محسن صالح

-العقلية "المانعة" ضد العقلية "الجامعة"
-القدس الغربية أيضا
-مصادرة وتهويد
-ماذا بقي؟

لن يكون هناك خيار اليوم أمام سلمى عندما تريد أن تتوجه من مسكنها في العيزرية إلى عملها في القدس الشرقية إلا أن تسلك طريقا طويلا يمر عبر مستوطنة معاليه أدوميم، ويستغرق أكثر من ساعة، هذا إن كانت محظوظة بعدم تعطيل الحواجز الإسرائيلية لها.

وعلى سلمى أن تدفع أكثر من عشرة دولارات أجرة مواصلاتها للقدس بسبب جدار الفصل العنصري الذي قطع خط التواصل مع القدس الشرقية، حيث كان الطريق يحتاج مدة ربع ساعة ولا يتكلف أكثر من نصف دولار.

أما الطفل محمد فلن يستطيع استخدام طريقه المعتاد للذهاب إلى مدرسته لتقديم امتحاناته النهائية للصف الرابع الابتدائي، لأن الجدار الذي يرتفع ثمانية أمتار يفصله عن مدرسته التي تبعد عشرات الأمتار، وهو طفل مقعد لا يستطيع بكرسيه المتحرك أن يتسلق الجدار.

وكذا حال نحو 60 ألف فلسطيني (من أصل 230 ألفا يحملون هوية القدس) وجدوا أنفسهم خارج الجدار في إطار خطة إسرائيلية ترمي إلى خفض أعداد الفلسطينيين في القدس من 33% إلى نحو 22% من مجموع سكانها. كما فصل الجدار مخيم شعفاط وعناتا وكفر عقب عن القدس رغم أنها تتبع الحدود البلدية الإسرائيلية للمدينة.

العقلية "المانعة" ضد العقلية "الجامعة"

"
العقلية الصهيونية الإسرائيلية مركبة على أساس "إثبات الذات" في مقابل "إلغاء الآخر"، وبالتالي فإن التعايش السلمي والتسامح ليس من سماتها
"
قصة جدار الفصل العنصري في القدس ليست أول فصول معاناة أهل القدس ولن تكون الأخيرة طالما ظل احتلال إسرائيلي.

فالعقلية الصهيونية الإسرائيلية مركبة على أساس "إثبات الذات" في مقابل "إلغاء الآخر"، وبالتالي فإن التعايش السلمي والتسامح ليس من سماتها. وشعب فلسطين في هذه الحالة هو "الغائب" و"الملغى" حتى لو كان حاضرا ومتجذرا في هذه الأرض طوال الـ4500 سنة الماضية.

كما إن المهاجرين اليهود الجدد هم "الموجودون" و"الحاضرون" دائما حتى لو لم تكن لهم أصول أو نسب بهذه الأرض، وحتى لو غاب الوجود اليهودي شعبيا وسياسيا عن القدس ما يزيد عن 1800 عام. ومهما فعل أبناء فلسطين فإن فلسطين ستبقى بالنسبة للفكر الصهيوني "أرضا بلا شعب".

هذه هي العقلية "الإلغائية المانعة" التي تبني نفسها على أساس حرمان الآخرين من حقوقهم، مما يجر الأرض المقدسة إلى الصراع وسفك الدماء.

هل تستحق أن تحكم هذه العقلية مدينة السلام؟ أم إن الأولى بذلك هم أصحاب العقلية الإسلامية "الجامعة" التي حكمت القدس من فجر الإسلام وحتى القرن العشرين في جو من التراحم والتسامح والتعايش، ولم يسجل عليها قتل يهودي أو مسيحي واحد طوال ما يزيد عن 1200 عام؟

وسواء رضينا أم أبينا فإن والد الحركة الصهيونية ومؤسسها "تيودور هرتزل" قال قبل إنشاء الكيان الإسرائيلي بنحو خمسين عاما "سوف أُزيل كل شيء ليس مقدسا لليهود في القدس، وسوف أحرق الآثار التي مر عليها قرون"، إنه سبق الإصرار والترصد.



القدس الغربية أيضا

"
تعود ملكية 85% من أراضي القدس الغربية للعرب إلا أن الكيان الإسرائيلي قام بتهويدها بالكامل وبنى أحياءه اليهودية فوقها وفوق أراضي القرى العربية المجاورة لها
"
يحتفل اليهود والإسرائيليون هذه الأيام بالذكرى السابعة والثلاثين لاحتلال القدس الشرقية، وقد استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون هذه المناسبة ليؤكد أن القدس الموحدة عاصمة أبدية "لإسرائيل". وحتى العرب والمسلمون عندما يستذكرون ضياع القدس فإنهم يستذكرون القدس الشرقية.

ولذا لا بد من الإشارة أن هناك قدسا غربية احتلت سنة 1948 وهي تمثل في الحقيقة 84.1% من المساحة الكلية للقدس في ذلك الوقت، فيما مثلت القدس الشرقية التي ظلت للإدارة الأردنية حتى سنة 1967 نحو 11.5% من مساحة القدس، أما الباقي وهو 4.4% فقد كان منطقة منزوعة السلاح وتحت رقابة الأمم المتحدة.

القدس الغربية، تعود ملكية 85% من أرضها للعرب إلا أن الكيان الإسرائيلي قام بتهويدها بالكامل وبنى أحياءه اليهودية فوقها وفوق أراضي القرى العربية المجاورة لها، مثل قرية لفتا التي بُني عليها البرلمان الإسرائيلي "الكنيست" وعدد من الوزارات، وقرى عين كارم ودير ياسين والمالحة وغيرها.

مصادرة وتهويد
احتلت القوات الإسرائيلية القدس الشرقية في 7 يونيو/حزيران 1967، وبعد ثلاثة أسابيع أعلن الإسرائيليون توحيد القدس تحت إدارتهم المدنية، ثم أعلنوها في 30 يوليو/تموز 1980 عاصمة موحدة للكيان الإسرائيلي.

ولسنا هنا بصدد الدخول في تفصيلات الاعتداءات والمصادرات الإسرائيلية للقدس ولكن المراقب يجد نفسه أمام عملية تهويد منظمة ونشطة للقدس لتحقيق "قدسٌ يهودية" معزولة عن محيطها العربي والإسلامي، وهو ما تتفق عليه قوى اليمين والوسط واليسار الإسرائيلي.

ونجد أنفسنا أمام خمسة محاور تركيز وعمل تتناغم مع بعضها لتهويد المدينة:

1-المسجد الأقصى: لا يظهر أن هناك خلافا بين اليهود على ملكية الأرض التي يقوم عليها المسجد الأقصى (يسمونها جبل المعبد)، وإنما يتركز الخلاف على اختيار التوقيت المناسب للسيطرة عليها وبناء الهيكل مكان الأقصى.

ولسنا بحاجة للتذكير بجريمة إحراق المسجد الأقصى سنة 1969، ولا بالحفريات تحته والتي دخلت مرحلتها العاشرة، ولكن الملفت للنظر أن عمليات الاعتداء على الأقصى قد زادت بشكل كبير بعد اتفاق أوسلو 1993.

فقد كان عدد الاعتداءات المسجلة عليه في الفترة 1967-1990 حوالي 40 اعتداء، لكن الفترة 1993-1998 شهدت 72 اعتداء. وفي العام الماضي وحده (سنة 2004) تمّ تسجيل 16 اعتداء.

"
خطورة اقتحام الأقصى تكمن في مخاوف من حالة البرود واللامبالاة التي قد تصيب الناس مع الزمن نتيجة تكرار خبر اقتحامه بحيث يصبح خبرا عاديا
"
لقد أحدث إعلان منظمة رباباه اليهودية المتطرفة في شهر مارس/آذار الماضي عن خطتها اجتياح المسجد الأقصى بعشرة آلاف مستوطن ردود فعل كبيرة في العالم الإسلامي.

ورغم أن هذه المنظمة لم تتمكن من تحقيق هدفها في اليوم الذي حددته في 9 نيسان/أبريل 2005 بسبب استعداد وجاهزية الفلسطينيين لمواجهته وحالة الإثارة العالمية حول مشروع الهجوم، فإنها أعلنت أنها ستقوم بالمحاولة نفسها كلّ شهر.

وخطورة الموضوع تكمن في أن هناك 25 منظمة متطرفة مشابهة لها، ثم إن هناك مخاوف من حالة البرود واللامبالاة التي قد تصيب الناس مع الزمن نتيجة تكرار مثل هذه الأخبار، بحيث يصبح اقتحام الأقصى خبرا عاديا.

2-القدس القديمة: وهي القدس المسورة التي لا تزيد مساحتها عن ألف دونم، وهي في قلب الصراع على المدينة. فبعد بضعة أيام من احتلال القدس قام الإسرائيليون بتدمير حي المغاربة (135 بيتا ومسجدان) وجعله ساحة لعبادتهم مقابل حائط البراق (أو ما يسمونه حائط المبكى).

وسيطر الصهاينة على كل حارة الشرف (الحي اليهودي)، كما سيطروا على الحي الأرمني، وتغلغلوا في الحي المسيحي (خصوصا بعد سيطرتهم على دير مار يوحنا الكبير سنة 1992)، وتمكنوا حتى الآن من وضع اليد على سبعين بؤرة سكنية في الحي الإسلامي في القدس.

وقد زاد اليهود نفوذهم مؤخرا من خلال الصفقة التي تورط فيها بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية إيرينيوس والتي شملت فندقين و27 محلا.

3-الطوق الاستيطاني: وحتى تحكم السلطات الإسرائيلية سيطرتها على القدس الشرقية، وحتى تصادر أكبر قدر ممكن من الضفة الغربية، قامت بتوسيع مساحتها من 6.5 كيلومترات مربعة إلى أن بلغت 123 كيلومترا مربعا سنة 1990.

كما استولت على 86% من أراضي القدس ومنعت الفلسطينيين من استخدام 10% من الأرض، ليبقى لهم 4% فقط، وأنشأت 11 حيا يهوديا في القدس الشرقية، ثم أحاطتها بطوق آخر من 17 مستوطنة يهودية إلى أن بلغ عدد اليهود شرقي القدس نحو 200 ألف مستوطن.

"
مع اكتمال بناء الجدار ستفقد القدس 90% من أراضيها وبالتالي سيعزل 617 موقعا مقدسا وأثرا حضاريا عن محيطها العربي والإسلامي
"
4-جدار الفصل العنصري: وحتى يكتمل الخناق حول القدس بدأت السلطات الإسرائيلية ببناء جدار عازل حول القدس الشرقية يصل طوله إلى نحو 72 كيلومترا، حيث تم بناء 26 كيلومترا منه فعلا.

وتُبنى فكرة مسار الجدار على:
1. ضم أكبر قدر من الأرض الفلسطينية.
2. ضم أقل عدد من السكان الفلسطينيين.
3. ضم المستعمرات اليهودية حول القدس وتأمين تواصلها الجغرافي.

ووفقا للتقديرات، فإن الجدار سيعزل 18 قرية وبلدة فلسطينية يسكنها 220 ألف فلسطيني عن القدس، وهي قرى وبلدات تشكل امتدادا طبيعيا لها، وترتبط بها اقتصاديا واجتماعيا، وهو ما سيحرمها أيضا من مصدر رزقها الرئيسي.

ويمزق الجدار النسيج الاجتماعي لمنطقة القدس، إذ يشق قرية السواحرة التي يبلغ سكانها 25 ألفا فيضع 10 آلاف شرق الجدار و15 ألفا آخرين غرب الجدار، ويقطع الجدار قرية أبو ديس فيعزل حي أم الزرازير وحي خلة عبد عن باقي القرية.

كما يشطر ضاحية السلام غربي قرية عناتا إلى شطرين، ويقسم قرية بيت حنينا الفوقا إلى قسمين، ويفصلها عن 7 آلاف دونم من أراضيها الزراعية، ويحيط الجدار بقرية الجيب ليصادر 85% من أراضيها.

وهكذا، فمع اكتمال بناء الجدار ستجد محافظة القدس أنها فقدت 90% من أراضيها. ثم إن استكمال هذا الطوق الخطير على القدس يعني باختصار عزل 617 موقعا مقدسا وأثرا حضاريا عن محيطها العربي والإسلامي.

5-التضييق على السكان العرب: إن الـ4% المتبقية من مساحة القدس الشرقية هي التي يستطيع أن يعيش فيها أكثر من 230 ألف فلسطيني، والحصول على رخصة بناء بيت هو حلم يحتاج نحو خمس سنوات مع مصاريف تصل إلى 25- 30 ألف دولار أميركي، وهو إنجاز لا يحصل إلا نادرا.

والسلطات الإسرائيلية لا تسمح عادة بصيانة المباني وترميمها أو توسيعها وزيادة طوابقها. وعندما يضطر المقدسي إلى البناء دون ترخيص يكون الهدم مصير بيته كما حدث لـ170 وحدة سكنية سنة 2004 ، ولـ157 وحدة سكنية سنة 2003.

وإذا اضطر المقدسي للسكن خارج بلدية القدس في مناطق الضفة الغربية المجاورة فإن قانون "مكان الإقامة" الإسرائيلي سوف يلاحقه، ويصادر بطاقته المقدسية ويحرمه من السكن في القدس.

فقد تمت مصادرة 6381 بطاقة هوية مقدسية في الفترة 1967-2000. وتلاحق المقدسي الضرائب والإغلاقات العسكرية وتحرشات اليهود المستوطنين.

وأشارت تقديرات حديثة إلى أن 58% من أبناء القدس في حالة فقر. وهكذا فإن هناك سعيا إسرائيليا حثيثا لتفريغ القدس من أهلها العرب.

ماذا بقي؟

"
تشهد السنوات الماضية أن الأقصى كان هو العصب الحساس الذي كلما حاول الصهاينة الضغط عليه تفجر في وجوههم
"
العمل الصهيوني الدؤوب المنظم لإلباسها وجها يهوديا لا يكاد يبقي شيئا من القدس التي نعرفها. إن شارون وحكومته ليسوا في عجلة من أمرهم في عملية التفاوض لأن هذا يعطيهم فسحة أطول من الوقت لمزيد من التهويد وفرض الحقائق على الأرض.

ربما لم يبق إلا القليل من الأرض. ولكن في المقابل بقي الكثير من مشاعر العزة والكرامة وحب الدفاع عن المسجد الأقصى والقدس في نفوس أبناء فلسطين.

وتشهد السنوات الماضية أن الأقصى كان هو العصب الحساس الذي كلما حاول الصهاينة الضغط عليه تفجر في وجوههم، كما حدث إثر حريق الأقصى سنة 1969، وعند افتتاح النفق تحته سنة 1996، وإثر زيارة شارون للأقصى سنة 2000 والتي فجرت انتفاضة الأقصى.

لقد فشلت مفاوضات كامب ديفد الثانية بشأن الوضع النهائي في يوليو/تموز 2000 أساسا بسبب القدس. وقال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات حينها "إنه لم يولد الزعيم العربي الذي يتنازل عن القدس"، وأكد أن التنازل عن القدس "يأكل الحي والميت".

قد يستطيع الإسرائيليون أن يجمعوا على ملكية القدس وأنها عاصمتهم الأبدية، ولكنهم بالتأكيد لن يحصلوا على السلام، ولن تبقى موازين القوى لصالحهم إلى الأبد.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة