ياسر الزعاترة

 

منذ تشكيل الحكومة الجديدة في الأردن برئاسة الأكاديمي عدنان بدران والأوساط السياسية، وإلى حد ما الشعبية، لاسيما الشرق أردنية منها، منشغلة بدلالات التوليفة التي تضمنتها الحكومة، والتي بدت خارجة إلى حد ما عن السياق العام للحكومات الأردنية خلال العقدين الماضيين.

ولا يتعلق الأمر بغياب التمثيل المعقول للجنوب الأردني "مدينة الكرك تحديدا" فحسب، وهو ما أثار احتجاجات نيابية وغير نيابية، بل أيضا، وهو الأهم، فإنه يتعلق باتساع دائرة التمثيل الفلسطيني في الحكومة "9 من أصل 21"، إضافة إلى رئيس الحكومة نفسه الذي أعاده البعض إلى أصوله الفلسطينية البعيدة، وهو الأمر الذي لم يحدث من قبل مع شقيقه مضر بدران.

والحال أن البعدين المشار إليهما قد تداخلا إلى حد كبير في سياق الاحتجاج على الحكومة، مضافا إليهما ذلك البعد المتصل بالتوجهات النيوليبرالية لجزء من الفريق الوزاري بزعامة باسم عوض الله، الوزير من أصل فلسطيني، وهي توجهات تقابل بقدر من الرفض أو التحفظ ليس في أوساط الشرق أردنيين المعتمدين على القطاع العام فحسب، ولكن أيضا من قبل الشريحة الأوسع من ذوي الأصول الفلسطينية الذين ترهقهم سياسات الخصخصة والانفتاح التي تتوسع في فرض الضرائب وتزيد العبء على الفقراء في أغلب الأحيان.

"
الشرق أردنيون يسيطرون على القطاع العام الحكومي والبرلماني والعسكري والأمني، فيما يسيطر الفلسطينيون على القطاع الخاص وما يتعلق بالثروة
"
لسنا هنا في وارد الحديث عن خصوصية الحكومة الحالية وأبعادها الداخلية والخارجية، لكننا نشير إليها مقدمة لرؤية حول قضية لا يكاد الجدل حولها يتوقف حتى يعاود الاندلاع من جديد، مع أنه لم يتوقف عمليا خلال العقدين الماضيين، أعني ذلك المتصل بمعادلة التمثيل الفلسطيني في المؤسسة السياسية والأمنية، مقابل دوره الكبير في القطاع الخاص.

 

وهذه المعادلة كانت في طور الرسوخ بحيث يمكن القول إن التمثيل السياسي في الحكومات لا يزال يراوح في حدود الثلث وأحيانا أقل من ذلك، فيما لا يتعدى الـ20% في التمثيل البرلماني، وفي الحالين لم يكن هناك نص ولا تحديد رسمي، وإن بدا أن القانون الانتخابي بالنسبة للبرلمان لا يسمح بأكثر من ذلك على الرغم من أن الفلسطينيين في الأردن هم في حدود نصف السكان.

 

بالنسبة للمؤسسة الأمنية والعسكرية يمكن القول إن التقليد فيها قد بدا راسخا أيضا خلال ذات المدة، إذ بدا التمثيل الفلسطيني فيها هامشيا إلى حد كبير، أكان تبعا لتوجهات مدروسة كما في العقود الثلاثة الأخيرة، أم كان بسبب عزوف القطاع الفلسطيني عن الانخراط في الشق العسكري خلال المرحلة السابقة، فيما كان له بعض الحضور في الشق الأمني منها.

 

هكذا بدت المعادلة معروفة إلى حد كبير، فالشرق أردنيون يسيطرون على القطاع العام الحكومي والبرلماني والعسكري والأمني، فيما يسيطر الفلسطينيون على القطاع الخاص وما يتعلق بالثروة، وإن بدا أن بعض الأوساط في الطرف الثاني لا تقر بهذه المعادلة من زاوية التوصيف العملي على اعتبار أن الشريحة الأوسع من الفلسطينيين قد دخلت مثل نظيرتها الشرق أردنية في حال من التراجع الاقتصادي، الأمر الذي لا يخفف منه وجود أعداد كبيرة من أصحاب الملايين من الفلسطينيين.

 

فيما دخل الطرف الشرق أردني ميادين المال والأعمال وصار له أثرياؤه أيضا ممن لا يغيرون من حقيقة أوضاع الشريحة الأوسع من ذات الفئة، ولعل ذلك هو ما دفع الشريحة الواسعة من الفلسطينيين إلى الجهر بمطالبها في دخول القطاع العام بعدما أصبحت الوظيفة الحكومية مطلوبة، خلافا لما كان عليه الحال حتى منتصف الثمانينات، إضافة إلى مطلب إنساني بسيط يتعلق بفرص أبنائهم في دخول الجامعات الحكومية ذات الرسوم المنخفضة نسبيا.

  

كل ذلك لم يكن ليغير من حقيقة أن الفلسطينيين في الأردن يتمتعون بواقع معيشي وسياسي وحقوقي ودستوري لا يمكن مقارنته بأحوال إخوانهم في سوريا ولبنان، ولو لم تتراجع الأحوال الاقتصادية خلال العقدين الأخيرين لما كان منهم أي شكوى أو تذمر على هذا الصعيد.

 

"
الفلسطينيون في الأردن يتمتعون بواقع معيشي وسياسي وحقوقي ودستوري لا يمكن مقارنته بأحوال إخوانهم في سوريا ولبنان
"

في حين بدا التذمر الشرق أردني من نظرية السيطرة الفلسطينية على الاقتصاد يتعالى شيئا فشيئا في ظل إقبال واسع من قبلهم على التعليم العالي بسبب المنح والمراعاة في القبول الجامعي، وهو ما كان يصل بأكثرهم بعد ذلك إلى حضن الوظيفة الحكومية المتاحة، خلافا للطرف الفلسطيني الذي تراجع إقباله على التعليم العالي في ظل محاباة الطرف الآخر، إلى جانب غياب منح أوروبا الشرقية التي كانت تتوفر عن طريق منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية والحزب الشيوعي.

 

خلال المرحلة الأخيرة التي نتحدث عنها، وفيما كان الشرق أردنيون يتحدثون بنوع من التذمر عن السيطرة الفلسطينية على الاقتصاد، فقد برزت أصوات فلسطينية تتحدث عن "الحقوق المنقوصة" للفلسطينيين في الأردن.

 

وفي الغالب فقد كان أصحاب تلك الأصوات ممن تبوؤوا مناصب في مؤسسات الدولة ولبعضهم علاقاتهم دولية معروفة، وهو ما أثار الكثير من اللغط في الساحة المحلية، حيث ووجهت بموجة رفض في الأوساط الشرق أردنية، مقابل صمت في الأوساط الفلسطينية لاسيما في ظل إدراك الشريحة الفقيرة والمتوسطة من بينهم بأن معركة هؤلاء لا تنتمي إلى هواجسهم على نحو مقنع على رغم ترديدها لبعض مطالبهم.

 

لا خلاف على أن تلك الأصوات قد برزت في ظل التقدم الظاهر في عملية التسوية بعد مدريد وأوسلو ووادي عربة، وما يشبه الإجماع بين القائمين عليها والمروجين لها على أن اللاجئين لن يعودوا إلى وطنهم، ما يجعل من حقهم المطالبة بحقوقهم السياسية في البلد الذي يعيشون فيه ويحملون جنسيته منذ زمن بعيد.

 

وكان لافتا أن يلتقي ذلك مع تقرير للسفارة الأميركية في عمان يتحدث عن الغبن الذي يتعرض له الفلسطينيون في الأردن قياسا بتعدادهم السكاني.

 

في ظل هذا الجدال المتواصل تبرز الحاجة إلى أصوات عاقلة ترسم ملامح للعلاقة الأردنية الداخلية لا تسمح لمنطق الشرق الأوسط الكبير القائم على الشرذمة والتفتيت بالتسلل إليها، لاسيما في ظل وجود أصوات موتورة بعضها يعرف ما يفعل، فيما لا يعي البعض الآخر خطورة النفخ في مسائل من هذا النوع والمدى الذي يمكن أن تصل إليه لعبة التأزيم.

 

لقد كان مأمولا أن تلعب الحركة الإسلامية دور الناظم للعلاقة الداخلية كونها الجهة السياسية شبه الوحيدة المؤهلة لدور من هذا النوع، وهي التي تضم بين صفوفها نخبة من مختلف المنابت والأصول.

 

لكن الموقف الرسمي القائم على سياسة التحجيم للحركة فضلا عن ضعف الأداء السياسي لديها لم يسعفها للاضطلاع بدور حيوي من هذا النوع، بل يمكن القول إن حشرها في الإطار الفلسطيني قد بدا ممكنا رغم أن الفرز القيادي في صفوفها كان يميل على الدوام لصالح الشرق أردنيين.

 

ومما ساعد في هذه اللعبة هو الغالبية الفلسطينية بين نوابها في مختلف الدورات تبعا لشعبية حماس في الوسط الفلسطيني، وميل هذا الوسط عموما نحو خطاب المعارضة الذي تتبناه الحركة بشكل من الأشكال.

 

"
ما ينبغي تأكيده هو أن قبول الفلسطينيين بالقسمة القائمة لا ينبغي أن يتم على قاعدة الرضا بالظلم، بل على قاعدة التعامل مع الحاضر على نحو لا يغفل معطيات الماضي والمستقبل
"
 

وفي العموم فإن الحركة لم تقدم مساهمة واضحة وقوية على هذا الصعيد، ربما بسبب حساسية الموقف، على الرغم من أن القطار لم يفت بعد إذا توفر الخط السياسي الصحيح والحازم.

 

عموما لا يبدو من العسير القول إن حديث العقل لا يزال شاغرا إلى حد كبير من دون أن يعني ذلك أننا إزاء أزمة مستفحلة، إذ إن من الصعب على أي مراقب أن يتحدث عن أزمة بالمعنى الحقيقي للكلمة، أقله حتى الآن، وكل ما هنالك أنه همس ليس من الصعب حصاره بخطاب العقل والمنطق.

 

ومن الواضح أن ثمة حاجة ماسة لطمأنة الشرق أردنيين إلى أن الفلسطينيين لا يناضلون من أجل تحقيق العدالة الكاملة، بمنطق صوت واحد لرجل واحد، كما لو كان الوضع طبيعيا تماما، أكان في البرلمان أم المؤسسة التنفيذية أم الأمنية والعسكرية.

 

ذلك أن وضوح مرامي هذا الخطاب ومن ثم السعي في هذا الاتجاه، وبخاصة من خلال الاستعانة بضغوط خارجية تتبنى التوطين وإنهاء ملف اللاجئين كأحد العوائق أمام التسوية، هو وصفة قد تفضي إلى انقسام حاد في المجتمع لا تحمد عقباه.

 

من هنا يمكن القول إن قبول الفلسطينيين بالمعادلة القائمة على الصعيد السياسي والأمني، إذا تزامنت مع تحقيق مطالب مفهومة تتعلق بإعلاء قيمة المواطنة بعيدا عن حكاية الأصول والمنابت وبخاصة ما يتعلق بالمعاملة أمام المؤسسات والأجهزة الرسمية، لا يشكل معضلة بالنسبة إليهم.

 

ويعني هذا الأمر إمكانية الإبقاء عليه في ظل الظروف الموضوعية القائمة، ولعل ما يسهل هذا القبول هو أن الشريحة الأوسع من الفلسطينيين لم تشعر يوما أن من تقلدوا المناصب العليا من أبنائها كانوا يمثلونها أو يعكسون هواجسها، ما جعلها غير معنية في يوم من الأيام بإحصاء الوزراء والبحث في أصولهم ومنابتهم.

 

وما ينبغي تأكيده هو أن قبول الفلسطينيين بالقسمة القائمة لا ينبغي أن يتم على قاعدة الرضا بالظلم، بل على قاعدة التعامل مع الحاضر على نحو لا يغفل معطيات الماضي والمستقبل.

 

فهنا ثمة فئة ليس من الصحيح القول إن عودتها إلى فلسطين قد غدت مستحيلة، بل إن الواجب الفلسطيني والأردني لا يزال يستدعي إصرار الجميع على حق العودة ورفض التوطين النهائي.

 

وقد نذهب أبعد من ذلك بالقول إن عودة الضفتين إلى نوع من الفدرالية في يوم من الأيام ليس مستحيلا أيضا، وفي كل الأحوال فإننا إزاء وضع مؤقت بصرف النظر عن المآلات التي سيصل إليها.

 

"
الوضع يستدعي قدرا من التسامح فيما يتصل بمساهمة الفلسطينيين في الأردن في القضية الفلسطينية، وبخاصة ما يتعلق بحق العودة للاجئين وبالطبع بما لا يخل بالأمن الأردني
"

والواقع الذي لا ينبغي تجاهله أيضا هو أن آليات الصراع مع المشروع الصهيوني وحيويته لحاضر الأمة ومستقبلها ما زالت تستدعي الإبقاء على قضية اللاجئين حاضرة خلال المحطات المقبلة، وهو ما لا ينسجم مع دمج الفلسطينيين بشكل كامل وشامل في الحياة السياسية الأردنية على قدم المساواة الكاملة مع الشرق أردنيين، الأمر الذي قد يدفع إلى الحد من أي مساهمة فاعلة في القضية الفلسطينية.

 

ولعل من التناقضات التي تواجه مؤيدي سياسة التسوية بشكل شامل وكامل، لاسيما في الشق الشرق أردني، هي أزمة المساواة الكاملة التي سيخلقونها إذا تمت تلك التسوية بالفعل.

 

كل ذلك يستدعي بالمقابل قدرا من التسامح فيما يتصل بمساهمة الفلسطينيين في الأردن في القضية الفلسطينية، وبخاصة ما يتعلق بحق العودة للاجئين، وبالطبع بما لا يخل بالأمن الأردني، وهو ما يتطلب قدرا من التعبير عن الهوية الفلسطينية لا يتناقض مع واجبات المواطنة الأردنية، وهي معادلة دقيقة لكنها ممكنة لاسيما في فترات التصعيد في القضية الفلسطينية.

 

ونذكر بأن هذا القدر من التعبير عن الهوية الفلسطينية لا يتم على قاعدة التناقض مع الأخ والشقيق، بل على قاعدة المواجهة مع مساعي الاحتلال لشطب قضية الفلسطينيين في الشتات.

 

ثمة بعد آخر لا بد من التعاطي معه بقدر من العقلانية والتسامح أعني ذلك البعد المتعلق بمصالح الفئات المحدودة الدخل في الإطار الفلسطيني في الأردن، ولاسيما قضية التعيينات في الوظائف الحكومية ومساعدات الفقراء، إلى جانب القبول في الجامعات الحكومية، وهذه لا يمكن التعامل معها بذات "الكوتا" السياسية والأمنية والعسكرية.

 

إن الجزم بمصير القضية الفلسطينية، فضلا عن التفاصيل الكثيرة المتعلقة بالحلول المقترحة، مثل طبيعة الدولة ومسألة حق العودة للاجئين، كل ذلك لا يبدو متاحا ضمن الظروف الراهنة، وإلى أن ينجلي المشهد عن حل ما، الأمر الذي لا يبدو مؤكداً أيضاً، إذ إن استمرار الصراع إلى زمن طويل لا يزال أمامنا، ولربما أفضى إلى حسمه لصالح العرب والمسلمين.

 

إلى أن يحدث ذلك، فإن بالإمكان التعامل مع الأوضاع القائمة مع تحسينات أو تعديلات من ذلك اللون الذي أشرنا إليه، أما الحديث بمنطق الحسم، أكان عبر مطالبة الفلسطينيين في الأردن بتجاهل قضيتهم والقبول بما هو قائم بل ودعم تسوية تتجاهلهم، أم باعتبار الوضع القائم وضعا نهائيا والتعامل على أساسه في توزيع الكعكة السياسية وغير السياسية.

 

كل ذلك لا يمكن أن يشكل عناوين لخطاب يحافظ على الحد الأدنى من التوافق الوطني والشعبي، بقدر ما يفسح المجال أمام أصوات لا تبتغي المصلحة العليا لا لفلسطين ولا للأردن كي تنفخ في نار الفتنة التي لا تخدم إلا مصلحة الأعداء في نهاية المطاف، وهنا تحديدا تتساوى الأصوات التي تؤجج المخاوف من التهام الفلسطينيين الأردن مع تلك التي ترفع شعارات "الحقوق المنقوصة" و"المساواة الكاملة".
ــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة