ساندي شانكس

 

لماذا يكنون لنا كل هذا الكره؟!! هذا السؤال راود الكثير من الأميركيين عقب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001. وهذا السؤال يعود إلى الجهل الناجم عن الخطأ الأميركي المزمن، وهو اللامبالاة بالتاريخ على مدى العصور.

 

تفتقر الأغلبية الساحقة من الأميركيين إلى المعرفة بماضي البلاد النائية مثلما يفتقرون إلى معرفة بلادهم ذاتها، وهذا في حد ذاته يشكل خطرا كبيرا إذ أننا نعيش على هذا الكوكب سويا مع أعراق أخرى، وهذا الجهل بالتاريخ يولد سوء الفهم.

 

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الوعي بالماضي سيف ذو حدين وأن على العرب أن يتعلموا الكثير من الغرب، فإن الحقيقة تبقى أنه منذ سقوط الإمبراطورية العربية في القرن الحادي عشر لم يتمكن العرب من تقرير مصيرهم، وهذا الحال هو نفسه اليوم متمثلا في هجوم الرئيس الأميركي جورج بوش على العراق.

 

"
تعرضت الأراضي العربية للتخريب على أيدي الصناعات الغربية التي تعول على النفط العربي لتسيير مركباتها وطائراتها وسفنها ومصانعها
"
فبعد أن أحكم السلاجقة الأتراك قبضتهم على أراضي حوض البحر الأبيض المتوسط، المعروفة حاليا بفلسطين وبلاد الرافدين (العراق)، أطلق البابا إيربان الثاني أول حملة صليبية لبسط الهيمنة على الأرض المقدسة عام 1069.

 

ثم قامت الجيوش الغربية بخلق أربع مستعمرات، أقيمت إحداها في القدس. وباستخدام العبارات الرنانة، مضى الصليبيون والجيوش الأوروبية بغزواتهم الدينية على الشرق الأوسط، فكانت الحملة الصليبية الرابعة آخر غارة رئيسية عام 1204، نهب الصليبيون خلالها إسطنبول.

 

وتلا السلاجقة الأتراك الإمبراطورية المغولية (1219-1500)، وعلى أنقاضها قامت الإمبراطورية العثمانية.

 

وعندما كانت الإمبراطورية العثمانية في أوجها عام 1566 امتدت سيطرتها على الأراضي العربية بدءا من بلاد الرافدين مرورا بالأرض المقدسة حتى شمال أفريقيا الممتد بين مصر وتونس.

 

وبقيت الهيمنة العثمانية على العراق وفلسطين حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، حيث وقعت تلك الأراضي تحت السيطرة البريطانية، إلى أن نال العراق استقلاله عام 1932.

 

ولم تكن أكبر دولة عربية في العالم من حيث السكان، مصر، بأفضل حال، فقد تعرضت للهجوم التركي، وفي عام 1798 بسط نابليون فرنسا هيمنته عليها واندحر على أيدي القوات البريطانية والتركية عام 1801.

 

ثم تلت ذلك فترة من الحكم الذاتي على أيدي الألباني محمد علي، ومع ذلك تم تقرير مصير مصر عام 1869.

 

وفي ذلك الوقت قامت فرنسا بحفر قناة السويس وأحكمت بريطانيا لاحقا قبضتها عليها، وإذا جاز التعبير، فإنها مازالت تحت الهيمنة الغربية حتى يومنا هذا.

 

وفي عام 1882 احتلت بريطانيا مصر، وعقب ذلك تمكن جمال عبد الناصر من تأميم القناة عام 1956، غير أن الحرب التي اشترك فيها البريطانيون والفرنسيون في ذلك العام ضده أكدت أن مصر لا تحكم سيطرتها على القناة.

 

وفي هذه الأيام تخضع القناة والمرور إلى البحر الأحمر وبحر العرب لهيمنة الأساطيل الأميركية الخامس والسادس والسابع، كما هو الحال في الخليج العربي. وهذا يسبب امتعاضا في أوساط العرب.

 

أما العرب الذين قطنوا الجزيرة العربية التي تحولت إلى المملكة السعودية عام 1932 فكانوا يتمتعون بالاستقلال، بمعناه الاصطلاحي العام، منذ أيام الإمبراطورية الإسلامية.

 

وبناء على ذلك فإن المملكة السعودية يمكنها أن تتمتع بالاستقلال في الوقت الذي تحتضن فيه قواعد أميركية في جدة والرياض والظهران، فضلا عن مواقع أخرى سرية، ألا يستدعي ذلك الامتعاض العربي؟.

 

ويجدر التنبيه إلى أن مصير مصر كان قد حدد عام 1869، كما تم تحديد مصير المملكة السعودية والعراق ودول شرق أوسطية أخرى في الثلاثينات من القرن العشرين، وهي الفترة التي اكتشف فيها النفط.

 

يمتلك الشرق الأوسط أكبر احتياطي من الذهب الأسود، حيث تأتي في المقدمتة السعودية يليها العراق، ولهذا انتقلت الشركات الغربية إلى تلك المنطقة.

 

وعليه تعرضت الأراضي العربية للتخريب على أيدي الصناعات الغربية التي تعول على النفط العربي لتسيير مركباتها وطائراتها وسفنها ومصانعها. وهذا يستدعي مزيدا من الامتعاض العربي.

 

"
أكبر عار لحق بالعرب مما حاكه الغرب ضدهم تمثل في إقامة دولة إسرائيل، وقد كان خلق تلك الدولة اليهودية حافزا قويا "للإرهاب" الإسلامي كما نعرفه هذه الأيام
"
وأكبر عار لحق بالعرب مما حاكه الغرب ضدهم تمثل في إقامة دولة إسرائيل، وقد كان خلق تلك الدولة اليهودية حافزا قويا "للإرهاب" الإسلامي، كما نعرفه هذه الأيام.

 

لذا تحول القوميون العرب بعد أن تسلل الإحباط إليهم عقب الهزائم في الحروب ضد إسرائيل أعوام 1948 و 1956 و1967 وانتصارهم في حرب يوم الغفران عام 1973 إلى إرهابيين.

 

وبات كل هدف في الغرب لعبة مفتوحة، مثل أحداث أولمبيات ميونيخ عام 1972 واختطاف السفينة أكيلي لورو عام 1985، فضلا عن الهجمات على برج التجارة العالمي 1993 و2001.

 

واتسعت رقعة قائمة الأهداف في الواقع على مدى السنين، ومع ذلك ظل الكثير من الغربيين يكنون الاحترام لدولة إسرائيل، وإن لم يكن هذا هو بيت القصيد.

 

وحتى يتمكن الأميركيون من فهم الصورة الكاملة لأم الاعتداءات، يرجى التمعن بهذا السيناريو السخيف.

 

لنفترض أن جامعة الدول العربية لديها القدرة على استقطاع جزء من الولايات المتحدة، لنقل مونتانا، وما يحمله ذلك من عدم احترام لسكانها ومن ثم زرعها بألد أعدائنا أعضاء تنظيم القاعدة. ألن يخلق ذلك شعورا بالهيجان والاستياء لدى الأميركيين؟.

 

كيف حدث ذلك؟ تلك القصة تتسم بالقذارة، ففي عام 1917 استنفدت الخزانة البريطانية بسبب الحرب، وكانت بريطانيا تواجه الهزيمة، فقدم وايزمان، الناشط في منظمة الصهيونية العالمية وأول رئيس إسرائيلي المساعدات المالية والأسلحة المتطورة لوزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور.

 

وكانت النتيجة وعد بلفور سيء السمعة الذي أشار بشكل ملبس إلى أن الحكومة البريطانية تؤيد قيام وطن قومي لليهود في فلسطين، وأنها ستحاول بكل المساعي تسهيل تحقيق ذلك الهدف، وسط تجاهل الحقوق الدينية والمدنية للمجتمعات غير اليهودية التي تقطن تلك المنطقة.

 

وقد أثار بلفور الحيرة إذ أنه أضاف أخيرا في مذكرة عام 1919 فقرة تقول: "فيما يتعلق بفلسطين فلن نعير اهتماما لأماني السكان المحليين للمنطقة"، ثم تلا ذلك تبني الأمم المتحدة لوعد بلفور عقب الحرب العالمية الثانية.

 

وفي الرابع عشر من مايو/ أيار عام 1948 خرجت دولة إسرائيل إلى الوجود تحت قيادة ديفد بن غوريون، وهذا أيضا يستدعي الامتعاض العربي.

 

وتلا الحرب العالمية الثانية انهيار الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية، فجاءت الولايات المتحدة الأميركية لملء هذا الفراغ، وأخذت تجوب البحار مهيمنة بشكل منقطع النظير، مما جعلها هدفا.

 

إدراكا مني لذلك فضلا عن وعيي بما تعنيه القومية العربية من تذبذب لما يزيد عن 200 عام، فقد كدت أبكي عندما علمت أن بوش غزا العراق.

 

وهذا ما أوقع شبابنا ومستقبلنا في شرك بعيدا عن الوطن وهدفا لانتقام العرب, في الوقت الذي مازال يعتقد فيه البعض أن هدف الولايات المتحدة في العراق هو خلق الديمقراطية.

 

غير أن أهداف بوش وتبريراته للحرب تغيرت عبر السنوات، حيث كان آخرها ما تبناه عقب خطابه لاتحاد الدولة في  فبراير/ شباط 2005.

 

"
يصعب نسيان الهيمنة الغربية التي امتدت قرونا طويلة وتجاهل المواقف الأميركية المتعالية، ومع ذلك فإن الاعتراف بما لحق بالعرب من ضيم يمكن أن يقود إلى التفاهم
"
مرة أخرى يصبح التاريخ كارثة، إذ لم يحدث أن جاءت الديمقراطية عبر البنادق، كما أن المتطلب الحقيقي للديمقراطية يكمن في التعليم والتعليم العلماني، ولا ينبثق عن تعاليم الإنجيل أو القرآن، فالتعليم الذي ينحدر من الدين يولد عدم التسامح.

 

والدين يصلح فقط للبيت والمسجد والكنيسة والأفكار الفردية، مع أن كلا الديانتين الإسلام والمسيحية من أعظم الديانات في العالم.

 

هل تبرر الهيمنة الخارجية التي دامت أكثر من 900 عام ومشاركة القوى الغربية بنصيب الأسد، تلك الفظائع؟ بالطبع لا. لن يجدي نفعا قتل 25 شخصا وجرح 50 آخرين في جنازة.

 

ومع ذلك فإن المقاتل في المقاومة العراقية هو جندي، والجنود موالون للحقيقة. إحدى هذه الحقائق تنطوي على أن الهجمات المتواصلة على الشرطة العراقية ووحدات الحرس الوطني من شأنها أن تكون سببا كافيا لبقاء القوات الأميركية زمنا أطول في العراق.

 

وعند لحظة ما سيأتي الجندي ويجلس على طاولة المفاوضات، ولكن ليس لدي أدنى فكرة عما سيحدث هناك.

 

ومن ناحية أخرى فإنه يصعب نسيان الهيمنة الغربية التي امتدت قرونا طويلة، والتخلص من المواقف الأميركية المتعالية، ومع ذلك فإن الاعتراف بما لحق بالعرب من ضيم يمكن أن يقود إلى التفاهم.

___________________

كاتب أميركي

المصدر : الجزيرة