عادل لطيفي

 

- عينة من واقع المجتمع

- ثقافة الإجماع والرضا عن النفس

- عودة إلى الثقافة التاريخية الإبداعية

- ظروف التراجع الثقافي

 

هل بالإمكان الحديث عن أزمة ثقافة في تونس خلال العشرين سنة الأخيرة؟ يطرح هذا السؤال هنا في مستوييه السياسي والسوسيولوجي، أي هل من الممكن سياسيا ومعرفيا الحديث عن أزمة ثقافة في تونس.

 

سياسيا أعتقد أن فضاء الثقافة أضحى في تونس فضاء "حراميا"، أي فضاء تنظمه مبادئ المنع والرهبة، على غرار الأماكن ذات القداسة الدينية، والدليل على ذلك الغياب الكلي لأي خطاب سلبي (مقارنة مع الخطاب الرسمي التبجيلي) حول هذا الموضوع. إذ لا أثر تقريبا لأي كتابة تثير سلبيات أو نقائص أو روتينية المشهد الثقافي التونسي الحالي.

 

وهو وضع غريب بالطبع إذا استحضرنا نسبية المسألة الثقافية في أي وضع جغرافي أو تاريخي، وخاصة إذا ربطنا ما ينتج في هذا المجال بحاجة المستهلك التونسي اليوم وبما وصلت إليه بلدان أخرى قد لا تنافس الثقافة التونسية من حيث العمق التاريخي.

 

أما معرفيا، فلا يمكن لأي فكر نقدي أن يقف عند حد الجوانب المشرقة والإيجابية لأية ظاهرة، بل إن تقييمه يتجاوز هذا المستوى من خلال ربطها بمسارها التاريخي وبواقع الفاعلين فيها ثم بمحيطها. فمن البديهي أن يتناول الباحث مسألة الثقافة في تونس اليوم من خلال نظرة نقدية لما هو قائم.

 

"
فكرة الثراء السريع وتحقيق النجاح الاجتماعي بالمعنى المباشر للكلمة تمثل اليوم في تونس الإطار العام لإنتاج الثقافة ولتأطير الفعل الثقافي
"
عينة من واقع المجتمع

قد لا نحتاج أحيانا إلى مؤشرات شاملة ومباشرة حول ظاهرة ما لبناء معرفة حولها، فبعض المعطيات المنفردة والجزئية بإمكانها أن تمثل مدخلا لفهم ظواهر أكثر تعقيدا وشمولا.

 

في حالة وضع الثقافة في تونس يمكننا أن نلتمس حقيقة الأزمة من خلال معاينة بعض المؤشرات من واقع الفاعلين الاجتماعيين اليومي. أقول هذا وأنا أستحضر ما أوردته إحدى الصحف التونسية (مجلة حقائق) عن حادثة حصلت لأحد التونسيين في مدينة تونس عندما تعرف على ثلة من السياح الأفارقة الذين ادعوا قدرتهم على تحويل أي معدن إلى ذهب.

 

أقنعوه بقدرتهم هذه من خلال تجربة قال إنهم قاموا بها أمامه في الفندق، فاستدعاهم إلى منزله لتحويل كمية هامة من المعدن لديه إلى ذهب. هناك، لم يتحول المعدن إلى ذهب بل تحولت امرأته إلى مغتصبة وهو إلى ضحية عنف وسرقة من طرف ضيوفه السحرة.

 

قد تبدو الحادثة منفردة أو معزولة وتصنف بالتالي على أنها عرض من أعراض الحياة الاجتماعية، أي أن أبعادها لا تتجاوز الشخصيات التي تورطت فيها. فهي مثال غير جاد إذا حاولنا انطلاقا منه التوسع في دراسة اجتماعية أكثر جدية.

 

لكن الحقيقة أن أبعاد هذا الحادث تتجاوز القصة وأبطالها لتحيلنا إلى مسألة أشمل وأكثر تعقيدا، إذ أن الحادث يحيل إلى طبيعة البنية الذهنية التي أصبحت أكثر فاعلية داخل المجتمع التونسي اليوم.

 

فالسؤال الوجيه هنا هو كيف صدق هذا المواطن التونسي فكرة تحويل المعدن إلى ذهب. ربما قلنا إن مثل هذه الفكرة ليست غريبة على الثقافة الشعبية في تونس، لكن نفس هذه الثقافة تصنف هذا العمل عادة ضمن كرامات بعض الأولياء وليس ضمن تقاليد السحر الأفريقية. عادات السحر موجودة لكنها غير مرتبطة بهذه القدرات الكيميائية الهائلة.

 

وهنا تكمن الأبعاد السوسيولوجية والأنثروبولوجية لهذه الحادثة بالرغم من محدوديتها. فكأن السحر الأفريقي فرض نفسه من خلال فاعليته الاجتماعية المباشرة أمام فكرة البركة المغاربية التقليدية التي تبدو غير قادرة على مسايرة حاجات اجتماعية جديدة.

 

لم يكن هذا المواطن التونسي ضحية السحر الأفريقي بل كان في الحقيقة ضحية ثقافة الثراء السريع المتجاوز للقيم وللقانون وحتى للقدرات البشرية. فكرة الثراء السريع، وتحقيق النجاح الاجتماعي، بالمعنى المباشر للكلمة، كأهداف نهائية، تمثل اليوم في تونس الإطار العام لإنتاج الثقافة ولتأطير الفعل الثقافي.

 

هذا ما يجعل من هذه الحادثة البسيطة مؤشرا على تراجع فعل الثقافة النوعية في الواقع الاجتماعي للتونسيين. بل أهم من ذلك أنها مؤشر على تحولات اجتماعية مهمة جعلت النجاعة المادية المباشرة للسحر الأفريقي تجد موقعا لها في بلاد انفردت بقدم تجربتها في مجال الدستور والعمل النقابي وحقوق الإنسان.

 

"
قوة الثقافة تكمن في تنوعها وفي نشاطها وليس في إجماعها، إذ الإجماع المطلق والتجانس الكلي لا يمثلان حالة تاريخية. والغريب بالفعل في هذا المشهد الثقافي هو الغياب الكلي للنقد وللفكر النقدي
"
ثقافة الإجماع والرضا عن النفس

لقد أفرزت حمى الثراء الموهوم، التي ترسخت منذ نهاية سنوات الثمانينات، تعبيرات ثقافية موازية تساير متطلبات هذه النقلة على مستوى الحركية الاجتماعية كما تساير النموذج الاجتماعي المثالي الذي تولد عنها. ومن ضمنها تلك التعبيرات التي تكوّن صورة مثالية عن الواقع التونسي بمختلف أبعاده، مثل مبدأ الإجماع أو مبدأ المثالية السائد.

 

فحسب وسائل الإعلام، الرسمية أو التي تدور في فلكها، لا يوجد مجتمع يسود فيه الإجماع مثلما عليه الحال في تونس. وقد بلغ تضخيم هذا الإجماع حد إخراج المجتمع من دائرة التاريخ البشري المعقول. فهو مجتمع فوق التاريخ من حيث مستوى تجانسه.

 

في ظل هذا التجانس المثالي، تصبح مفردات الحوار والنقاش عديمة الفائدة، فأية جدوى للحوار وللسجال ولطرح الإشكاليات الفكرية؟ نلمس هذا بوضوح من خلال وسائل الإعلام، فهي تتطرق إلى كل المواضيع لكن دون أي نقاش ودون أي تعارضات في الرأي، هذا ما يفسر روتينية العمليات الانتخابية التي تبقى إجراءا تقنيا أكثر منها فرصة لاكتشاف تنوع الطروحات الفكرية والسياسية.

 

خلاصة القول، حسب هذا النمط الإعلامي، أن كل شيء على مايرام ونحن متفقون على ذلك وبالتالي لا مبرر لأي نقاش. نجد هنا مؤشرا آخر على عقم الثقافة في البلاد المتمثل في غياب النقاش كوسيلة للتعبير عن تنوع المجتمع.

 

لقد نسي القائمون على العمل الثقافي والإعلامي أن قوة الثقافة تكمن في تنوعها وفي نشاطها وليس في إجماعها وفي تجانسها، فالإجماع المطلق والتجانس الكلي لا يمثلان حالة تاريخية. إن ما هو غريب بالفعل في هذا المشهد الثقافي هو الغياب الكلي للنقد وللفكر النقدي.

 

هذه بعض ملامح الثقافة الظرفية الانتهازية السائدة اليوم في تونس، ثقافة "تدبير الرأس" والإجماع حول مثالية الموجود. وبالطبع فلهذا النمط الثقافي الهجين رموزه، وهم الذين تخصص لهم وسائل الإعلام المتنوعة حيزا كبيرا من فضائها على حساب رموز أخرى تعاني التهميش بالرغم من الاعتراف الداخلي والخارجي بمكانتها وبدورها على الساحة الثقافية.

 

أذكر كمثال على ذلك تهميش فرقة المسرح الجديد وإنتاجها النوعي، مثل كلام الليل، مقابل الدعاية المفرطة لمسرحيات ساذجة ولمسرحيين مهرجين. أذكر كذلك مثال العديد من الكتاب والمفكرين ذوي المكانة على الساحة العربية وربما العالمية، والذين يظلون نكرات في تونس ما عدا في الساحة الجامعية الضيقة، ومن بينهم المؤرخ هشام جعيط والمفكر عبد المجيد الشرفي أو كذلك عالم الاجتماع الطاهر لبيب. ومن بين الجمعيات المهمشة وذات الصبغة الاجتماعية والتوعوية يمكننا أن نذكر جمعية النساء الديمقراطيات التي تعد تجربة فريدة في العالم العربي.

 

هذه بعض الرموز الحقيقية للثقافة النوعية التي يحتاجها التونسي، لكنها للأسف أجبرت على ترك الساحة لرموز الفن "الشعبي" والثقافة السطحية التي استحدثت لتتجاوب وعقلية الرضا عن النفس ولتروج لوهم العيش الرغيد من خلال طابعها الاحتفالي.

 

لست أدري هنا ما مضمون "مجتمع المعرفة" الذي يروج له الإعلام في تونس في ظل استبدال ثقافة الذكاء والمعرفة العقلانية بالثقافة الشعبية -Populisme – والرداءة.

 

"
المجتمع التونسي لم يكن طوال العصر الحديث أكثر عقما مما هو عليه طوال العشرين سنة الأخيرة
"
عودة إلى الثقافة التاريخية الإبداعية

يتعارض هذا المشهد الثقافي، السطحي، الركيك والروتيني، تماما مع التقاليد الثقافية التي عرفتها البلاد خلال العصر الحديث والتي أفرزت ما يمكن تسميته بـ"الثقافة التاريخية" للبلاد، أي تلك الثقافة النوعية والخلاقة التي تبلورت نتيجة تراكم التجربة التاريخية.

 

فلو عدنا إلى فترة قريبة لوجدنا أن بداية الثمانينات من القرن العشرين كانت أكثر حيوية على مستوى الساحة الثقافية، ربما ليس من حيث كم الإنتاج ولكن بالنظر أساسا إلى نوعيته. ففي هذه الفترة بدأت تبرز تجارب تأسيسية على مستوى المسرح والسينما، جلبت الانتباه في العديد من البلدان العربية.

 

كما وجدت خلال تلك الفترة فضاءات للنقاش الثقافي سواء على مستوى الصحف أو على مستوى المؤسسات، وكل مطّلع على هذه الحقبة يتذكر الدور الذي قامت به مجلة "المغرب" مثلا كفضاء للحوار والصراع الفكري بين مختلف التوجهات الفكرية. يتذكر العديد كذلك التجارب المتميزة لنوادي السينما والعديد من الفضاءات الأخرى التي احتجبت اليوم لتخلف وراءها فضاء شبه قاحل.

 

لم تكن هذه الحيوية الفكرية والثقافية معزولة، إذ تعد هذه الفترة تأسيسية كذلك على مستوى التعددية السياسية، التي بقيت مشروعا غير مكتمل منذ 1981. بطبيعة الحال لم تكن هذه الفترة مثالية على مستوى الإنتاج الثقافي، لأن هذه التجارب كانت تتم في ظل التضييق الرسمي، لكن الملاحظ أنها وجدت بالرغم من ذلك.

 

إن حيوية أواسط الثمانينيات على المستوى الثقافي العام تذكرنا إلى حد ما بفترة تأسيسية سابقة، وهي فترة الثلاثينيات من القرن الماضي. فبالرغم من الظرف الاستعماري فإن البلاد شهدت نشاطا ملموسا تجسد في انبثاق الجمعيات الثقافية والشبابية وكذلك في ظهور عدد من الفنانين.

 

أما على المستوى الفكري فقد شهدت الساحة دفعا مهما طرحت على أثره نقاشات حادة بين مختلف تكوينات المجتمع التونسي. من بين ذلك النقاش الذي دار حول تحرير المرأة بين الطاهر الحداد وشيوخ جامع الزيتونة أو كذلك النقاش حول الحجاب الذي شارك فيه الرئيس الراحل بورقيبة.

 

يمكننا هنا أن نذهب أبعد من ذلك لتتبع جذور هذه الثقافة التاريخية، وبالتحديد إلى موجة الإصلاح خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر التي رسخت التنظيم المؤسساتي للدولة كما حافظت على تقاليد التعليم من خلال تأسيس المدارس كالمدرسة الخلدونية والمدرسة الصادقية بالإضافة إلى جامع الزيتونة.

 

هذه هي المحطات الرئيسية للثقافة التاريخية في تونس المتميزة بقدرتها الإبداعية، رغم محدوديتها، وكذلك بانفتاحها وبنوع من الروح النقدية التي تحكمها. إنه مسار للتأسيس المتواصل المؤسس على محاولة النقد والتجاوز وهو يتعارض كليا مع الركود والعقم الحاليين المحكومين بعقلية الإجماع والرضا عن النفس.

 

وليس من باب المبالغة أن نقول إن المجتمع التونسي لم يكن طوال العصر الحديث أكثر عقما مما هو عليه طوال العشرين سنة الأخيرة. فمن المؤسف أن يحرم من إمكانيات ثقافته الإبداعية في عالم تحتاج فيه الشعوب إلى مرجعيات للوقوف في وجه التدويل الثقافي وفي وجه التطرف الديني.

 

"
تم اعتماد سياسة إعلامية تحاصر المعلومة وتراقبها ولا تترك المجال إلا للإنتاج المنخرط في ترويج ثقافة الإجماع والرضا عن النفس أي ثقافة الاكتفاء، فلم يبق لهذا النموذج إلا أن يعلن نهاية التاريخ في تونس
"
ظروف التراجع الثقافي

ما هي أسباب هذا التحول من الثقافة التاريخية الإبداعية إلى الثقافة الظرفية الانتهازية؟ ما هي أسباب غياب وتغييب النقد؟ الأسباب عديدة ومتشابكة وربما تحتاج إلى دراسة أكثر استفاضة، وسأكتفي فقط باستعراض بعض النقاط المختصرة حول هذا الجانب.

 

إن النموذج الثقافي السائد اليوم هو إلى حد ما وليد واقع اقتصادي واجتماعي محدد. فمنذ نهاية الثمانينيات تم اتباع سياسة اقتصادية ليبرالية، بالمعنى الضيق للكلمة، ساعدت في ظرف وجيز على تحقيق حركية اقتصادية، ضمن أيديولوجيا رسمية تثمن العمل والمثابرة والاستهلاك.

 

وقد انعكست هذه الخيارات الاقتصادية، التي تعتمد على روح المغامرة الاقتصادية الفردية، على المستوى الاجتماعي من خلال توسع ظاهرة الثراء السريع، في أعلى الهرم الاجتماعي، في حين سقط ما يسمى بالطبقة الوسطى في تقاليد الاستهلاك، كما غرقت في أوهام الثراء والاستفادة من الفرص الموجودة دون أن تحسّن فعليا من أوضاعها.

 

هنا نفهم توجه ذلك التونسي إلى السحر الأفريقي كما يمكننا أن نفهم عودة الغيبيات إلى المجتمع مجسدة في رواج أفكار الداعية المصري عمرو خالد مثلا. إنها أعراض مرضية لمجتمع يحاول إيجاد معنى لوجوده في ظل غياب نموذج ثقافي نوعي قادر على إعطاء إجابات عن تحديات الواقع.

 

فما يلاحظ على هذا المستوى هو أن ثقافة الانتهازية المبشرة بحياة أفضل أصبحت غير منسجمة مع واقع الفاعلين الاجتماعيين الأكثر قساوة، وفي ظل غياب ثقافة نوعية قادرة على الإقناع، يلتفت هؤلاء إلى كل مظاهر الغيبيات القادرة بحكم جاذبيتها على تجاوز مرارة الواقع.

 

في هذا الإطار بالذات يمكن فهم توجه شريحة هامة من التونسيين نحو مقامات الأولياء ونحو الروحانيين، وفهم عودة مظاهر التدين مثل لبس الحجاب والمثابرة على الصلاة، وهي عودة لا علاقة لها بمسألة الهوية ولا بالطروحات السياسية للإسلاميين.

 

يفسر هذا التراجع كذلك بانحسار هامش المبادرة السياسية خارج فضاء السلطة. فالتجانس السياسي شبه المطلق والمفروض، يحول دون إمكانية إفراز المجتمع لقوى أخرى قادرة على بعث حيوية فكرية وسياسية.

 

ولتلبية حاجة هذا التجانس السياسي تم منذ بداية التسعينيات اعتماد سياسة إعلامية تحاصر المعلومة وتراقبها ولا تترك المجال إلا للإنتاج المنخرط في ترويج ثقافة الإجماع والرضا عن النفس وعن السائد، أي ثقافة الاكتفاء. ولم يبق لهذا النموذج إلا أن يعلن نهاية التاريخ في تونس طالما أصبح المجتمع التونسي اليوم مجتمعا لاتاريخيا.

 

نضيف هنا أن هذه السياسة الإعلامية والثقافية تحاول استيعاب تلك الثقافة التاريخية الإبداعية من خلال إدراجها ضمن رؤية فلكلورية للتاريخ الوطني. فالحديث عنها يكون عادة ضمن تلك الرؤية التبجيلية وتلك النزعة الاحتفالية دون الاستفادة من محتواها الإبداعي والنقدي. أي أن هذه الثقافة التاريخية أضحت اليوم عنصرا لإنتاج شرعية السائد من خلال إنتاج التواصل الوهمي مع عمقها التاريخي.

___________________

كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة