عالم مورود محمد

  

- أسباب نجاح المعارضة

- المطلوب من الائتلاف الحاكم لتلافي انهيار شعبيته

- دور المسلمين في الانتخابات

- خاتمة

 

شهدت إثيوبيا في السابع من يونيو/ حزيران 2005 اضطرابات في جامعة أديس أبابا وصدامات دامية ومناوشات في شوارع المدينة وبعض المدن الداخلية أدت إلى أعمال شغب شارك فيها مئات من الناس.

 

وفي الوقت نفسه تم توزيع منشورات تدعو إلى الإضراب العام والعصيان المدني، حتى تنصاع الحكومة "لمطالب الشعب"، بإقامة حكومة انتقالية، تقودها المعارضة "المنتصرة".

 

ونسبت السلطات ذلك إلى مجموعة من حزب المعارضة الرئيسي التجمع من أجل الوحدة والديمقراطية CUD، وضباط وجنود من جيش الحاكم  السابق منغستو هيلا مريم، استجاب لهم أصحاب سيارات الأجرة والحافلات الصغيرة مما شل الحركة في المدينة.

 

وقد قدمت الحكومة للدبلوماسيين وثيقة باسم "العريضة Manifsto" قالت إنها صادرة عن قيادة أحزاب المعارضة، تضم برنامجا يشمل الإضراب والاعتصام وسط العاصمة، لإسقاط الحكومة مثل ما جرى في مدغشقر وجورجيا وأوكرانيا وأدى إلى استيلاء المعارضة على السلطة، غير أن المعارضة نفت أنها مصدر تلك العريضة.

 

وفي انتظار ما وقع الاتفاق عليه بعد مواجهات دامية بين الطرفين من احتكام إلى مفوضية الانتخابات، وانتظار إعلان النتائج النهائية في 8/7/2005، يبقى الجميع يترقبون، في جو تملؤه الشائعات باستعدادات لمواجهات لا تقتصر هذه المرة على أديس أبابا، بل تعم المناطق الأخرى.

 

"
قبضة قيادة الائتلاف الحديدية على البلاد، وهيمنة "التيغريين" أدت إلى الفشل في إقناع نخب القوميات الأخرى، وقادتهم السياسيين وأصحاب الرأي منهم، بمزايا النظام الجديد المبني على التعددية
"
أسباب نجاح المعارضة

إن حصول المعارضة على حوالي 200 من مقاعد البرلمان وانتصارها الساحق في المدن الكبرى كان مفاجأة كبرى للمراقبين، وحتى للائتلاف الحاكم.

 

ولم يكن أحد يتوقع حصول المعارضة على أكثر من 20% من مقاعد البرلمان الاتحادي ومجالس الأقاليم، خاصة في أديس أبابا، التي بذلت الحكومة جهودا ناجحة في تحديثها ورفع المعاناة عن سكانها، ما يجعلها أنظف المدن الأفريقية جنوب الصحراء وأكثرها أمنا.

 

لهذا بدأت الأسئلة تطرح عن أسباب رفض سكان هذه المدينة والمدن الرئيسية الأخرى الكاسح للائتلاف الحكومي.

 

وخلال متابعة الأحداث أمكننا استخلاص بعض أسباب هذا الرفض، في محورين بارزين، أولهما متعلق بقضايا عديدة.

 

من أهم هذه القضايا الفشل في الحد من الفقر وانتشار الأمراض القاتلة مثل "الإيدز" حيث ما يزال أكثر من عشرة ملايين شخص يعتمدون على المساعدات الغذائية الخارجية للبقاء على قيد الحياة. كما يوجد في البلاد أكثر من 700 ألف طفل مشرد.

 

يضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف المعيشة على مواطنين غالبيتهم من الفقراء الذين لا يزيد دخل الواحد منهم عن دولار في اليوم، مقارنة بما كان عليه الوضع في عهد منغستو هيلا مريم.

 

كما أن ازدياد عدد العاطلين عن العمل الذي قد يصل إلى نصف السكان العاملين، نتيجة لتزايد عدد السكان والخريجين، والخصخصة التي طالت غالبية شركات القطاع العام تعتبر واحدة من هذه القضايا.

 

ومنها أيضا قبضة قيادة الائتلاف الحديدية على البلاد، وهيمنة "التيغريين" الذين لا يمثلون سوى 12% من السكان، على مفاصل الحياة.

 

أضف إلى ذلك التدخل السافر في شؤون الأقاليم التي لا يتمتع منها بصلاحياته الدستورية، إلا إقليم "تيغراي" أما الباقون فهم مسيَّرون من موظفين تيغريين يملكون الصلاحيات الحقيقية.

 

وأهم من ذلك السيطرة على البرلمان الاتحادي، حيث لا يمكنه مناقشة مشاريع القوانين، إلا عبر الكتلة البرلمانية التيغرية التي لا يتجاوز عدد  أعضائها 38.

 

لذلك، تم الفشل في إقناع نخب القوميات الأخرى، وقادتهم السياسيين وأصحاب الرأي بمزايا النظام الجديد المبني على التعددية.

 

ومن ذلك الفساد الذي بدأت بوادره تظهر في الإدارة ومؤسسات الدولة، ومحاباة الأقارب حيث يتهم التيغريون بأنهم أثروا في عقد من الزمن انطلاقا من الصفر.

 

ويضرب منافسوهم على ذلك أمثلة، منها وجود شركات تملكها الجبهة التيغرية تحتكر عطاءات الدولة. ويدعي المنافسون أنه لا يمكن لأحد أن يقيم مشروعا استثماريا، دون شريك تيغري، حتى ولو كان صوريا.

 

وأخطر من كل ذلك سياسة ملكية الدولة للأرض، بحيث لا يتمتع أصحابها بحرية التصرف النهائي فيها إلا بإذن من الدولة، لأن الأرض تتبع نظام التأجير طويل الأمد.

 

أما الثاني من المحورين فيتعلق بفشل الائتلاف الحاكم وقيادته التيغرية بشكل خاص في استثمار المكاسب التي حققها خلال العقد الماضي.

 

ومن أهمها إنهاء سيطرة قومية واحدة، على إثيوبيا قرابة 300 سنة، تحت أنظمة إقطاعية متخلفة، عمدت إلى تجهيل الشعب وتجويعه وإذلاله، وحتى استعباده.

 

ومن هذه المكاسب إقامة تسع ولايات تضم غالبية القوميات الإثيوبية التي كانت مقهورة ومستغلة، بل مستعمرة، حيث تمتعت هذه الأقاليم، التي كانت مستعمرات أمهرية بحكم ذاتي وسلطات واسعة، تصل درجة حق الانفصال التي يكفلها الدستور.

 

يضاف إلى ذلك بسط الأمن والاستقرار على ربوع البلاد، بعد أن ظلت 30 سنة متتالية تعيش حروبا أهلية واضطرابات عرقية.

 

كما أنجزت مشاريع مهمة خاصة في مجال البنى التحتية، بمد شبكة طرق بين معظم المناطق وداخل المدن وبناء العديد من السدود والمحطات الكهربائية، فضلا عن بناء أعداد هائلة من المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية، حيث أصبح عدد تلاميذ المرحلة الابتدائية ثمانية ملايين خلال العقد المنصرم، بدل ثلاثة ملايين، مع بدء تنفيذ مشروع إقامة 21 جامعة في الولايات.

 

ومن تلك المكاسب استفادة عدد لا بأس به من السكان من سياسة الانفتاح الاقتصادي واتباع سياسة ليبرالية في العديد من القطاعات، حيث أقيمت مئات المشاريع التجارية والصناعية والزراعية، كما فتحت الأبواب للهجرة إلى الخارج، للمساعدة في تخفيف وطأة البطالة، إضافة إلى تدفق مساعدات كبيرة على البلاد، للمساعدة في مواجهة الفقر والمجاعة.

 

ومنها التمسك بسياسة اقتصادية وطنية، بعيدا عن هيمنة المؤسسات المالية الدولية، المسيطرة على بقية البلدان.

 

"
نجاح السياسة الإثيوبية في أفريقيا، حيث أصبحت إحدى دولها المؤثرة، واتخاذها مقرا رسميا للاتحاد الأفريقي رغم منافسة دول ذات وزن لها، أهلها لأن تصبح إحدى الدول الأفريقية التي يركز عليها العالم الخارجي الغربي والشرقي
"
لكن حجم الفقر في البلاد يجعل من هذه الجهود مجرد قطرة ماء في صحراء قاحلة، وهو ما ركزت عليه المعارضة في خطاب ديماغوجي، يعد بإزالة البطالة واستعادة قوة ومجد إثيوبيا، حيث تلقفته جماهير يائسة، ليس لديها ما تفقده.

 

وعلى الصعيد الإقليمي كذلك، حققت إثيوبيا مكاسب لا يستهان بها في العقد الأخير، من أهمها إقامة علاقات حسن جوار وتعاون مع جيرانها، وبدأت في تعاون مثمر مع شريكتيها في النيل السودان ومصر.

 

أما على صعيد العلاقات مع العرب، فقد بذلت الحكومة الإثيوبية جهودا حثيثة لمحو سلبيات الماضي، داعية إلى انطلاقة جديدة للتعاون، حيث تحقق بعض ذلك، مستمرة في الوقت نفسه، في دعم حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، دون أن تفرط في علاقاتها مع إسرائيل التي شهدت بعض التطور.

 

أما النجاح الأكبر للسياسة الإثيوبية الخارجية فهو في أفريقيا، التي أصبحت إحدى دولها المؤثرة، ما جعلها مقرا رسميا للاتحاد الأفريقي، رغم منافسة دول أخرى ذات وزن ومقدرة، حيث كانت أديس أبابا مجرد مقر مؤقت لمنظمة الوحدة الأفريقية.

 

وقد أهلها هذا الوضع إلى أن تصبح إحدى الدول الأفريقية التي يركز عليها العالم الخارجي الغربي والشرقي.

 

المطلوب من الائتلاف الحاكم

يرى المتابعون للشأن الإثيوبي أن على الائتلاف الحاكم أن يستخلص الدرس من هذه الهزة التي لم تنته بعد ارتداداتها، إذا لم تتكرر في الأسابيع أو الأشهر القادمة، ويتخذ بعض الخطوات.

 

من أهم هذه الخطوات القيام بانفتاح سياسي عام، يتمثل في السماح للأحزاب السياسية بممارسة أنشطتها بحرية، وكفالة حرية الصحافة، حتى ولو أدت حرية العمل السياسي إلى عواقب قد لا يتمناها الائتلاف الحاكم اليوم، مثل انتقال السلطة إلى يد القومية الأكثر عددا.

 

ومنها كذلك تعزيز مكاسب ومكانة حكومات الأقاليم، ومساواتها في الأموال الاتحادية، حيث النصيب الأوفر منها يذهب إلى إقليمي أمهرا والتيغراي، والحد من استئثار الأمهرة بالنصيب الأوفر من فرص التوظيف حيث يشكلون 70% من موظفي الخدمة المدنية، لإعطاء أبناء القوميات الأخرى نصيبهم.

 

كما يجب على الائتلاف إعادة النظر في بعض القرارات التي أغضبت الأكثرية الأورومية، مثل ما تسميه قضم ولايتها لصالح الولايات الأخرى.

 

ويبدو أن شيئا ما يحدث لتصحيح هذا الوضع، بعد قرار قيادة الحزب الأورومي المشارك في الائتلاف الحاكم، هذا الأسبوع، بالتراجع عن قرار نقل عاصمة الإقليم من أديس أبابا إلى مدينة "أداما" (نازريت).

 

"
من اللافت للنظر غياب المسلمين شبه الكامل عن الانتخابات الإثيوبية، رغم أنهم يشكلون أكثر من نصف السكان فلم يكن لهم ذكر لا في العير ولا في النفير
"
دور المسلمين في الانتخابات

كان من اللافت للنظر غياب المسلمين شبه الكامل عن هذه الانتخابات، رغم أنهم يشكلون أكثر من نصف السكان.

 

فلا الائتلاف الحاكم اهتم بهم وقدم مرشحين منهم، ولا المعارضة فعلت، حتى إن أصواتهم لم تكن ذات تأثير، حيث إن سوادهم الأعظم لم يسجل أصلا في السجلات الانتخابية.

 

وعكسا لما كان متوقعا على نطاق واسع من ترجيحهم كفة الميزان لصالح الحكومة الحالية في وجه خطاب المعارضة الذي يرونه معاديا وسلوك بعض قادتها البارزين، لم يكن لهم ذكر لا في العير ولا في النفير.

 

ولا يكتم المتابعون للشأن الإثيوبي بشكل عام، تشاؤمهم من مستقبل المسلمين في إثيوبيا، رغم إقبال جماهيرهم على إرسال الأطفال إلى التعليم، حيث وصل عددهم في الابتدائي اليوم حوالي 40%، إلا أن 12% من هذا العدد فقط تصل إلى التعليم الثانوي و3% من هؤلاء ينتقلون إلى الجامعي.

 

وهناك مجال كانت لهم فيه شبه سيطرة كاملة، وهو التجارة، إلا أنهم في طريقهم إلى الخروج منه، لأسباب عديدة منها التنافس، خاصة بسبب اعتبار معظم رجال أعمالهم، أن الاقتراض من البنوك التجارية ربا مع انعدام البديل، ورغم وجود فتاوى لعلماء لا يعتبرون معاملات هذه البنوك ربوية.

 

ومن المعروف أن المسلمين في إثيوبيا الذي يفتخرون بأن الإسلام وصل إلى الحبشة قبل المدينة المنورة، قد عانوا فترات طويلة من الاضطهاد، الذي بلغ في عهد الإمبراطور يوهنس الرابع حد طردهم من بلادهم إذا لم يرتدّوا عن دينهم.   

 

خاتمة

إن السؤال المطروح اليوم هو عن استقرار إثيوبيا، بعد إعلان النتائج النهائية في 8 يوليو/ تموز القادم، إذ تشير الدلائل إلى أنها ستؤكد فوز الائتلاف الحاكم الحالي بأغلبية مريحة، تصل إلى 320 مقعدا، مع أكثر من 180 مقعدا للمعارضة، في البرلمان الاتحادي البالغ عدد مقاعده 54.

 

وما على الحكومة والمعارضة إدراكه، ابتداء من الآن هو حتمية التعايش الذي تفرضه سيطرة الائتلاف الحاكم على الحكومة المركزية وعلى حكومات الولايات، بينما تسيطر المعارضة على غالبية المدن الكبرى، وعلى رأسها أديس أبابا، التي تسهم في ميزانية الدولة العامة، بما لا يقل على 26%.

______________________

كاتب موريتاني

المصدر : الجزيرة