ياسر الزعاترة

على حلقات ثلاث بثت فضائية الجزيرة الفيلم الوثائقي الذي أعده آدم كيرتس لحساب الـBBC تحت عنوان سلطان الخوف، ولا ندري لماذا ترجم العنوان على هذا النحو، مع أن الترجمة الظاهرة هي "سلطة الكوابيس". وقد جاء عرض الفيلم بعد شهور قليلة من عرضه في بريطانيا فيما عرضت حلقته الأولى قبل أيام من عرضه في مهرجان كان للسينما بفرنسا.

يعالج الفيلم موضوعا في غاية الأهمية، إذ يتتبع سيرة الظاهرة الإسلامية أو لنقل الحركة الإسلامية في طبعتها العنيفة منذ الخمسينيات، مقابل تتبعه لفكر المحافظين الجدد منذ نهاية السبعينيات وحتى جورج بوش الابن.

أبدع الفيلم في تتبعه لظاهرة المحافظين الجدد منذ تبنيهم لآراء المفكر الأميركي ليو شتراوس، والذي رأى أن أساس قوة الليبرالية ممثلا في الحرية الفردية هو ذاته الذي يهددها من الداخل، الأمر الذي يستدعي إيجاد تحد خارجي يوحد الشعب "الأمة"، في ذات الوقت الذي يجري فيه التركيز على الأبعاد الأخلاقية والدينية وتوظيفها في سياق المحافظة على وحدة المجتمع.

وفيما بدا أن الأبعاد الدينية والأخلاقية غير كافية من دون توفر العدو الخارجي فقد وجد الحافظون الجدد في الاتحاد السوفياتي قوة الشر التي يمكن للولايات المتحدة أن تتوحد في مواجهتها، وخلال حقبة ريغان تجلت أفكار المحافظين الجدد في الصراع مع موسكو في أفغانستان، وهو الصراع الذي استخدم بذكاء في معركة تدمير المنظومة الشيوعية.

"
مع فوز بوش بدأت لعبة المحافظين الجدد للبحث عن عدو جديد يوحد الأميركيين، وما أن جاءت هجمات 11 سبتمبر حتى وجدوها فرصة سانحة، وهكذا تحول الإرهاب الإسلامي إلى عنوان الشر الجديد بعد الاتحاد السوفياتي
"
قد يكون من المفيد الإشارة هنا إلى أن معالجة الفيلم لهذه القضية ربما لم تبتعد كثيراً عن سياق المعالجات الأخرى التي ظهرت بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، وربما قبله أيضا، أعني ما يتعلق بعلاقة الإسلاميين بالولايات المتحدة في مرحلة الحرب على الاتحاد السوفياتي، حيث يشير سياق العرض والأحداث إلى قدر من العمالة، أقله الانسجام بين الطرفين. وهو أمر لا يبدو صحيحاً بحال، حتى أن عبد الله عزام الذي كان يخطب في الولايات المتحدة لصالح المجاهدين الأفغان ومن أجل جمع التبرعات لهم لم يكن أقل هجوماً على الولايات المتحدة وإدراكاً لخطرها على الإسلام والمسلمين.

وعلى العموم فإن اتصالات رسمية لم تسجل بين المجاهدين العرب في أفغانستان وبين أي من المسؤولين الأميركان، وهو أمر وإن بدا هامشياً بالنسبة للبعض على اعتبار أن إحدى الدول العربية وبعض قادة الأفغان أنفسهم كانوا يقومون بالمهمة، فإنه يعني الكثير بالنسبة للموقف في حينه والموقف اللاحق تبعاً لذلك، كما أنه يبرئ الإسلاميين من تهم العمالة التي أدمن اليساريون وصمهم بها خلال الثمانينيات، وربما إلى الآن، إلى جانب العلمانيين المتأمركين في هذه المرحلة، وإن بدا أن كثيراًُ منهم من خريجي مدرسة اليسار ذاتها.

انتصر المحافظون الجدد على الاتحاد السوفياتي وفككوا منظومته بالكامل، لكن المفاجأة جاءتهم بعد ذلك، إذ فاز بيل كلينتون الليبرالي في العام 1992، فشنوا عليهم حرباً ضروساً كان من بينها ما عرف بقضية وايت ووتر وقضية مونيكا لوينسكي، وهي القضايا التي يميل الفيلم من دون التصريح المباشر إلى كونها لوناً من ألوان الحرب وربما التآمر من المحافظين الجدد على كلينتون لاستعادة سلطتهم.

على رغم الحرب الضروس التي شنت عليه، فقد عاد كلينتون وحقق فوزا ثانياً في عام 1996، لكن المحافظين الجدد لم يفقدوا حماسهتم لاستعادة دفة السفينة، إذ واصلوا حربهم وصولا إلى استعادة السلطة من خلال استثمار ذكي للسيطرة الأصولية على حزب المحافظين، وهي ظاهرة تمددت في المجتمع على نحو استثنائي خلال النصف الثاني من التسعينيات وملكت حجما هائلا من أدوات القوة والتأثير، وساهمت في صناعة الفوز الإشكالي الذي حصده جورج بوش الابن عام 2000.

ومع فوز بوش بدأت لعبة المحافظين الجدد للبحث عن عدو جديد يوحد الشعب الأميركي، فوجدوا ضالتهم في الإرهاب الإسلامي، وما أن جاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2002، حتى وجدوها فرصة سانحة، وهكذا تحول الإرهاب الإسلامي إلى عنوان الشر الجديد بعد الاتحاد السوفياتي.

في هذا السياق الذي يتعلق بالوجه الأول للصورة، تبدو إشكالية الفيلم في تجاهله المقصود وربما المتوقع للدور اليهودي أو الصهيوني في صناعة تجمع المحافظين الجدد، فيما يبدو من العبث أن يتجاهل المراقب ذلك الدور، وعند الحديث عن اليهود في الولايات المتحدة، فلا يمكن لعاقل أن يتجاهل الأولوية الإسرائيلية في عقل قادتهم ورموزهم وحتى أفرادهم العاديين.

لم يتحدث الفيلم عن "مشروع قرن إمبراطوري جديد" الذي أنشأه المحافظون الجدد في عام 1997 بتحالف بين الصهاينة وتجار النفط وتجار السلاح والأصولية الصهيونية المسيحية، والذي يمكن القول إنه تجمع سياسي بعيد من الأبعاد الأخلاقية التي ركز عليها الفيلم، وهو تجمع أراد مد النفوذ الإمبراطوري الأميركي إلى القرن الجديد، لكنه أراد من زاوية أخرى إخراج المشروع الصهيوني من مأزقه الذي تمثل في عجز مسار أوسلو عن تحقيق هيمنته على الشرق الأوسط كما أراد قادته، وكما نظر له شمعون بيريز.

"
قراءة فيلم سلطان الخوف لمسلسل العنف الذي اجتاح المنطقة بثوب إسلامي لا تتسم بالحد الأدنى من العمق، إذ ما صلة ما جرى في مصر خلال الثمانينيات والتسعينيات بأفكار سيد قطب، فضلاً عن الصلة بينها وبين ما جرى في الجزائر وأفغانستان وصولا إلى 11 سبتمبر
"
كل ذلك لم يتطرق إليه الفيلم، فالبعد الإسرائيلي أو الصهيوني كان غائبا مع أنه أكثر من أساسي في اللعبة، بل إنه البعد الأكثر أهمية في صياغة معركة العراق التي أريد لها أن تكون المحطة الأولى في إعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط على نحو يمكن بعده تحقيق الانتصار الصهيوني، وما قصة الإصلاح والديمقراطية أو "الشرق الأوسط الكبير" إلا العنوان الجديد الذي سيستخدم بهدف تهيئة المنطقة أمام هيمنة السيد الإسرائيلي.

تقول الكاتبة الأميركية آن نورثون، وهي أكاديمية من جامعة بنسلفانيا في كتابها "ليو شتراوس وسياسات الإمبراطورية الأميركية"، "إن الإستراتيجية العليا التي وضع إطارها بول ولفويتز (يهودي ليكودي) بعد 11 سبتمبر/ أيلول تنطوي على خطة للهجوم لا على العراق فحسب، بل على سورية وجنوب لبنان ومن ثم تدشين أميركا نظاما جديدا في الشرق الأوسط. وقد بنيت الخطة جغرافيا، على أساس دور إسرائيل المركزي بحيث يمكن أن تهاجم، بصورة استباقية، أية دولة محيطة بإسرائيل من شأنها أن تشكل تهديدا لها".

أما في البعد الآخر المتعلق بالشق الإسلامي فلا يمكن القول إن المعالجة كانت موفقة، فسيد قطب الذي ركزت عليه المعالجة في مقابل الأميركي ليو شتراوس لم يكن مسؤولاً عما جرى بحسب توصيف الفيلم، وفي العموم فإن قراءة الفيلم لمسلسل العنف الذي اجتاح المنطقة بثوب إسلامي لا تتسم بالحد الأدنى من العمق، إذ ما هي صلة ما جرى في مصر خلال الثمانينيات والتسعينيات بأفكار سيد قطب، فضلا عن الصلة بينها وبين ما جرى في الجزائر وفي أفغانستان، وصولا إلى الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وما قبله وما بعده.

تنحصر قصة العنف الإسلامي في الفيلم بين شخصين؛ الأول هو سيد قطب، والثاني هو الدكتور أيمن الظواهري، على اعتبار أن الثاني هو وريث الأول، وهو توصيف فيه الكثير من السطحية، ليس لاختلاف السياق الزماني (عاش سيد قطب في زمن الانقلابات العسكرية، فيما عاش الظواهري في زمن انقراضها وتضخم القدرات الأمنية للدولة القطرية العربية الحديثة، ولم يصدر من سيد قطب ما يشير إلى العنف المسلح الشامل لإسقاط الأنظمة).

وقد نشير هنا إلى أن العنف في الجزائر على سبيل المثال لم يكن انقلابيا وإنما ردا على انقلاب، أي أنه لم يصدر عن أفكار سيد قطب الذي يعتقد شقيقه محمد قطب أنه يرى كفر النظام الديمقراطي، وعلي بلحاج كان سلفيا، فيما كان عنتر زوابري يدعي أنه سلفي أيضاً، الأمر الذي ينطبق على بعض العنف في مصر، وصولا إلى عنف الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وما قبله وما بعده.

ثم من قال على سبيل المثال إن سيد قطب قد كفّر الناس واستباح دماءهم في مصر أو سواها، فجاهلية المجتمع شيء وكفر أفرداه شيء آخر تماما، بل إن أيمن الظواهري نفسه لم يكفر أعيان الناس ولم يستبح دماءهم، وليس ذلك دفاعا عن منهجه بل قراءة واقعية لما جرى ويجري، وحين سقطت طفلة بالخطأ بسبب عملية لتنظيمه (الجهاد) لم يكن منه سوى الاعتذار وعرض الدية الشرعية، لكن ذلك لا ينفي تكفيره للأنظمة، ومن ثم إباحته لقتالها.

"
ما يمكن أخذه على الفيلم بشكل عام هو حصره المعالجة في الأبعاد الفكرية، أما في حالة العنف الإسلامي فقد غابت السياسة والظروف الموضوعية الأخرى
"
يبقى أن أيمن الظواهري لم يكن هو من أقنع أسامة بن لادن بشن الحرب على أميركا، بل إن أسامة هو الذي أقنع أيمن بترك العنف في الساحة المصرية، وفي العموم فإن أسامة بن لادن لم يكن مع محاربة الأنظمة، ولم يكن يكفرها، وكانت ملاحظة (الزرقاوي) عليه هي أنه لا يكفر الأنظمة ولا يرى قتالها.

سيد قطب لم يكن مفكرا طوباويا بالمعنى الحرفي للكلمة، كما أن الإسلاميين "الثوريين" إن جاز التعبير لم يكونوا يكفرون الناس، وإذا صح ذلك فهو إنما يصح في حالة عنتر زوابري وليس الجيش الإسلامي للإنقاذ ومعه مجموعات حملت السلاح ضد السلطة في الجزائر.

من هنا يمكن القول إن الفكر الإسلامي الذي نظّر للعنف يختلف عن الفكر الخاص بالمحافظين الجدد، فقد تحدث الإسلاميون عن الدولة التي تحكم بالشريعة الإسلامية مقابل الدولة التي تتبنى النظم العلمانية أو الاشتراكية، لكنهم لم يتحدثوا عن فساد الناس وكفرهم كما ذهب إليه الفيلم.

بالمقابل أبدع الفيلم في توصيفه لمسألة القاعدة، إذ أنها تشبه في سياقها العام بالفعل لعبة تضخيم خطر الاتحاد السوفياتي التي اخترعها المحافظون الجدد، ذلك أن القاعدة لم تكن تنظيما بحال من الأحوال، بل هي فلول صغيرة معظمها من مطاردي مجموعة أيمن الظواهري (الجهاد) ومن مريدي أسامة بن لادن من محبي الجهاد من السعودية واليمن وسواهما، وما جرى في الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول كان بيضة الديك بعد عمليتي نيروبي ودار السلام التي رتبهما عسكريو مجموعة الجهاد.

ما يمكن أخذه على الفيلم بشكل عام هو حصره المعالجة في الأبعاد الفكرية، ففي حالة المحافظين الجدد غاب البعد السياسي الخاص بالدور اليهودي ومصالح الدولة العبرية، أما في حالة العنف الإسلامي فقد غابت السياسة والظروف الموضوعية الأخرى.

من المؤكد أن الأفكار كانت حاضرة، لكنها لم تكن أساسية لا في العنف الإسلامي المصري، ولا في العنف الإسلامي الجزائري، ولا حتى عنف الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وما بعده. فلولا العنف الذي وجهته السلطة المصرية إلى الجماعة الإسلامية لما كان العنف المقابل، ولولا انقلاب العسكر في الجزائر على خيار الشعب لما كان العنف المقابل، ولولا الهجمة الأميركية الإسرائيلية على الأمة لما كان العنف الموجه ضدها، ولولا الاحتلال الأميركي للعراق لما كانت المقاومة وما كان العنف الذي نتابع فصوله الآن.

وفي حين وفق الفيلم في كشف الخلفية الفكرية لعصابة المحافظين الجدد، فإن تغييب البعد السياسي قد أفقد المعالجة قوتها، الأمر الذي ينطبق كما أشرنا على الحالة الإسلامية التي حضرت فيها الأفكار فيما غابت السياسة والظروف الموضوعية فجاءت المعالجة مشوهة أيضا، وهكذا حمل سيد قطب وأيمن الظواهري أكثر مما يحتملان بكثير، خلافا لحال أسامة بن لادن الذي بدا التهوين من شأن دوره مبالغ فيه إلى حد ما. ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة