نبيل شبيب

- ما المرفوض من الدستور شعبيا؟
- الدستور ضحيّة لسياسات خاطئة؟
- إجراءات تأجيل الحلّ

هل ماتت أوروبا كما تقول "إيكونوميست" في بريطانيا وهي التي كان رئيس وزرائها الأسبق تشرشل أوّل من طرح فكرة "ولايات أوروبية موحّدة" على أمل أن تكون الحرب العالمية الثانية آخر الحروب على الأرض الأوروبية بالفعل، أم ينبغي التعامل مع الأزمة الحالية في المسيرة الأوروبية على أنّها فرصة لتحرّك أفضل كما يقول يونكر رئيس وزراء لوكسمبورغ والرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي؟

وما هي حقيقة الأزمة الحالية التي توصف بأنّها أكبر أزمة واجهتها مسيرة توحيد أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وكيف يمكن –وسط الضجة الكبرى إعلاميا وسياسيا- أن تُستخلص موضوعيا المعالمُ الثابتة لهذه الأزمة التي أثارها الاستفتاءان الفرنسي والهولندي على الدستور المقترح؟

ما المرفوض من الدستور شعبيا؟
الأمر الثابت من الناحية الإجرائية، أنّ تأبين فكرة الدستور الأوروبي سابق لأوانه، بل هذا ما يسري أيضا على الصيغة الحالية المعروضة على التصديق منه، فما يُسمى البيان رقم 30 الصادر مع صدور هذه الصيغة، يقرر أنّه في حالة عدم تصديق ست من أصل 25 دولة عضوا في الاتحاد، ينبغي عقد قمّة طارئة للنظر في الموضوع، ولا يوجد ما يشير إلى أنّ الحكومات الأوروبية ستتخلّي عن مساعيها للوصول إلى دستور مشترك.

الثابت من جهة أخرى أنّ الدستور لا يسري مفعوله ولا تُطبّق بنوده إلاّ عند التصديق عليه بالإجماع، وهذا ما تعنيه تحديدا نتائج الاستفتاء في فرنسا وهولندا.

والثابت ثالثا أنّ عدم سريان مفعول الدستور لا يعني توقّف الاتحاد الأوروبي عن الحركة، وهذا ما يعنيه مثلا أنّ القضايا الكبرى المطروحة للبحث حاليا، مثل أسس الميزانية الأوروبية للفترة بين 2007 و2013 والسياسة الزراعية ومكافحة البطالة وغير ذلك من القضايا، كانت مطروحة للبحث، وستستمر عمليّة التقرير بشأنها، بغضّ النظر عن مصير الدستور، واستنادا إلى معاهدة نيس السارية المفعول حتى يوجد بديل عنها.

"
نسبة عالية من السياسيين والإعلاميين وخبراء استطلاعات الرأي تُجمع على أنّ غالبية الذين رفضوا الدستور لم يطّلعوا على موادّ الدستور نفسه اطلاعا كاملا أو كافيا
"
رغم ذلك لا يخفى حجم الأزمة على أحد وإن لم تتضّح معالمها تماما، وهو ما ينعكس في تضارب الاقتراحات المطروحة عبر تحرّكات سياسية مكثّفة لمواجهتها. ومن العسير تصوّر مخرج من الأزمة دون رؤية أسبابها مجرّدة من التعميم، وبعيدا بصورة خاصة عن تبسيط الأمر بالقول إنّ الحكومات الأوروبية المنتخبة تريد الدستور، ومعها كثير من أحزاب المعارضة، وإنّ غالبية الشعوب في كثير من الدول الأعضاء ترفضه.

البحث عن مخرج من الأزمة يفرض موضوعيا طرح سؤال محدّد عمّا رفضته غالبية الفرنسيين والهولنديين، ويمكن –وفق استطلاعات الرأي- أن ترفضه غالبية شعبية في بلدان أخرى من أعضاء الاتحاد. ولكن هل يمكن العثور على جواب محدّد؟.

نسبة عالية من السياسيين والإعلاميين وخبراء استطلاعات الرأي تُجمع على أنّ غالبية الرافضين لم يطّلعوا على موادّ الدستور نفسه اطّلاعا كاملا أو كافيا، فمن العسير القول برفض هذا الجانب أو ذاك منه، وعلى أنّ الرفض يعتمد على أحد أمرين، أحدهما رفض سياسات لا علاقة لها بنصّ الدستور أصلا، وثانيهما ما يروّج له عدد من الأحزاب الصغيرة نسبيا والروابط المصلحية في كلّ بلد على حدة، والتي تشكل خليطا واسع النطاق، جمع أطرافَه العديدة رفضُ الدستور لأسباب ودوافع متباينة، ولكن يبقى الاختلاف قائما بين تلك الجهات في الميادين الأخرى.

الحصيلة هي أنّه لا يوجد شيء محدّد في الدستور ينبغي تعديله على أمل أن يجد الدستور بمجموعه الموافقة إذا ما أعيد الاستفتاء عليه في هذا البلد أو ذاك.

من أسباب الرفض التي يجري الترويج لها القول إنّ الدستور الجديد يحدّ من الصلاحيات الوطنية لحساب الأجهزة المركزية الأوروبية. وعملية نقل الصلاحيات جارية من قبل الدستور، إنّما لا تنقل بنوده من ذلك ما يمكن اعتباره خطيرا على المصلحة القومية أو الوطنية. وقد كانت البنود المتعلّقة بآليّات التصويت بالذات موضع مفاوضات مضنية لعدّة سنوات قبل الوصول إلى حلول وسطية تحفظ قدرا كبيرا من التوازن ما بين دول كبيرة ومتوسطة وصغيرة، وتُبقي الإجماع في القضايا الحسّاسة، علاوة على توسيع نطاق الصلاحيات على مستوى المناطق، كالولايات داخل البلد الواحد، وعلى مستوى البلديات، وهو ما يتناقض تماما مع الحديث عن مركزية أوروبية، وإن كان أسلوب عمل المفوضية –وهو موضع انتقادات دائمة- ينشر هذا الانطباع.

من تلك الأسباب التي يجري الترويج لها أيضا أنّ التوسعة الأوروبيّة الكبرى من 15 إلى 25 دولة عضواً دفعةً واحدة، تجري على حساب الدول الغربية اقتصاديا وماليا، ولا شكّ في أن للتوسعة نفقاتها، ولكنّ التعويض عنها بأسواق استثمارية واستهلاكية جديدة، وبتطوير وضع الاتحاد اقتصاديا على المستوى العالمي يعوّض تلك النفقات، وكان من الأمثلة العديدة على ذلك في عام مضى على التوسعة التي سرى مفعولها في أيار/ مايو 2004 أنّ المخاوف من إغراق الأسواق الألمانية والفرنسية بالمنتجات الغذائية البولندية لم تتحقّق بل سجّلت حركة تجارية معاكسة.

ويسري شبيه ذلك على السياسات الأمنية والخارجية، فاستحداث منصب وزير خارجية لا يمنع من سياسات وطنية متعدّدة، وما يقرّره الدستور لا يفرض سياسات مشتركة، إنّما يفتح الباب أمامها فحسب، فلن تُوجد سياسة أوروبية مشتركة تتجاوز الصلاحيات الوطنية، أي دون اتفاق مسبق عليها، وهذا ما يسري في الوقت الحاضر على كلّ حال.

"
نسبة لا بأس بها من التصويت برفض الدستور جاءت تعبيرا عن الاحتجاج على سياسات لا علاقة لها به
"
الدستور ضحية لسياسات خاطئة؟
لا شكّ في أنّ التناقض بين واقع المواد الدستورية وما انتشر بصددها على مستويات شعبية عديدة، يكشف عن قصور الحكومات الوطنية والمفوضية الأوروبية على صعيد التوعية بقضايا الاندماج والتوسعة بما فيه الكفاية. ولكن يوجد أيضا عدد من الأسباب الأخرى وراء تنامي الرفض الشعبي لا علاقة لها بالدستور نفسه.

في مقدّمة هذه الأسباب السياسات الاقتصادية تحت عنوان الإصلاح وقد أصبحت في هذه الأثناء سياسات تقويض الضمانات والمكتسبات الاجتماعية التي سبق تثبيتها في حقبة الحرب الباردة، أي الفترة التي كانت الخشية من الشيوعية فيها تدفع الحكومات الرأسمالية إلى تشريع تلك الضمانات لصالح الفئات الأضعف ماليا واقتصاديا، كضمانات البطالة والمرض والتقاعد وغيرها. ويعاني المواطن الأوروبي من تقلّص هذه المكتسبات وتوسّع دائرة الفقر مقابل ازدياد سلطة الشركات الكبرى في ظلّ العولمة وما يُسمّى "الليبرالية" الجديدة، وتحوّل الأحزاب اليسارية الأوروبية الكبيرة إلى أحزاب يمينية مع احتفاظها بأسمائها القديمة.

الناخب الأوروبي لا يجد بديلا في الانتخابات النيابية الوطنية للاختيار ما بين يمين ويمين متشدّد، وهو ما ينعكس في ظاهرة الانسحاب من الأحزاب ومن الحياة السياسية، وفي انخفاض نسب المشاركة في التصويت، كما ينعكس أيضا في ارتفاع نسبة ما يُسمّى التصويت الاحتجاجي الذي لا يوجد بديلا ولكن يعبّر عن رفض الموجود في السلطة.

"
من أسباب رفض الدستور سرعة حركتي الاندماج والتوسعة في السنوات الماضية بما لا يقارن مع ما كان عبر 40 سنة سبقت، وهو ما لا يمكن استيعابه شعبيا
"
ويعتبر التصويت على الصعيد الأوروبي أحد الميادين المفضّلة لمثل هذا التصويت الاحتجاجي، ممّا يجعل نسبة لا بأس بها من التصويت برفض الدستور تعبيرا عن الاحتجاج على سياسات لا علاقة لها به، ومع إدراك أنّ ذلك لا يغيّر شيئا على مستوى الأوضاع المعيشية ذات العلاقة بالاحتجاج لا التصويت.

ومن أسباب الرفض أيضا سرعة حركتي الاندماج والتوسعة في السنوات الماضية بما لا يقارن مع ما كان عبر 40 سنة سبقت، وهو ما لا يمكن استيعابه شعبيا، لا سيّما مع رصد ظاهرة اليقظة القومية والوطنية والدينية في أنحاء أوروبا.

ويمكن اعتبار رفض الدستور رفضا لسياسات الرئيس الفرنسي شيراك والمستشار الألماني شرودر بالذات، ويشير إلى ذلك ما يواجهانه محليا أيضا، ممّا اضطر شرودر إلى تقديم موعد الانتخابات، وهبط بشعبية شيراك إلى الحضيض. وقد بدا أوروبيّا أنّهما من وراء سرعة سياسات الاندماج والتوسعة مع ممارسة الضغوط على الدول الأصغر في الاتحاد، وهو ما يثير المخاوف من أن يتحوّل الاتحاد الأوروبي إلى منظمة كبرى دون زعامة ديمقراطية.

إجراءات تأجيل الحلّ
هذا بالذات ما يضاعف الآن صعوبات الخروج من الأزمة الجديدة، فقد كان البلدان وراء تجاوز أزمات عديدة سابقة أوروبيا، بينما تُعتبر أوضاع الحكومتين ضعيفة داخليا وموضع الانتقاد أوروبيا، وضاعف ذلك مؤخّرا مخالفتُهما لبنود اتفاق الوحدة النقدية دون أن يتعرّضا لتطبيق الإجراءات الرادعة المقرّرة في الاتفاقية. ولا يوجد أوروبيا في الوقت الحاضر ما يمكن أن يعوّض ضعفَ الدور الفرنسي الألماني كما تشهد الأوضاع الداخلية لرئيس الوزراء البريطاني بلير والإيطالي برلوسكوني.

معظم ما يُطرح من اقتراحات للتعامل مع الأزمة الراهنة لا يتجاوز حدود إجراءات شكلية ومواجهة المشكلات العاجلة التي أثارتها الأزمة، ولا يُنتظر تجاوز هذه الحدود في القمة الأوروبية في منتصف حزيران/ يونيو 2005.

"
الاتحاد الأوروبي سيبقى قوة دولية على الصعيد الاقتصادي، وستضطره الأزمة إلى حذر أكبر، ولكنّه لن يتوقف وإن واجه في السنوات التالية صعوبات ناجمة عن اضطراره للتحرّك على 25 قدما تتفاوت أطوالها سياسيا واقتصاديا
"
من الاقتراحات المطروحة إجراء استفتاء شعبي شامل على الدستور، وتمنع ذلك عقباتٌ دستورية وطنية عديدة، فضلا عن الانطباع السياسي آنذاك بالعمل على تجاوز إرادة المشاركين في التصويت في فرنسا وهولندا بالذات.

ومن الاقتراحات المضي في عملية التصديق إلى نهايتها رغم القول بعدم جدواها قانونيا، ويعترض على ذلك عدد من الحكومات –لا سيّما في بريطانيا وبولندا- خشية من رفض شعبي يمثّل نكسة سياسية على المستوى الوطني للحكومات المعنية في سياساتها الأوروبية.

ويبقى المنتظر موضوعيا هو ما يمكن فهمه تحت عنوان استراحة سياسية في المسيرة الأوروبية، كما يتحدّث عنها في هذه الأثناء عدد من السياسيين الأوروبيين، وصدرت في البداية عن المستشار الألماني شرودر. ويواري العنوان وراءه:

1- تأجيل مشكلة الدستور الجديد إلى ما بعد الانتخابات الألمانية على وجه التحديد، وربّما إلى نهاية عام 2006م وفق الاقتراح البريطاني، لا سيّما وأنّ بريطانيا تستلم رئاسة الاتحاد مع مطلع تموز/ يوليو 2005.

2- تعديل بعض البنود على الأقل لتسويغ إعادة التصويت جنبا إلى جنب مع حملة توعية شعبية سبق التقصير فيها.

3- التباطؤ في التحرّك -بمعنى البقاء في حدود المقرّر سابقا- على صعيد التوسعة الأوروبية، وهو ما يمكن أن ينعكس على مفاوضات انضمام بلغاريا ورومانيا، والتشدّد في المفاوضات مع تركيا.

4- احتمال أن تمضي مجموعة من دول الاتحاد فيما سبق أن شرعت في تثبيته بغض النظر عن الدستور الأوروبي، وهو توثيق التعاون الأمني والعسكري بهدف تحقيق تميّز أوروبي تضاعفت خطواته مع اندلاع الخلافات مع الولايات المتحدة الأميركية على سياساتها الدولية، وبلغ ذروته في حرب احتلال العراق.

أزمة الدستور الأوروبي أزمة كبرى في المسيرة الأوروبية، ولكن في الاتحاد الأوروبي سيبقى قوّة دولية على الصعيد الاقتصادي، وستضطره الأزمة إلى حذر أكبر في مسيرته باتجاه قوّة دولية فاعلة، ولكنّها لن تتوقف وإن واجهت في السنوات التالية صعوبات ناجمة عن اضطراره للتحرّك على 25 قدما تتفاوت أطوالها ما بين أكبر دولة عضو وأصغر دولة عضو في الاتحاد سياسيا واقتصاديا.
ــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة