فريد أساسرد

صلاحيات الرئيس
أزمة فرضتها التطورات
شرعية البرلمان وشرعية الشعب
آفاق يرسمها الدستور

وصلت الأزمة بين الحزبين الكرديين الرئيسيين الحزب الديمقراطي برئاسة مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني بزعامة جلال الطالباني إلى نهايتها أخيرا، بعد الاتفاق على أخطر مسألة واجهت الحزبين منذ سقوط النظام العراقي، وهي مسألة صلاحيات رئيس إقليم كردستان شمال العراق.

فقد توصل الحزبان، بعد مفاوضات ماراثونية، لاتفاق على قضايا هامة من قبيل توحيد الإدارتين في أربيل والسليمانية وخوض الانتخابات التشريعية العامة والإقليمية, بقائمة واحدة، وتشكيل قائمة انتخابية واحدة في انتخابات مجلس محافظة مدينة كركوك. وبلغ التنسيق في المواقف حد الاتفاق على دعم الحزب الديمقراطي لجلال طالباني لتولي منصب رئيس الجمهورية في العراق، في مقابل قبول الاتحاد الوطني تولي مسعود بارزاني منصب رئيس إقليم كردستان.

وبغض النظر عن الدوافع, فإن الاتفاق حول تقاسم السلطة لم يتطرق إلى التفاصيل، كما أن الطريقة التي تم بها الاتفاق على تقاسم السلطة, خلقت لدى المراقبين انطباعا يشكك في قدرة القيادات الكردية على التعامل مع القضايا الحساسة بدقة وموضوعية، كما كشف الخلاف الأخير أن القيادات الكردية لاتزال ماضية في أسلوب الاعتماد على حسن النية أكثر من اعتمادها على برامج العمل الدقيقة. ويصعب أن نفهم الدوافع التي حالت دون تناول الطرفين تفاصيل مسألة تقاسم السلطة رغم كونها واحدة من أخطر القضايا الحساسة في أية مفاوضات سياسية.

"
يصعب فهم الدوافع التي حالت دون تناول الحزبين الكرديين تفاصيل مسألة تقاسم السلطة رغم كونها واحدة من أخطر القضايا الحساسة في أية مفاوضات سياسية
"
صلاحيات الرئيس
وفي الوقت الذي كان فيه الطالباني يُنصب في بغداد كأول رئيس عراقي منتخب ويحوز على قبول الغرب والعرب والأتراك والإيرانيين, فوجئ المكتب السياسي لحزبه بما اعتبره تطلعات غير موضوعية للصلاحيات التي يريد الحزب الديمقراطي منحها لزعيمه، الرئيس المقبل للإقليم.

شكلت, وتشكل, قضية رئيس الإقليم, قضية هامة لكلا الحزبين، ورغم أن الاتحاد الوطني كان قد تخلى طواعية عن هذا المنصب لصالح الحزب الديمقراطي, إلا أن اندفاعة الحزب الديمقراطي لتوسيع صلاحيات الرئيس كانت مفاجئة.

ونحن هنا أمام وجهتي نظر مختلفتين، فقد اعتبر الحزب الديمقراطي أن موافقة الاتحاد الوطني على تولي البارزاني رئاسة الإقليم, تتضمن موافقته الضمنية على أية صلاحيات يطلبها الحزب الديمقراطي لرئيسه، وتفاقمت الأزمة عندما أصر الاتحاد الوطني على ألا يكون منفذاً ميكانيكيا لإرادة الحزب الديمقراطي.

ولا تشكل مسألة تقاسم السلطة بين الحزبين أزمة مستحدثة، فقد جرى أول تقاسم للسلطة بين الطرفين عام 1986 إبان الثورة, بعد المصالحة التي أدت لاحقاً إلى تشكيل الجبهة الكردستانية، واتفق الطرفان خلالها على تقاسم ما عرف في حينه بـ"الحاكمية", أي إقرار سلطة الحزب الديمقراطي في كل المناطق الممتدة من حاجى عمران حتى الحدود التركية، والتسليم بسلطة الاتحاد الوطني على المنطقة الممتدة من رواندوز شمالاً حتى خانقين جنوبا، أما ثاني تقاسم للسلطة فقد جرى في عام 1992, بعد الانتخابات التشريعية التي أفرزت برلماناً تقاسم الحزبان مقاعده مناصفة.

ويبدو التقاسم الحالي للسلطة بين الحزبين في غاية الأهمية بالنسبة للوضع القانوني للإقليم، بسبب عزم الأكراد على تنظيم علاقاتهم مع المركز في الدستور المقبل، بشكل يعطيهم القدرة على الاندماج السياسي في العراق، ويحل مشكلة رسم الحدود الجغرافية لإقليمهم.

أزمة فرضتها التطورات

"
يبدو التقاسم الحالي للسلطة بين الحزبين الكرديين في غاية الأهمية بالنسبة للوضع القانوني للإقليم لتسهيل اندماجهما السياسي في العراق ورسم الحدود الجغرافية لإقليمهم
"
ورغم كون مسألة تقاسم السلطة بين الحزبين قضية غير طارئة, فإن منصب رئيس الإقليم تبدو فكرة حديثة، فأول قانون انتخابات في إقليم كردستان يخلو من التطرق إلى مسألة رئيس الإقليم، لكن نقاشات مستفيضة جرت في عام 1991 حول ضرورة أن يكون للأكراد (قائد) يحسم الجدل الساخن حول قبول أو رفض مشروع الحكم الذاتي والمصالحة مع بغداد. وفي ربيع 1992 طرح الأكراد قانونين, يتعلق الأول بالانتخابات التشريعية، والآخر معني بانتخاب قائد الحركة التحررية الكردية.

وفي الوقت الذي منح القانون الأول صلاحيات محددة للبرلمان المحلي, منح قائد الحركة التحررية صلاحيات واسعة، وإذا كانت الجولة الأولى من الانتخابات لم تحسم الصراع بين المرشحين الأربعة على منصب قائد الحركة التحررية, فإن كلا من الطالباني والبارزاني اللذين كان يفترض أن يخوضا غمار الجولة الثانية من الانتخابات, تخليا طواعية, ودون إبداء أية أسباب, عن المنافسة لتولي منصب قائد الحركة التحررية، وتم إلغاء الجولة الثانية من الانتخابات دون إعلان رسمي.

ثم عادت الأزمة للبروز مجددا بين الحزبين، عندما طرح الحزب الديمقراطي فكرة مفادها أن قانون عام 1992 المخصص لانتخاب قائد الحركة التحررية، يمكن أن يكون الركيزة الأساسية لقانون انتخاب رئيس الإقليم. إلا أن الاتحاد الوطني عارض هذا الطرح بناء على مرتكزات أربعة. الأولى, هي أن قانون عام 1992 لا يتطرق إلى انتخاب رئيس للإقليم بل يتعلق بشكل رئيسي بتعيين قائد للحركة التحررية الكردية، وأن الوضع الحالي يستدعي إيجاد قانون خاص لانتخاب رئيس للإقليم. والثانية, أن الصلاحيات التي يريدها الحزب الديمقراطي لرئيس الإقليم صلاحيات تكاد تكون مطلقة، وأن الصلاحيات في النظم الديمقراطية محددة وغير محصورة في يد رجل واحد. والثالثة, هي أن انتخاب رئيس الإقليم يجب أن يتم عن طريق البرلمان المحلي, وليس عن طريق الانتخابات المباشرة، وتشكل النقطة الأخيرة مسألة جوهرية. والرابعة, أن ظروف المرحلة الانتقالية يجب أن توضع في الحسبان وأن الإقليم بحاجة إلى ما يمكن أن يكون رئيسا "انتقالياً" للإقليم وليس "دائماً".

"
لا يطمح البارزاني أن يحصل على شرعية تستند إلى أصوات ممثلي الشعب في البرلمان المحلي فحسب, بل إلى أصوات الشعب بشكل مباشر
"

شرعية البرلمان وشرعية الشعب
وعلى الرغم من أن الحزب الديمقراطي أبدى ما يمكن تسميته تنازلا عن إصراره على إبعاد البرلمان المحلي عن عملية انتخاب رئيس الإقليم, فإن الغاية التي كان يرمى الحزب الديمقراطي إلى تحقيقها هي أن يحصل لرئيسه على شرعية تفوق شرعية الطالباني، ورغم أن شرعية طالباني لا تشوبها شائبة, فإنها تظل في كل الأحوال شرعية تستند إلى أصوات ممثلي الشعب في البرلمان الإقليمي. أما ما كان يطمح إليه البارزاني فهو ليس أن يحصل على شرعية تستند على أصوات ممثلي الشعب في البرلمان المحلي فحسب, بل على أصوات الشعب بشكل مباشر, لصبح بذلك أول زعيم عراقي يحصل على منصبه عن طريق الانتخاب المباشر.

ولا شك أن الأزمة ألحقت ضرراً أدبياً بالأكراد، فقد كان مخططاً أن يسارع الأكراد لعقد أول جلسة لبرلمانهم المحلي قبل انعقاد الجلسة الأولى للجمعية الوطنية العراقية، وكان يفترض أن ينهوا تشكيل حكومتهم الموحدة قبل أن يتمكن العراقيون من تشكيل حكومتهم في بغداد، على أن شيئاً من هذا لم يحدث بسبب فشل الأكراد في احتواء أزمة صلاحيات رئيس الإقليم. وأعطت الأزمة كذلك انطباعاً بأن مشاكل الأكراد, شأنها شأن مشاكل الطوائف العراقية الأخرى, قابلة للتفجر وخلق أزمات، وهو ما يناقض الانطباع السابق الذي قدم الأكراد كمثال على الانضباط ووحدة الصف.

وبفضل جهود الطالباني بالدرجة الأولى تمكن الأكراد من احتواء أزمة صلاحيات رئيس الإقليم، لكن الخطورة بالنسبة للأكراد تكمن في أن المسائل مترابطة ومتداخلة، فبسبب عدم الاتفاق على صلاحيات رئيس الإقليم, تأخر انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان المحلي وتأخر تكليف نيجيرفان البارزاني بتشكيل الحكومة الموحدة, وتأخر كذلك تشكيل مجلس المحافظة في كركوك الذي يهيمن أعضاء الحزبين على معظم مقاعده، وبهذا المعنى, فإن التوصل إلى حل يؤدي إلى انفراج الأزمة, يعني البدء بحل المشاكل والقضايا العالقة.

آفاق يرسمها الدستور
بيد أن الانتهاء من أزمة صلاحيات رئيس الإقليم لا تعني سد الطريق بشكل كامل على احتمال بروز مشاكل أخرى, بعضها على صلة بالمنصب وصلاحياته، إذ لا يرد أي ذكر لمنصب رئيس الإقليم في قانون إدارة الدولة العراقية، ويعطي المنصب الانطباع بأنه ابتداع كردي من أجل تسهيل تقاسم السلطة، وإذا قرر الدستور العراقي الذي أعلنت أسماء الهيئة المكلفة بكتابة مسودته, انتفاء الحاجة إلى وجود رؤساء للأقاليم في الفيدرالية العراقية المقترحة، والاكتفاء بمناصب رؤساء الوزراء الإقليميين, فإن الحاجة إلى اتفاق جديد على تقاسم السلطة في الإقليم بين الحزبين ربما يؤدي إلى تفجر الخلافات من جديد.

وحتى في حال أقر الدستور منصب رئيس الإقليم, فإن اتفاق الحزبين على الربط بين بقاء الطالباني في رئاسة الجمهورية لولاية ثانية، وبين استمرار العمل بالتقاسم الحالي للسلطة في الإقليم, ربما يجعل الاختلاف بين الطرفين حول صيغة معدلة لتقاسم السلطة أكثر احتمالا.
________________
كاتب كردي

المصدر : الجزيرة