل بدلاً من ذبح الوقت في لقاءات التنسيق الفارغة مع الجانب الإسرائيلي، كما كان عليها التشديد على أنه لا يمكنها أن تلعب أي دور في خطة فك الارتباط، التي تأتي للتغطية على المخاطر التي تمثلها إقامة الجدار الفاصل، وتحديداً في محيط القدس.

 

لماذا لم تستغل السلطة الفلسطينية إقرار إسرائيل العلني بأنها لم تقم ببناء الجدار الفاصل لدواع أمنية فقط، لكي تفضح المرامي الإسرائيلية من وراء هذا الجدار؟

 

"
الجدار يلعب دورا مهما في حسم الحقائق على الأرض لصالح الدولة العبرية، لكنه في المقابل يقضي على أي إمكانية للتوصل إلى تسوية سياسية، حتى في الحدود الدنيا المقبولة فلسطينيا مما يعني أن الظروف باتت مهيأة لاندلاع انتفاضة ثالثة
"
الجدار مدعاة لتفجر انتفاضة ثالثة

إذا كان الجدار يلعب كل هذا الدور في حسم الحقائق على الأرض لصالح الدولة العبرية، فإنه في المقابل يقضي على أي إمكانية للتوصل لتسوية سياسية، حتى في الحدود الدنيا المقبولة فلسطينيا.

 

من هنا فإن كل الظروف باتت مهيأة حالياً لاندلاع انتفاضة ثالثة للتأكيد على رفض الشعب الفلسطيني قبول ما تحاول الدولة العبرية فرضه من خلال هذا الجدار القاتل، إذ أنه ليس من المنطق أن يتوقع أحد من الشعب الفلسطيني أن يقبل بالحقائق التي يرسيها جدار النهب العنصري، ويسلم بعملية التطهير العرقي التي تقوم بها دولة الاحتلال لعشرات الآلاف من الفلسطينيين، واجتثاثهم من القدس.

 

إن على الجميع في الساحة الفلسطينية، سلطة وفصائل، ألا يسقطوا ضحايا للتضليل المتعمد حول "فك الارتباط" والتلهي بمعارك جانبية هامشية مثل المعارك الانتخابية الوهمية، والجدل حول تشكيل حكومة وحدة وطنية وغيرها من التقاليع الموسمية، اللهم إلا إذا كانت على قاعدة التصدي لمخاطر الجدار.

________________

كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة