منير شفيق

لم يخطئ الذين يرفضون اعتبار العلمانية -تماما مثل الديمقراطية- مجرد وسائل لتنظيم العلاقة بين الدين والدولة (العلمانية)، أو لتنظيم الصراع والتنافس في ما بين القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية (الديمقراطية).

لكن بالرغم من ذلك فإن جانباً هاماً من العلمانية والديمقراطية يتشكل من وسائل في تنظيم العلاقات الآنفة الذكر. 

ومن ثم لا يمكن إسقاط الإفادة بشكل أو بآخر من التجربة العالمية -بما فيها الإسلامية- من هذه الوسائل وإعادة صوغها وفقاً لظروف كل بلد ومعطياته الداخلية.

 

"
لم يعد من الممكن تحديد من هم أهل الحل والعقد في المجتمعات التي اتسعت جداً إلا من خلال صناديق الاقتراع وإن اختلفت النظم التي تحدد ذلك
"
أما من الجهة الأخرى فإنه من حق هؤلاء رفض ما أعطي للعلمانية والديمقراطية من اعتبار يجعل منها فلسفة ونظريات كونية.

 

وإذا كان تتبع المسارات التاريخية لكل من العلمانية والديمقراطية في الغرب يدل في عدد من الحالات على أسبقية ما أنتجته الصراعات من مساومات في إرساء وسائل تنظيم العلاقات بين الدين والدولة أو بين القوى الداخلية المتنافسة والمتصارعة.

 

وذلك بمعنى أسبقية الممارسة على الفلسفات أو النظريات التي راحت تخلع على العلمانية والديمقراطية من أجل تسويغ ما حدث من مساومات وأرسي من وسائل في تنظيم العلاقات والصراعات، ومن ثم تحويل ما هو وسيلة إلى مبدأ وفلسفة.

 

ليس كل من يقبل بالوسائل المذكورة يقبل بما أعطي لها من اعتبار أنها فلسفات، فالكنيسة في الغرب عموماً حين قبلت بالعلمانية من حيث فصل الدين عن الدولة، مع الإبقاء على استقلالية الدين عن الدولة، وعدم تدخلها فيه أو في نشاطاته المختلفة، تكون قد قبلت بالوسيلة وليس بالفلسفة العلمانية من حيث النظرة إلى الكون والحياة والأخلاق والقيم.

 

وكان هذا شأن الأحزاب المحافظة، أو الأحزاب التي لا تتخذ موقفاً إلحاديا أو إقصائيا للدين من كل جوانب الحياة.

 

وقد حدث الأمر نفسه من جهة التفريق بين الوسائل الديمقراطية من حيث اختيار الحاكم والمجالس التشريعية والتداول على السلطة والاحتكام في ذلك إلى صناديق الاقتراع من جهة وبين ما أعطي للديمقراطية من اعتبار أنها فلسفة تتدخل في العقائد وفي النظرة إلى الحياة والكون والأخلاق والقيم، أو ما اصطلح عليه البعض بـ"ثقافة الديمقراطية" وقد وصلوا به إلى حد ترك الفردية تذهب إلى حدودها القصوى في تحديد العلاقات الإنسانية والقيم العائلية والأخلاق العامة والخاصة.

 

هنا أيضا، حتى في التجربة الغربية، بقيت فئات اجتماعية وقوى سياسية كبيرة لا تقبل بهذه الفلسفات حاصرة الديمقراطية في الوسائل، أو في ما يسمى تنظيم العلاقات والصراعات داخل المجتمع، وذلك لكي لا يحتكم إلى العنف، أو إلى الانفراد بالسلطة والتقرير أي الاستبداد، ومن ثم لإعطاء الشعب أو الرأي العام أو الناخب حق الاختيار عبر صناديق الاقتراع.

 

هذا مع التحفظ على التحكم في تلك الوسائل من قبل قوى رأس المال ومراكز النفوذ المختلفة، مما يجعل اختيار الناخب في التجربة الغربية متحكّماً فيه إلى حد بعيد من جانب تلك القوى والمراكز.

 

"
العلمانيون في بلادنا وهم يشددون على شعار فصل الدين عن الدولة، يريدون من الدولة العلمانية أن تتحكم في الدين وتحرمه من أية استقلالية
"
ولهذا فإن الذين يرفضون الفلسفات التي حاول البعض حصر العلمانية أو الديمقراطية فيها يجب ألا يسحبوا ذلك على الوسائل أو التنظيمات التي يمكن الاتفاق عليها لتنظيم التدافع والصراع ضمن حدود يتراضى عليها شبه الإجماع في المجتمع.

 

أما هذه الأخيرة فخاضعة بدورها للوفاق العام تبعاً لظروف كل بلد ومعادلاته ومكوناته الداخلية.

 

وهذا ما يفسر اختلاف الأنظمة حتى الانتخابية منها بين مختلف البلدان الغربية الآخذة بالديمقراطية أو ما سماه البعض، ليس بلا مغزى، بـ"اللعبة الديمقراطية".

 

فعلى سبيل المثال لم يعد من الممكن تحديد من هم "أهل الحل والعقد" في المجتمعات التي اتسعت جداً إلا من خلال صناديق الاقتراع وإن اختلفت النظم التي تحدد ذلك.

 

فهذا أمر خاضع للمتغيرات ومفتوح على التغيير والتحسين من أجل الوصول إلى أفضل تمثيل حقيقي لأوسع الفئات الشعبية، ومن ثم ليس بالضرورة أن يكون البرلمان وحده الشكل الذي يحقق أفضل تمثيل وأوسع مشاركة وهذا ما اضطر بعض البلدان إلى اختيار هيئة أخرى إلى جانبه مثل مجلس اللوردات في بريطانيا أو الشيوخ في الولايات المتحدة.

 

ومع ذلك ثمة نقد كثير ومطالبات كثيرة لتحقيق تمثيل أوسع، أو ما يسميه البعض "ديمقراطية أعمق" أو "ديمقراطية حقيقية".

 

ولهذا فإن رفض الديمقراطية فلسفة ووسائل على حد سواء وجملة، يُدخل أصحابه في مأزق حقيقي حين يرفضون الاحتكام إلى صناديق الاقتراع لأن البديل يكون والحالة هذه الاستبداد أو الفوضى وربما الحروب الأهلية.

 

وذلك في الظروف الراهنة التي أصبح فيها المجتمع مشكلا من ملايين وعشرات الملايين وأحيانا مئات الملايين من الناس يجعل نمط اللجوء إلى صناديق الاقتراع ضرورة في كثير من الحالات لاختيار "أهل الحل والعقد" أي لتحديد ممثلي الأمة مع إبقاء التزاوج وأساليب أخرى مفتوحاً في الآن نفسه.

 

بل إنه في مثل هذا السياق أصبح حتى اختيار قيادات الحزب الواحد يتطلب استخدام أسلوب صناديق الاقتراع والقبول بمبدأ المنافسة الداخلية.

 

أما على مستوى تنظيم العلاقة بين الدين والدولة فالمسألة أشد تعقيداً من ما يطرحه التبسيط العلماني الذي يحددها بفصل الدين عن الدولة، وهي أشد تعقيداً من التبسيط الذي يقدمه بعض الإسلاميين لهذه العلاقة حين يعطى الحاكم حق التدخل في الدين وحصر الفتوى فيه.

 

فإذا كان الإشكال الذي ولد العلمانية في التجربة الأوروبية تمثل في رفض تدخل الكنيسة في الدولة فإن الإشكال الذي أخذ يتفاقم في أغلب البلاد العربية والإسلامية يتمثل في تدخل الدولة في الدين ووضع يدها على المسجد والأوقاف والفتيا وسعيها للتحكم في مختلف النشاطات الدينية.

 

"
وسائل تنظيم العلاقات والتدافع تخضع للتغيير والتحسين والوفاق والإفادة من تجارب الآخرين من دون ابتلاعها بلا تمحيص أو تدقيق، أو رفضها من دون تمحيص ولا تدقيق ولا تفكيك كذلك
"
فهذا الأمر هو الذي أوصل بعض العلماء والمفكرين إلى المطالبة بكف يد الدولة عن الدين واستقلال الوقف والمسجد والجامعة والفتيا عن الدولة.

 

وهنا يلحظ أن العلمانيين في بلادنا وهم يشددون على شعار فصل الدين عن الدولة يريدون من الدولة العلمانية أن تتحكم في الدين وتحرمه من أية استقلالية.

 

وهذا موقف مناقض للعلمانية في التجربة الغربية حيث سُلم للكنيسة باستقلاليتها التامة والتحكم في موازناتها وأملاكها ومدارسها وجامعاتها ونشاطاتها المختلفة.

 

أما في التجربة الإسلامية التاريخية بعد العهد الراشدي فقد حرص كبار العلماء من أصحاب المذاهب، خصوصاً، على استقلالية المسجد والتدريس والفتيا عن الحاكم وهو يحمل لقب خليفة.

 

على أن التوسع في قراءة علاقة الدين بالدولة والعكس له مجال آخر غير هذا المجال الذي يركز على ضرورة تنظيم العلاقة ضمن وسائل تتم بالتوافق وذلك بعيداً عن التبسيطين الآنفي الذكر.

 

وبكلمة واحدة فإن وسائل تنظيم العلاقات كما هي حال الصراع والتدافع أمور تخضع للتغيير والتحسين والوفاق والإفادة من تجارب الآخرين من دون ابتلاعها بلا تمحيص أو تدقيق، أو رفضها من دون تمحيص أو تدقيق أو تفكيك.

________________

كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة