عبد الوهاب المسيري

النشيد الوطني لأي بلد يعبر عن أيديولوجية كاملة نابعة من رؤية للكون، وهي عادة ما تكون رؤية النخبة الحاكمة. وتكون مهمة النشيد تجنيد الجماهير في خدمة هذه الأيديولوجية. ومن ثم فالنشيد الوطني شأنه شأن الأيديولوجية قد يكون أداة لخدمة الجماهير (إن كانت النخبة الحاكمة تعمل لصالح الجماهير) وقد يكون أداة لتضليلها.

ولنبدأ بالنشيد الوطني الياباني الذي يسمى "كيمى جايو" أي "حكم إمبراطورنا" وهو له مذاقه الياباني الخاص، وفيما يلي نصه:

فليمتد حكمك السعيد عشرة آلاف عام

فلتحكم يا مولاي حتى تصبح الحصى الصغيرة

صخورا ضخمة من خلال توحدها عبر الزمان

تغطي جوانبها الموقرة الطحالب

"
الأمركة اخترقت جنبات المجتمع الياباني والأجيال الجديدة غير مهتمة كثيرا بتراثها أو حولته إلى مجرد زخارف جميلة ليس لها مضمون حقيقي
"
ولا يمكن فهم هذا النشيد إلا في سياقه الياباني. ولنبدأ بشرح واحد من أهم التفاصيل في النشيد وهو الإشارة إلى الحصى الصغيرة التي تتحول إلى صخور ضخمة. فقد تصور اليابانيون القدماء أن الصخور الضخمة كانت في الأصل حصى صغيرة، توحدت تدريجيا عبر الزمان إلى أن أصبحت صخورا ضخمة تعلوها الطحالب.

الإشارة هنا هي في واقع الأمر إشارة للزمن أو ربما إلغاء له، وهذا موضوع أساسي في النشيد. ويلاحظ أن النشيد لا يذكر الوطن ولكنه يركز على الإمبراطور.

ولكن الإمبراطور هنا ليس شخصا أو فردا، فهو يعيش عبر الزمان، بل إن الزمان نفسه يختفي والتاريخ يغدو لا وجود له، وهذا أمر مفهوم في إطار الرؤية الحلولية اليابانية حيث يتوحد الإله بالإمبراطور بالأرض بالشعب فيصبح الإمبراطور تجسدا للإله على الأرض التي تتقدس بسبب هذا التجسد، ومن ثم فعبادة الإمبراطور هي عبادة الوطن وهي في نهاية الأمر عبادة الشعب لنفسه.

ومثل هذه الرؤية انغلاقية تماما، إذ تقسم العالم إلى المقدس والمدنس، والأنا والآخر. ولعل هذا هو سر انغلاق اليابان الإقطاعية على نفسها، ومحاولة اليابان الحديثة أن تحتفظ بخصوصيتها (أو قداستها) اليابانية.

ويبدو أنها قد أخفقت تماما في ذلك، فالأمركة قد اخترقت جنبات المجتمع الياباني، والأجيال الجديدة غير مهتمة كثيرا بتراثها، أو حولته إلى مجرد زخارف جميلة ليس لها مضمون حقيقي. وهذه هي إحدى مفارقات الرؤية الحلولية التي تتسم بالتأرجح بين الانغلاق الكامل والانفتاح الكامل، وبالتشرنق والذوبان.

ويمكننا الآن أن نتحدث عن "الهاتيكفاه" النشيد القومى الإسرائيلي. و"هاتيكفاه" كلمة عبرية معناها "الأمل". والنشيد في الأصل كان نشيد الحركة الصهيونية قبل إعلان الدولة، وفيما يلي مقطوعتان من النشيد:

ما دامت روح اليهودي

في أعماق القلب تتوق

ونحو الشرق

تتطلع العيون لصهيون

أملنا لم يُفقد بعد

أمل ألفي عام:

أن نصبح شعبا حرا في أرضنا

أرض صهيون وأورشليم

والنشيد يشبه من بعض الوجوه الخطاب الصهيوني؛ فهو يتحدث عن التطلع إلى صهيون، وعن أمل لم يُفقد بعد، وعن شعب واحد، وعن أرض صهيون، كما يؤكد كل الثوابت والمنطلقات الصهيونية من أن يهود العالم إنما هم شعب واحد بغض النظر عن انتمائهم الطبقي أو الإثني، أي أنه يؤكد مفاهيم الوحدة والخصوصية اليهودية بطريقة غير مباشرة.

وكما أنه يلزم عن عمد الصمت تجاه أغلبية اليهود الساحقة التي ترفض العودة إلى أرض المعاد وليست لديها أي رغبة في ذلك، كما يلزم الصمت تجاه آلية العودة إلى هذه الأرض، وهي الإمبريالية العالمية التي منحته وعد بلفور ونصبت حكومة الانتداب لتؤمن له موطئ قدم ثم زودته بالدعم المالي والعسكري والنفسي بعد إنشاء الدولة، وهي عملية وصلت إلى ذروتها مع توقيع الاتفاق الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

"
أثيرت مؤخرا في إسرائيل قضية بشأن مضمون النشيد القومي، فإذا كان يتحدث عن أحلام اليهود فكيف يمكن أن يعتبره مواطنو الدولة الصهيونية العرب نشيدهم الوطني؟!
"
ويلزم النشيد الصمت أيضا تجاه آلية إفراغ الأرض من سكانها الأصليين. وغني عن الذكر القول إن هذه الآلية هي العنف والإرهاب المستمران، واللذان أصبحا حدثا يوميا بعد اندلاع انتفاضة الأقصى.

وهو لا يذكر أي شيء عن أي قيم مطلقة، دينية كانت أم أخلاقية، فالشعب هو مرجعية ذاته، ونقطة الجذب ومصدر التماسك هو أرض صهيون.

ونشيد الهاتيكفاه لا يختلف في هذا عن الأناشيد الوطنية العلمانية المختلفة التي عادة ما تجعل تراب الوطن هو الأرض المقدسة وتجعل الذات القومية هي العبد والمعبود والمعبد، والوطن فوق الجميع، وتظهر قيم مثل التربة والتراب والدم والعرق، باعتبارها مطلقات مرجعية.

ولكن على الرغم من الادعاءات القومية العلمانية لنشيد هاتيكفاه وحديثه عن الشعب الواحد والقومية اليهودية، فإن واقع النشيد ذاته يتحدى الأسطورة الصهيونية. فمؤلف النشيد وملحنه وكلمات النشيد وألحانه تبين عدم تجانس الجماعات اليهودية، وعدم وجود أية وحدة ثقافية أو قومية بينهم.

فمؤلف النشيد تنصَّر بعض الوقت وانتقل من شرق أوربا إلى غربها، ولم يطق العيش في فلسطين إلا لفترة قصيرة انتقل بعدها إلى الولايات المتحدة (حيث استقر مع الملايين من المهاجرين اليهود). وكلمات النشيد متأثرة بأنشودة وطنية بولندية أصبحت النشيد القومى لبولندا "بولندا لم تضع بعد، ما دمنا على قيد الحياة". وموسيقى النشيد مقتبسة من أغنية شعبية رومانية من مولدافيا (مسقط رأسه) تُسمى "العربة والثور".

وقام الصهاينة بمحاولات عدة لإعداد نشيد قومي ليست له أصول غربية (غير يهودية)، فأعلنوا عدة مسابقات، ولكن النتيجة جاءت دائما مخيبة للآمال. وقد أثيرت مؤخرا في إسرائيل قضية بشأن مضمون النشيد القومي، فإذا كان نشيد هاتيكفاه يتحدث عن أحلام اليهود، فكيف يمكن أن يعتبره مواطنو الدولة الصهيونية العرب نشيدهم الوطني؟!

ولأن الأناشيد الوطنية تعبر عن رؤية أيديولوجية للذات وللآخر فإنها نادرا ما تلجأ للمجاز، إذ يتم التعبير عن الأفكار بشكل بسيط ومباشر. ولكن النشيد القومي الشيشاني مختلف تماما عن معظم الأناشيد الوطنية التي أعرفها، فهو يستخدم مجموعة من الصور الشعرية المؤثرة إلى جانب التقرير المباشر:

في ليلة مولد الذئب خرجنا إلى الدنيا، وعند زئير الأسد في الصباح سمونا بأسمائنا

وفي أعشاش النسور أرضعتنا    أمهاتنا ومنذ طفولتنا علمنا آباؤنا فنون الفروسية والتنقل بخفة الطير في جبال بلادنا الوعرة

لا إله إلا الله

لهذه الأمة الإسلامية   ولهذا الوطن  ولدتنا أمهاتنا

ووقفنا دائما شجعانا نلبي نداء الأمة والوطن

لا إله إلا الله

جبالنا المكسوة بحجر الصوان   عندما يدوي في أرجائها رصاص الحرب

نقف بكرامة وشرف   وعلى مر السنين نتحدى الأعداء مهما كانت الصعاب

وبلادنا عندما تتفجر بالبارود   من المحال أن نُدفن فيها إلا بشرف وكرامة

لا إله إلا الله

لن نستكين أو نخضع لأحد إلا الله   فإنها إحدى الحسنيين نفوز بها: الشهادة أو النصر

لا إله إلا الله

جراحنا تضمدها أمهاتنا وأخواتنا بذكر الله

ونظرات الفخر في عيونهن تثير فينا مشاعر القوة والتحدي

لا إله إلا الله

إذا حاولوا تجويعنا سنأكل جذور الأشجار   وإذا منع عنا الماء سنشرب ندى النبات

فنحن في ليلة مولد الذئب خرجنا للدنيا

ونحن دائما سنبقى مطيعين لله وللوطن وهذه الأمة

لا إله إلا الله

يبدأ النشيد بمجموعة من الصور مأخوذة من الطبيعة، ولا أعرف بالتحديد دلالتها في التراث الشعبي الشيشاني، ولكن سياق النشيد يقرِّب لنا الدلالة.

فمن الواضح أن مولد الذئب ليلة يولد فيها المقاتلون الشجعان، تماما مثل ذلك الصباح الذي يزأر فيه الأسد، ثم تتوالى الصور الأخرى، فأمهم أرضعتهم في أعشاش النسور وعلمهم آباؤهم فنون الفروسية والتنقل بخفة الطير في الجبال.

وكل الصور أخذت من الطبيعة، ولكن مؤلف النشيد اختار منها عناصر غير عادية سواء كان مولد الذئب أم التنقل بخفة الطير. وهذه العناصر الطبيعية لم تستوعب الإنسان، وإنما وظفت لتبين أبعاد الإنسان الشيشاني الجهادية البطولية، فإنه جزء من جماعة إنسانية مترابطة، فالحديث عن الأمهات والآباء يبين الاستمرارية والترابط، ولذا حينما يلجأ المؤلف للتقرير المباشر في اللازمة المتكررة، فإن هذا لا يفاجئنا:

لا إله إلا الله

لهذه الأمة الإسلامية  ولهذا الوطن  ولدتنا أمهاتنا

ووقفنا دائما شجعانا نلبي نداء الأمة والوطن

لا إله إلا الله

"
بما أن الأناشيد الوطنية تعبر عن رؤية أيديولوجية فلابد أنها تعكس التطورات التاريخية التي تؤدي بدورها إلى تغيير توجه المجتمع ومن ثم أيديولوجيته
"
في هذه اللازمة المتكررة يحدد مؤلف النشيد معنى كل الصور، فهي تبدأ بالنصف الأول للشهادة الإسلامية الذي يشكل الإطار العام ورؤيته للكون. فانتماء هؤلاء المقاتلين الشجعان هو -منذ لحظة الميلاد- إلى الأمة الإسلامية وإلى وطنهم، أي أن لحظة الميلاد التي أكدت الانتماء إلى العائلة تمتد الآن لتصبح انتماء إلى الوطن والدين والإنسانية جمعاء.

ثم تنتقل العدسة من الحديث عن الأصول والجذور إلى الحديث عن الثمرة، أي المجاهد الذي يحمي بلاده وشرفه وكرامته.

ونلاحظ هنا أن المجاز يختفي تقريبا، ويلجأ مؤلف النشيد إلى التقرير المباشر، ويستمر التقرير المباشر، ثم يعود المجاز تدريجيا إلى أن نصل إلى المقطع الأخير لنعود مرة أخرى إلى الطبيعة، بعد أن تمت أنسنتها تماما، فجذور الشجر هي طعام المجاهد إن جوعه العدو، وندى النبات شرابه إذا منعوا عنه الماء، فالمجاهدون قد خرجوا إلى الدنيا "في ليلة مولد الذئب".

والذئب هنا ليس ذئب داروين الذي يفترس الضعيف، بل هو رمز الشرف والكرامة وكل ما هو نبيل في الإنسان. ولذا فلا مجال للغرور والخيلاء والظلم، ونحن دائما سنبقى مطيعين لله وللوطن وهذه الأمة، لا إله إلا الله. فالتوحيد هنا يعنى ألا يخضع الإنسان لظالم أو لبشر مثله، فهناك قيم تتجاوز الجميع، يحكم بها على الجميع.

وبما أن الأناشيد الوطنية تعبر عن رؤية أيديولوجية فلابد وأنها تعكس التطورات التاريخية التي تؤدي بدورها إلى تغيير توجه المجتمع، ومن ثم أيديولوجيته.

وهذا يظهر في تطور النشيد الوطني المصري، فالنشيد الوطني المصري قبل عام 1952 كان يمجد الملك وكان مجرد صدى للأغنية البريطانية God Save the King، مع الفارق أن الملك في إنجلترا كان يملك ولا يحكم، أما في بلادنا فالملك يملك ويحكم ويشكل وزارات ويسقطها ويتآمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وبعد قيام الثورة قامت عدة محاولات للوصول إلى نشيد وطني مصري، كان أولها:

"على الإله القوى الاعتماد

بالنظام والعمل والاتحاد"

ويتسم هذا النشيد بأنه لم يكن مباشرا وحسب وإنما بكونه عاما للغاية، ولعل هذه الصفة الأخيرة مردها أن الثورة لم تكن قد تحددت رؤيتها الثورية الإصلاحية بعد، كما أن طبيعة المواجهة مع إسرائيل والاستعمار الغربي ومدى حدتها لم تكن قد تحددت بعد.

والنزعة التعبوية واضحة تماما في نشيد "والله زمان يا سلاحي" الذي أصبح نشيد مصر الوطني بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956:

والله زمان يا سلاحي اشتقت لك في كفاحي

انطق وقول أنا صاحي يا حرب   والله زمان

"
لعل النشيد الوطني العربي يكون بداية للوحدة التي لم نخترها طواعية بل سيفرضها الواقع الدولي علينا فرضا
"
لكن مشكلة هذا النشيد أنه مرتبط بلحظة محددة، لحظة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 لا يتجاوزها، والنشيد الوطني يجب أن يتوجه للماضي والحاضر والمستقبل. ولا يذكر النشيد شيئا عن العروبة أو الإسلام، وهو مكتوب بالعامية المصرية مما يجعله محصورا بحدود تاريخية (اللحظة) وجغرافية (مصر).

ويلاحظ غياب نشيد وطني للعالم العربي ككل، رغم أن أغنية "الحلم العربي" نالت شعبية كبيرة خاصة بين الشباب، مما يبين أن الحلم العربي لم يمت بعد، وما أحوجنا في عصر التكتلات الاقتصادية السياسية الكبرى، أن تظهر كتلة عربية، تربط دولها وحدة ما، مهما كانت واهية، حتى يمكننا البقاء في مركز التاريخ وليس على هامشه، ولا نكون كاليتامى على مأدبة اللئام.

تصوروا كيف يمكن أن تكون علاقة البحرين، أو حتى تونس أو مصر، كل على حدة مع الاتحاد الأوروبي، أو مع الصين؟ وتخيلوا العكس، لو كل البلاد العربية مجتمعة دخلت في علاقة سياسية أو تجارية مع كل كتلة من هذه الكتل الكبرى، ألن يكون الوضع مختلفا تماما، وألن يكون موقفنا التفاوضي أقوى، بدل أن نهرول نحو الكويز، ظنا منا -بسبب ضعفنا– أن إسرائيل هي الطريق إلى الجنة والسوق الأميركي؟

ولعل النشيد الوطني العربي (الذي يمكن أن يتكون من عدة بيوت شعرية قصيرة تلحن وتنشد في دقيقتين، قبل النشيد الوطني لكل دولة، حتى نحتفظ بالحلم العربي لضمائرنا وللأجيال القادمة) لعل هذا النشيد يكون بداية للوحدة التي لم نخترها طواعية فإن الواقع الدولي سيفرضها علينا فرضا. والله أعلم.
ــــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة