أكرم البني

 

منعطف نوعي في العلاقات

سيناريوهات التهدئة والتصعيد

سياسة المماطلة والتسويف

 

يمكن اعتبار الضغوط الأميركية التي تتعرض لها سوريا في هذه الآونة غير مسبوقة أو من "العيار الثقيل" إن صحت العبارة، ليس في حجمها وجديتها فقط وإنما في شدة تواترها، فقد انطلقت موجتها الأولى فور الاحتلال الأميركي للعراق حين تم توظيف نشوة الانتصار في تهديدات سياسية وعسكرية واضحة بأن تكون دمشق المحطة التالية بعد بغداد.

 

وتلاها تصويت الكونغرس على قانون محاسبة سوريا، ثم ما عرف عن دور أميركي فاعل في إصدار القرار 1559، فاستدعاء السفيرة الأميركية من دمشق إثر جريمة اغتيال رفيق الحريري واتخاذ قرار أممي بتشكيل لجنة تحقيق دولية لكشف اللثام عن مرتكبيها.

 

كل ذلك مع متابعة أميركية حثيثة لضمان انسحاب كامل للقوات العسكرية والأجهزة الأمنية السورية من لبنان، ربطاً مع ما يشاع عن نصائح أميركية لإسرائيل كي تهمل المبادرات السورية للعودة إلى طاولة المفاوضات وأخرى للأوروبيين بالتشدد في اشتراطاتهم قبل توقيع عقد الشراكة مع سوريا.

 

وترافق كل ذلك مع إعلان رسمي وللمرة الأولى، عن لقاء مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية مع معارضين سوريين مقيمين في الخارج، وكأن الغرض من الأمر توجيه رسالة حازمة إلى النظام السوري بأن ثمة بديلا يتم تحضيره عملياً على صورة التجربة العراقية ومثالها.

 

ثم كانت أخيراً وربما ليس آخراً الأخبار التي يجري تداولها إعلاميا عن توجه داخل الكونغرس لإصدار قانون يعتبر حزب البعث العربي الاشتراكي منظمة إرهابية، بما يعني جواز معاملته أسوة بالتنظيمات والأحزاب الموضوعة على لائحة الإرهاب!

 

منعطف نوعي في العلاقات

"
تشهد العلاقات الأميركية السورية اليوم منعطفا وتنوعا في الأسباب، ومن ذلك أنه يمكن الربط بين  ضغوط واشنطن على دمشق بسير الأوضاع أمنياً وسياسياً في العراق
"
مما لا شك فيه أن تفسير تواتر الضغوط الأميركية على سوريا وقراءة المجرى أو المسار الذي يمكن أن تتخذه يختلف اختلاف تفسير غرض الولايات المتحدة منها، هل ترمي إلى إحكام العزلة والحصار على النظام تمهيداً لإسقاطه؟ أم تقف عند حدود إجباره على إنجاز تغييرات نوعية في البنية السياسية السورية؟

 

هذه التغييرات التي ستفكك السيطرة الشمولية وتضع علاقة أكثر انفتاحاً بين السلطة والدولة والمجتمع، وتكتفي بما درجت عليه العادة من ممارسة الابتزاز فقط لإخضاع السلطة السورية القائمة للمطالب الأميركية وتحوير دورها الإقليمي بما يخدم مخططاتها.

 

وبمعنى آخر هل يحتمل أن تتخذ السياسة الأميركية اليوم موقفاً جذرياً جديداً من النخبة الحاكمة في سوريا وتقطع معها؟ أم تستمر في نهجها البراغماتي لتمرير مصالحها، ربما بمبادلة العودة إلى صمتها عن "الداخل السوري " بتنازلات يقدمها الحكم في صيغ تعاون صريح وملموس لتعزيز سيطرتها في المنطقة؟ 

 

لكن كثيرا من المراقبين يجدون أنه لم يعد مبكراً أو ليس من التسرع القول إن العلاقات الأميركية السورية تشهد اليوم منعطفاً نوعياً، وإنها صارت من اجتهادات أيام زمان ربط أسباب ضغوط واشنطن على دمشق وتنوع صورها وحدتها مع سير الأوضاع أمنياً وسياسياً في العراق، فما يميز التصعيد الأميركي اليوم أنه يتم في شروط ومناخات جديدة تعطيه معناً جديداً وأفقاً جديدا.ً

 

أولاً، استمرار ولاية الرئيس الأميركي جورج بوش ما أعطى سياسته الهجومية زخماً، وعزز دور المحافظين الجدد وما يحملونه من مشاريع وسياسات خاصة لإعادة تشكيل المنطقة، أو لكونهم بالحد الأدنى أكثر قيادات البيت الأبيض تحرراً من الحاجة لمراعاة مصالح الأنظمة العربية ومشاعرها. خصوصاً بعد أن تعززت قناعتهم بضعف مصداقية الحكم السوري وطرائق التسويف والمماطلة التي تسم سلوكه، وقد استنفذوا دور حمائمهم ككولن باول لحمله على الاستجابة لمطالبهم واشتراطاتهم.

 

"
الموقف الفرنسي   المتفهم سابقا للسياسة الإقليمية السورية تحول إلى معارض لها بسبب تجاهل النظام عن سابق إصرار وتصميم للمصالح الفرنسية وللكثير من المبادرات  الأوروبية
"

وثانياً، النجاح النسبي للانتخابات العراقية ووضوح إرادة أكثرية العراقيين في تغليب الخيار السلمي وعملية بناء دولتهم على ما عداه، بما في ذلك تراجع وتيرة العمليات العسكرية أو على الأقل انخفاض آثارها السياسية، وأيضاً ما كشفته تحقيقات عراقية عن ضلوع أجهزة أمنية سورية في مساندة فلول النظام السابق وتسهيل تواصلها مع أنصاره، ربطاً مع تنامي حال قلق وعدم ارتياح أميركيين من غموض سياسات النظام الإقليمية تجاه الشأنين العراقي والفلسطيني.

 

ثالثاً، تحقق شبه إجماع فلسطيني يلتف حول النهج السلمي للقيادة الفلسطينية الجديدة التي انتخبت بعد رحيل عرفات، ما أضعف قدرة النظام السوري على التأثير بالحال الفلسطينية أو إرباك مسار المفاوضات المفترض أن تتلقى دفعة قوية مع إقرار خطة الانسحاب من غزة.

 

رابعاً، فشل الجهود السورية في إحياء تحالفاتها القديمة التي خلقت لها فيما مضى حداً من التوازن في مواجهة الإرادة الأميركية، حيث أخفقت زيارتا موسكو وطهران في تفعيل الدورين الروسي الإيراني الداعمين لها تاريخياً.

 

فالواضح أن روسيا لا تزال محكومة بحساباتها الخاصة وتشغلها أولاً متابعة التطورات النوعية التي تجري على حدودها، أوكرانيا وقرغيزيا مؤخراً.

 

كما أنها عاجزة عن المبادرة للعب دور مهم في أزمة المنطقة، وحتى في حال بادرت فإن مبادراتها لن تلقى الاستجابة والتقدير المطلوب من كافة الأطراف كي يكتب لها النجاح، أما إيران فتعاني من حصار مشابه بسبب ملفها النووي وربما تحتاج اليوم إلى من يدعمها ويساندها.

 

خامساً، نجاح واشنطن في توحيد إيقاع سياستها في المنطقة مع الحلفاء الأوروبيين وطي ملف الخلافات التي نشأت جراء تفردها بقرار الحرب على العراق، وما كان لهذا النجاح أن يتحقق لو ما استثمر البيت الأبيض تراجع ثقة الأوروبيين بحكومة دمشق، وخصوصاً الموقف الفرنسي الذي انعطف من دور اعتدنا أن يكون نصيراً أو على الأقل متفهماً للسياسة الإقليمية السورية إلى معارض لها بسبب تجاهل النظام ربما عن عمد وسابق إصرار وتصميم المصالح الفرنسية والكثير من المبادرات والنصائح الأوروبية.

 

سادساً، ما خلفته جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري من إعادة رسم مشهد جديد من المواقف والاصطفافات العربية في ضوء المسؤولية السياسية عن ذلك والتي حملت للنظام السوري، ناهيك عن ظهور اتهامات صريحة ضده.

 

وبحصول حالة جفاء مع السعودية وبرودة في العلاقة مع مصر يزاح الحيز الأهم من الغطاء والدعم العربيين للنفوذ السوري المشرقي، وما زاد الأمر انكشافاً ارتفاع نجم الصف اللبناني المعارض وتقدم دوره سياسياً وشعبياً ضد الوجود العسكري والأمني وتالياً الدور السياسي السوري في لبنان.

 

سيناريوهات التهدئة والتصعيد

"
هناك آراء أميركية  تجد أن إدارة الفوضى المحتملة بعد سقوط النظام خير من هدر الوقت والجهد في العلاقة مع حكم البعث السوري
"
فيما مضى كانت الإدارة الأميركية مطمئنة نسبياً إلى الروح العامة التي تحكم السياسات الإقليمية السورية، روح التفاهم والتوافق، لكن في ضوء تفارق مصالحهما ودوريهما نوعياً بعد احتلال العراق وما شاب علاقتهما من جفاء وتوتر، وربطاً مع التطورات السابقة الذكر تبدو اليوم إدارة البيت الأبيض طليقة اليدين تجاه ما تسميه نظاماً عصياً.

 

كما أنها تبدو أكثر تحرراً من حاجتها للمقايضة والتفاهم مع الحكم السوري، بل أقرب إلى حال المواجهة والصدام، وربما التطلع إلى القطع معه والحض على تغيير جذري في البنية الداخلية السوري حتى لو أفضت إلى إطاحته، كما تدعو دراسات متعددة لأكثر من معهد أميركي معني بشؤون المنطقة.

 

لكن بغض النظر عن تكتيكات السياسة الأميركية التي وضعت موضع التنفيذ اليوم وسيناريوهات التهدئة والتصعيد، يبقى اللافت أن إدارة البيت الأبيض قد رفعت بصورة لافتة من سقف اشتراطاتها وأيضاً من عزمها وجديتها في التعاطي مع النظام السوري.

 

كما أنها تظهر إصراراً وحزماً على تجريده من نفوذه الإقليمي تماماً وتالياً من كافة الأوراق التي ملكها والتي ساعدته على التأثير في شؤون المنطقة وأسباب استقرارها، بما في ذلك إنهاء دوره، فعلياً لا شكلياً، كملاذ آمن لبعض الفصائل الفلسطينية المعارضة وكداعم لحزب الله اللبناني.

 

إن هذا الأمر يطوي في حال نجاحه، مرة وإلى الأبد، المقولة التي راجت لعقود من الزمن بأن "لا حرب دون مصر ولا سلام دون سوريا " ويقلب القاعدة التي ما فتىء الإعلام الرسمي يكررها بأن سوريا طرف لا غنى عنه لضمان الاستقرار والسلام في المنطقة.

 

وفي هذا الصدد ثمة اعتبارات تدخل في الحسابات الأميركية وقدرتها على دفع موقفها الى نهايته القصوى وتالياً في حسم خيارها تجاه مستقبل النظام السوري، أهمها الموقف الأوروبي الذي لا يزال يبدي تحفظاً شديداً على إجراء انقلاب دراماتيكي في البنية السياسية السورية أو إزاحة سريعة للسلطة الحاكمة.

 

وترشح المعلومات وجود دور أوروبي لتهدئة حماس واشنطن وتخفيف اندفاعها، وأن الأوروبيين يتخوفون جدياً من احتمال حصول فوضى جراء التغيير الجذري والسريع الذي قد يخلط الأوراق إلى درجة العجز عن إعادة الإمساك بها أو السيطرة عليها.

 

ويرفد الموقف الأوروبي اجتهادات أميركية تتخوف أيضاً من احتمال انفلات الأوضاع وتخشى خسارة ما تمت مراكمته من خطوات حتى الآن، فلا تزال التسوية الفلسطينية تعاني من صعوبات وتتقدم ببطء شديد.

 

ولا يزال الوضع العراقي محفوفاً بالمخاطر الأمنية وأيضاً السياسية، وليس ثمة بديل هو موضع ثقة واطمئنان يمكن أن يخلف النظام السوري.

 

فالمرجح عند الطرفين الأوروبي والأميركي أن تتقدم تيارات إسلامية لم تختبر سياساتها الداخلية والإقليمية بما يكفي لسد الفراغ!

 

لكن يبدو اليوم أن الاجتهادات السابقة لا تحظى بوزن كبير في البيت الأميركي، فهناك آراء معاكسة تجد أن إدارة الفوضى المحتملة بعد سقوط النظام خير من هدر الوقت والجهد في العلاقة مع حكم البعث السوري.

 

وثمة إشارات عديدة تفصح عن تراجع مخاوف واشنطن وبعض الأوروبيين من احتمال وصول تيار إسلامي معتدل إلى السلطة، مستندين في بناء مواقفهم الجديدة إلى فشل أساليب الإقصاء والتصفيات الأمنية وإلى التجربة التركية كمثال ناجح.

 

سياسة المماطلة والتسويف

"
أكدت التجربة مراراً أن مناخ الحريات والتعددية هو الوحيد القادر على رص الصفوف وتعبئة كل القوى للنجاح في مقاومة الضغوط ومواجهة الأخطار الخارجية
"
إن الضغوط الأميركية على سوريا مستمرة، تهدأ حيناً وتثور أحياناً، لكن المرجح أنها تسير نحو مزيد من التصعيد والتشدد، خصوصاً إذا تم التخفيف من قيمتها ولم تؤخذ على محمل الجد، وتالياً إذا استمرت السلطة القائمة في إدارة الأزمة بحسابات المصالح الخاصة وبعقلية الماضي ومناوراته.

 

وقد أكدت التجربة مراراً أن مناخ الحريات والتعددية هو الوحيد القادر على رص الصفوف وتعبئة كل القوى للنجاح في مقاومة الضغوط ومواجهة الأخطار الخارجية.

 

والمنطق يشير إلى أن ثمة تناسبا طرديا بين ضرورة الانفتاح السياسي وشدة الضغوط الخارجية، وأن من الطبيعي في ظروف الحصار والأزمة المبادرة بجدية وعزم نحو تغيير علاقات السلطة مع المجتمع، والمسارعة إلى الانفتاح على الناس لتوفير المناخات المساعدة على مزيد من العمل المشترك والتضحية لنصرة المصلحة الوطنية العليا.

 

لكن يبدو أن الوقائع تقول وللآسف إن سياسات الحكم في سوريا تسير، حتى الآن، عكس التجربة وضد المنطق، ولا تزال تعتمد سياسة المماطلة والتسويف، مرة بالحديث عن التدرج والمرحلية في الإصلاح، ومرة بتعليق كل شيء على المؤتمر القُطري كأنه قادر على "انتشال الزير من البير"، هذا إذا لم نقل إن ثمة خشية من أن تنقلب السلطة في ضوء ارتفاع حرارة التهديدات والتحديات الخارجية نحو المزيد من التقوقع والانغلاق، وتالياً المزيد من الضبط والقمع لإخضاع المجتمع وإحكام السيطرة عليه.

 

وإذا كانت ثمة جدية في الرد على الضغوط والتهديدات الخارجية وكف أذاها عن المجتمع والسلطة على حد سواء، فليس بالقمع والقهر والتعبئة الأيديولوجية تحيى المواجهات، بل بإرساء ركائزها ومقومات نجاحها على الأرض.

 

وبالتوقف عن إطلاق دعوات الاستقطاب الحادة والمسطحة، مع السلطة أو ضدها، والتي عطلت ولا تزال تعطل بناء قاعدة مواجهة عريضة هي ضرورة مطلوبة في مواجهة ميزان القوى المختل.

 

وكذا المبادرة لإطلاق عملية الإصلاح الديمقراطي على مداها لتحقيق نتائج مهمة، على طريق بناء المواطنة وضمان الحريات واحترام التعددية وحقوق الانسان كضرورة لا غنى عنها لتحسين صورة سوريا في أوساط الرأي العام العربي والدولي وكسب تعاطفه.
ـــــــــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة