علي نصار

-الديمغرافيا المارونية الدرزية
-مركزية الجبل
-المواجهة بين جنبلاط وعون

يبدي اللبنانيون اهتماما استثنائيا بنتائج المواجهة السياسية الانتخابية في محافظة جبل لبنان، حيث يشتد التخاصم بين الأقطاب السياسيين "الجبليين"، وأهمهم حاليا وليد جنبلاط وميشيل عون. ويشير هذا الاهتمام إلى "مركزية" هذه المحافظة في تكوين السياسة اللبنانية وتقرير المصير الطائفي والوطني.

"
تتميز محافظة جبل لبنان بكونها المحافظة الوحيدة التي يزيد فيها عدد الناخبين المسيحيين على عدد أقرانهم المسلمين الذين يتوزعون على المذاهب الدرزية والسنية والشيعية
"
الديموغرافيا المارونية الدرزية
يضم جبل لبنان أكبر كتلة من الناخبين اللبنانيين. ومن أصل 3007927 ناخبا مسجلا على لوائح الشطب التي وزعتها وزارة الداخلية عام 2005، تضم محافظة جبل لبنان 738431 ناخبا يشكلون نسبة 24.54% من إجمالي عدد الناخبين في لبنان.

وبالمقارنة مع بقية المحافظات، وهي بيروت والشمال والبقاع والجنوب، تتميز محافظة جبل لبنان بكونها المحافظة الوحيدة التي يزيد فيها عدد الناخبين المسيحيين على عدد أقرانهم المسلمين الذين يتوزعون على المذاهب الدرزية والسنية والشيعية.

تبلغ نسبة المسيحيين 65.8% من إجمالي الناخبين في هذه المحافظة. أما نسبة المسلمين فلا تتعدى 34.2%.

وقد خصت محافظة جبل لبنان بأكبر عدد من المقاعد النيابية، ما يفسر جانبا من ضراوة المعركة السياسية الانتخابية الناشبة للسيطرة عليها.

ومن إجمالي عدد نواب البرلمان اللبناني البالغ 128 نائبا، تبلغ "حصة الجبل" 35 نائبا أي ما يعادل 27.3% من إجمالي عدد النواب. ويحظى مسيحيو الجبل بـ25 مقعدا نيابيا، فيما يملك الناخبون المسلمون عشرة مقاعد فقط.

وتضم محافظة جبل لبنان أكبر كتلة من الناخبين المسيحيين الموارنة في لبنان، إذ يصل عددهم إلى 335057 ناخبا يشكلون 45.4% من إجمالي عدد الناخبين في المحافظة. ويملك هؤلاء الحصة الأكبر من المقاعد النيابية المخصصة لجبل لبنان وهم يتمثلون بعشرين مقعدا نيابيا من أصل 35 مقعدا مخصصا لتمثيل المحافظة في المجلس النيابي اللبناني.

وبحسبان التوزع المذهبي للكتلة الناخبة في الجبل، فإن عدد الناخبين من المسلمين الدروز يلي عدد أقرانهم الموارنة، حيث يبلغ تعداد الدروز 113961 ناخبا أي ما نسبته 15.43% من إجمالي عدد الناخبين في المحافظة، وقد خصص للناخبين الدروز خمسة مقاعد نيابية.

أما الناخبون المسلمون السنة في الجبل فقد وصل تعدادهم إلى 60777 ناخبا، وتبلغ نسبتهم 8.23% من إجمالي كتلة الناخبين، ولهم مقعدان نيابيان.

ويلاحظ أن للمسلمين الشيعة ثلاثة مقاعد نيابية في محافظة جبل لبنان، على الرغم من أن الناخبين الشيعة في هذه المحافظة هم أقل عددا من السنة إذ يبلغ تعدادهم 57341 ناخبا، وأصواتهم لا تشكل سوى 7.76% من إجمالي عدد الناخبين في جبل لبنان.

وبعد الناخبين الشيعة يأتي الناخبون من المسيحيين الروم الأرثوذكس ونسبتهم 7.28% ولهم ثلاثة مقاعد، ثم الناخبون من المسيحيين الروم الكاثوليك ونسبتهم 5.70% ولهم مقعدان، يليهم الأرمن الأرثوذكس ونسبتهم 4.09% ولهم مقعد واحد.

ووفقا لقانون الانتخابات الحالي الذي أقر في عام 2000 والذي لا يزال ساري المفعول في الدورة الانتخابية الحالية، فإن محافظة جبل لبنان قد قسمت إلى أربع دوائر إدارية. الدائرة الأولى وهي دائرة كسروان جبيل. الدائرة الثانية وهي دائرة المتن، ويشكل الموارنة أكبر كتلة ناخبة في كلتا الدائرتين.

أما الدائرة الثالثة وهي دائرة بعبدا عاليه، فيلاحظ تقارب أعداد الناخبين الموارنة (82574 ناخبا) مع الناخبين الدروز (80454 ناخبا)، ويليهم الروم الأرثوذكس والشيعة، والروم الكاثوليك، والسنة، وأقليات مذهبية مسيحية أخرى.

وفي الدائرة الرابعة وهي دائرة الشوف يلاحظ أيضا تقارب أعداد الناخبين الدروز (51380 ناخب) والموارنة (51049 ناخب) كما في الدائرة الثالثة تقريبا.

"
الموقع الجغرافي الإستراتيجي الذي يميز جبل لبنان يتضاعف أثره عندما نلحظ كيف أن النظام السياسي الطائفي ومنذ أيامه الأولى قد همش وأفقر بقية المحافظات مقابل تحويل محافظة جبل لبنان إلى امتداد للعاصمة بيروت
"
مركزية الجبل
هذا العرض الإحصائي الذي يبين أن الثقل الديمغرافي لكل من الموارنة ثم الدروز يتركز في محافظة جبل لبنان، وتحديدا في جبل لبنان الجنوبي (الشوف) وجبل لبنان الأوسط (بعبدا عاليه)، يساعد على تكوين مدخل لفهم أسباب المواجهة السياسية الانتخابية الضارية الناشبة في الجبل بين الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وحلفائه، وبين التحالف المنافس بقيادة الجنرال ميشيل عون الذي يصف نفسه بأنه "لبناني مسيحي".

إن هذا التركز الماروني الدرزي الذي ينحصر في رقعة جغرافية ضيقة نسبيا من لبنان، قد نشأ عن عوامل تاريخية مختلفة، يتصل بعض منها بصيرورة الدولة الطائفية، ونشأة النظام الطائفي في لبنان.

لكن ثمة عوامل راهنة فاعلة تتولد في حقلي السياسة والاجتماع ما زالت تغذي الديناميات المولدة لـ"مركزية" جبل لبنان في السياسة اللبنانية، وهذه العوامل شديدة التنوع. فالجبل بحكم الجغرافيا يتاخم سائر المناطق المحافظات اللبنانية في الشرق (البقاع) والغرب (بيروت/العاصمة) والشمال (محافظة الشمال) والجنوب (محافظة الجنوب). ولذلك فإن محاور الحركة الرئيسية باتجاه سائر تلك المحافظات -حيث يشكل المسلمون أكثرية المواطنين- تتم عبر محافظة جبل لبنان.

إن هذا الموقع الجغرافي الإستراتيجي الذي يميز جبل لبنان، يتضاعف أثره السياسي الاجتماعي الاقتصادي عندما نلحظ كيف أن النظام السياسي الطائفي ومنذ أيامه الأولى حتى اليوم قد همش وأفقر بقية المحافظات مقابل تحويل محافظة جبل لبنان إلى امتداد للعاصمة بيروت حيث تتمركز الأنشطة الاقتصادية والسياسية الوطنية.

كما أن بنية الاقتصاد (والاجتماع) الوطني التي يهيمن عليها قطاع الخدمات قد جعلت جبل لبنان (الأوسط والشمالي تحديدا) مركزا لأهم النشاطات الاقتصادية اللبنانية (السياحة والتجارة والمصارف والتعليم والإعلام والترفيه)، الأمر الذي يفسر أسباب تحول جبل لبنان إلى مركز ثقل ديمغرافي اقتصادي وثقافي متميز.

المواجهة بين جنبلاط وعون
ومن دون تفصيل زائد، فإن المواجهة السياسية الانتخابية على جبهة جنبلاط عون تدور حول تقرير المصير السياسي لمحافظة جبل لبنان بكل ما تملك من مزايا إستراتيجية مؤثرة في (الجيوبوليتيك) الجغرافيا السياسية الطائفية. فالقوة السياسية التي ستفوز بأصوات الناخبين "الجبليين" ستغدو قوة مقررة للمصير الطائفي والوطني اللبناني، خصوصا بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في 27 أبريل/نيسان الماضي وبدء مرحلة الإدارة الأميركية للوضع اللبناني.

والآن أصبح من الممكن تفسير الأسباب التي جعلت الزعيم الدرزي وليد جنبلاط يتخوف من أن تصبح عودة الجنرال ميشيل عون إلى لبنان "تسونامي" سياسية تجرف المكاسب السياسية التي كان جنبلاط قد حققها قبل وبعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في 14 فبراير/ شباط الماضي. وتحت رعاية الكنيسة المارونية وأطراف أخرى في النظام اللبناني، تمكن جنبلاط منذ عام 2000 من إقامة تحالف سياسي مع خصومه السابقين من أطراف اليمين المسيحي القديم (القوات اللبنانية والرئيس السابق الكتائبي أمين الجميل) والجديد (شخصيات وقوى لقاء قرنة شهوان).

استناد هذا التحالف إلى تفاهم جنبلاط والبطريرك الماروني نصر الله صفير، يسمح لجنبلاط باستمرار سيطرته على المقاعد النيابية للمسيحيين في دائرتي الشوف وبعبدا عاليه، وبالتالي دوام قوته السياسية في جبل لبنان، مقابل انخراطه في الحملة السياسية التي أطلقتها الكنيسة المارونية وقوى اليمين اللبناني بدءا من سبتمبر/ أيلول 2000، وسعيه من أجل "تحرير لبنان من السوريين". هذه الحملة -التي ما كان لها أن تظفر بهدفها لولا حوادث 11 سبتمبر/ أيلول، وقيام الأميركيين باحتلال العراق- تذكر باتفاق مشابه كان وليد جنبلاط نفسه -بحسب ما قال الباحث الفرنسي آلان مينارغ- قد توصل إليه في ربيع عام 1982 مع مؤسس القوات اللبنانية بشير الجميل بهدف "إخراج الفلسطينيين من لبنان".

"
جنبلاط يتخوف من أن تصبح عودة عون إلى لبنان "تسونامي" سياسية تجرف المكاسب السياسية التي كان قد حققها قبل وبعد اغتيال الحريري
"
إن ظهور الجنرال ميشيل عون على الخارطة السياسية اللبنانية بعد 15 سنة في المنفى الفرنسي قد جرف -أو يكاد بالفعل أن يجرف- طموح جنبلاط إلى الاستمرار في امتلاك كتلة نيابية كبيرة (17 نائبا) في البرلمان.

لقد توصل جنبلاط إلى حيازة هذه القوة النيابية نتيجة الدعم الذي تلقاه من القوى الوطنية اللبنانية ومن المقاومة الفلسطينية ومن سوريا منذ عام 1983 وحتى عام 2000 تماما. ومن الواضح أن الزعيم الدرزي يريد الاستمرار بالاحتفاظ بالمقاعد النيابية المسيحية بدعوى دور نوابه المسيحيين في "معركة الاستقلال" عن سوريا.

وبحسب معطيات مقبولة من الطرفين فإن التنافس الانتخابي بين لوائح جنبلاط وعون في محافظة جبل لبنان يجري "على المنخار" بحسب التعبير اللبناني الشائع، ويشكل اختبارا للمركز السياسي لجنبلاط في جبل لبنان.

فالتيار العوني المعروف باسم "التيار الوطني الحر" الذي يملك قوة انتخابية كبيرة وسط المسيحيين، وبدرجة أقل بكثير بين المسلمين في جبل لبنان، يملك برامج إصلاحية جدية تستند إلى سياسة شعبوية تجتذب بقايا الطبقة الوسطى ومتقاعدين ويساريين محبطين.

وهذا التيار الذي يعمل بعيدا عن رعاية الكنيسة المارونية، رغم العصب المسيحي الذي يهيمن عليه، يبدو معاديا للطبقة السياسية التي ينتمي إليها خصم عون وليد جنبلاط، وهي الطبقة السياسية التي يرى بعض اللبنانيين أنها سبب ويلاتهم السياسية.
__________________________
كاتب لبناني

المصدر : الجزيرة