تظهر الأحداث التي تجري بالعالم في مواجهة العولمة ومنظماتها الاقتصادية والأحداث التي جرت بجورجيا وأوكرانيا وأوزبكستان وقرغيزستان ثم لبنان ومصر، دورا جديدا متناميا للمجتمعات في الإصلاح السياسي ومواجهة السلطة، يتجاوز النخب والأحزاب السياسية التقليدية. كما أظهرت الانتخابات النيابية والبلدية التي جرت بدول عربية عدة تلاشي الأحزاب السياسية، وضعف تأثيرها وشعبيتها.
 
عصر المجتمعات
"
التغيرات العالمية القائمة على أساس المعرفة والمعلوماتية والاتصالات، تعطي المجتمعات والطبقة الوسطى فرصا جديدة تجعلها قادرة على التحرك وفرض إرادتها
"
نشأت بالسنوات القليلة الماضية تحولات وتحديات وفرص كبيرة وجديدة، تضيف إلى ضرورة وجود مجتمعات فاعلة وقادرة على تحقيق توازن عادل يحمي الديمقراطية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، أهمية قصوى تتعلق بمصير الاحتياجات والحقوق الأساسية كالتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية والعمل والسكن والانتماء والمشاركة والثقافة الوطنية والمجتمعية.
 
ومن أهم هذه التحولات تغير دور الحكومات والدول، وإسناد كثير من الخدمات الأساسية التي كانت تؤديها الدولة مثل التعليم والصحة والاتصالات والبريد والمياه والكهرباء وإدارة موارد الدولة إلى شركات استثمارية، مما جعل من هذه الخدمات سلعة تجارية لا تتاح إلا لمن يقدر على دفع ثمنها.
 
وفي الوقت نفسه فإن التحولات والتغيرات العالمية، القائمة على أساس المعرفة والمعلوماتية والاتصالات، تعطي المجتمعات والطبقة الوسطى فرصا جديدة، تجعلها قادرة على التحرك وفرض إرادتها.
 
وتتكون اليوم أدوات جديدة لفهم المجتمعات، واستقرارها، وتسييرها، تختلف عن السيطرة والتفاهم مع النخب والقيادات السياسية والاجتماعية ورشوتها، فالمعرفة المتاحة، والشبكية الإعلامية والمجتمعية والاقتصادية الناشئة تغير كل شيء في حياة وعلاقات الناس والمجتمعات والدول.
 
وهي بالمناسبة موجة لم تصنعها الولايات المتحدة، وإن كانت تحاول فهمها وتوظيفها والتكيف معها، وسيؤدي الانشغال المبالغ فيه بالنقاش حول مسألة الإصلاح وعلاقته بالولايات المتحدة الأميركية والغرب إلى استدراج تمارسه السلطات السياسية المنتفعة بالأوضاع القائمة والقلقة من تململ المجتمعات وتحولاتها، والتي تسعى إلى التهرب من مواجهة الموجة القادمة.
 
وتستطيع المجتمعات والجماعات الإصلاحية استباق الخسائر وتحويلها إلى مكاسب عظيمة إن بدأت فورا بالسؤال المؤدي إلى الفهم، والاقتراب من التفاعل مع اللحظة، فما يجري في العالم لا يستثني مجتمعا أو دولة ما.
 
وتدور حركات المجتمعات وتحولاتها حول مجموعة من الأسئلة عن الحريات والإصلاح والديمقراطية الاجتماعية والتي تفضي إلى حالة شراكة مع السلطة أو بديل لها في بعض الأحيان بإدارة الاحتياجات والخدمات التي تخلت عنها الدول والحكومات، وفي تحويل الديمقراطية والحريات إلى عقد اجتماعي تقوم عليه مصالح المجتمعات، على نحو لا يجعل الديمقراطية والإصلاح هبة من السلطة والنخب يمكن أن تنزعها في أي وقت تشاء.
 
فكيف ستدبر المجتمعات شؤونها بعد فترة من الزمن، حين لا يكون هناك وزارات للثقافة والإعلام والتعليم والزراعة والصحة وسائر الخدمات؟
 
وكيف ستواصل المجتمعات العمل الثقافي ورعاية الحركة الثقافية بعد وزارة الثقافة، وكيف ستحافظ على الغابات والمراعي والبوادي وتنميها في غياب وزارة الزراعة؟
 
كيف ستدير التعليم الجامعي والثانوي عندما يتحول إلى خدمة تجارية تقدمها شركات استثمارية؟
 
وهناك عشرات بل مئات الأسئلة تتعلق بمصالح بعيدة المدى يجب الاستعداد لها، وتأهيل المجتمعات لتكون قادرة على إدارتها وتنظيمها بدون رعاية أو دعم من الحكومات.
 
كيف يكون الإصلاح حالة مستمرة ودائمة لا يمكن التراجع عنها؟ كيف يمكن حماية الديمقراطية من مزاجية النخب والحكومات ومصالحها؟

السعي للديمقراطية الاجتماعية
"
انتفاضة المجتمعات القائمة اليوم تعبر عن الهواجس والتفكير في الاقتراب من أو الوصول إلى مشروعات وطنية اجتماعية تعيد تنظيم نفسها على أساس حماية المصالح
"
الديمقراطية الاجتماعية تعني تمكين المجتمعات من تنظيم نفسها وإدارة مواردها وحقوقها واحتياجاتها الأساسية، والقدرة على التأثير والمشاركة في الحكم على النحو الذي يوسع خياراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
 
وفي العالم الثالث ما زالت الديموقراطية فوقية تتدافع حولها النخب السياسية، وليست عقدا اجتماعيا تقوم عليه مصالح والتزامات الحكومات والمجتمعات والمؤسسات، وهذا سيجعلها فوقية خاضعة لمصالح النخب السياسية.
 
والأزمة القائمة اليوم بين المجتمعات والسلطة مردها إلى أن الحكومات والنخب مازالت تتجاهل دور المجتمعات الأهلية والطبقة الوسطى التي أضعفتها في المرحلة السابقة التحولات السياسية والاقتصادية، ولا يبدو أن ثمة برامج حقيقية لاستعادة دور هذه المجتمعات والطبقات وإعادة إنتاجها وتفعيلها.
 
وحتى تترسخ الديمقراطية والإصلاحات المرغوب بها فإنها تحتاج أن ترتبط بها مصالح الناس واحتياجاتهم وحقوقهم الأساسية.
 
كما أن الإصلاح تنشئه منظومة اجتماعية، وشبكة من العلاقات والمصالح، والديمقراطية تترسخ وتزدهر بتنظيم المجتمعات على أساس أهدافها المباشرة والعملية، والانتخابات والتشريعات يجب أن تعكس المصالح والثقافة الراسخة في المجتمع والدولة.
 
وانتفاضة المجتمعات القائمة اليوم في دول عدة تعبر عن الهواجس والتفكير بالاقتراب من أو الوصول إلى مشروعات وطنية اجتماعية تعيد تنظيم المجتمعات على أساس حماية مصالحها، وتؤسس لثقافة مجتمعية وطنية تعكس الاحتياجات الإصلاحية والتنموية والتحولات الكبرى الجارية.
 
إذ المجتمعات تحتاج أن تنظم نفسها على نحو يمكنها من مواجهة الشركات التي تدير احتياجاتها الرئيسية، فحين تسهل الحكومة للمستثمرين امتلاك البنى الأساسية للدولة وإدارتها واستثمارها فإن المجتمعات تحتاج إلى أن تنظم نفسها على نحو يعينها على الضغط على هذه الشركات والاستثمارات لتحصيل وحماية حقوقها.
 
وتحتاج المجتمعات أن تدفع الحكومات إلى إعادة توجيه الإنفاق باتجاه يرفع من مستوى المعيشة للفقراء في المجتمع، فإذا كان الإنفاق العام في بلد يشكل 25% من الناتج المحلي الإجمالي، وكانت نسبة الفقراء تساوي 20% وتنال 5% من الدخل –حيث أن الجزء الأكبر من الموارد يوجه لتحسين معيشة الفئة الغنية- فإن إعادة تخصيص ما يقارب 10% من الموازنة لهذه الفئة ستزيد دخلها بمقدار 50%.
 
كما أن الحكومات تؤجل دائماً مواجهتها ومعاركها مع الفئات الغنية والمتنفذة، أو لا تفكر فيها إطلاقاً وتتجرأ على الفئات الأضعف.
 
إن المجتمع الأهلي الحيوي والقوي والفاعل الذي تنسق حراكه طبقة وسطى ممتدة ومبادرة لا أحزاب ومنظمات ونخب متداعية ومعزولة وآيلة للانقراض أنشأتها ظروف واعتبارات لم تعد موجودة، هو القادر على التعامل الصحيح مع العولمة وتغير مفهوم ودور الدولة.
 
في مواجهة السلطة والشركات
"
السوق العالمية اليوم تقوم على داروينية اجتماعية لا تلقي بالا للفقراء والمجتمعات، والعملية الاقتصادية هي تنافس في غابة لا ترحم ولا مكان فيها للتعامل الأخلاقي
"
أدى انتشار التعليم وسيادة المعرفة ومرحلة المعلوماتية والاتصال إلى نشوء طبقات وسطى واسعة وممتدة تؤهلها لإنشاء شبكة من البنى الأساسية للحكم والإدارة والتنظيم، تكون قادرة على التحول والتحرك باتجاه أهداف المجتمع وأولوياته واحتياجاته الأساسية.
 
وما كان ينقص هذه الطبقة الوسطى هو إعادة تنظيم شبكية ومجتمعية "وليس منظماتية ومؤسساتية أو حزبية" على نحو يدرك المصالح البعيدة والقريبة المدى، وقد كشفت مواجهات هذه المجتمعات مع العولمة الليبرالية في أوروبا وأميركا -وإلى حد ما في آسيا وأفريقيا- أن هذه المجتمعات قادرة على إعادة تنظيم نفسها على نحو ليس هرميا تسيطر عليه قيادات ونخب ومنظمات، ولكنه شبكي عملاق ينتظم ملايين الأعضاء والجماعات والمنظمات.
 
فالاتحاد الأوروبي للنقابات العمالية الذي كان أهم شبكة عالمية تواجه مؤتمرات دافوس ومنظمة التجارة العالمية، يضم عشرات الملايين من الأعضاء الذين كانوا يتحركون بفعل الإنترنت والموبايل والفضائيات كما لو أنهم منظمة صغيرة.
 
و"الأممية الفلاحية" تضم حوالي خمسين مليون عضو من اتحادات وجمعيات المزارعين حول العالم، كانوا يتحركون معا لمواجهة منظمة التجارة العالمية والشركات العملاقة والسلطات المتحالفة معها لتنفيذ سياسات تضر بصغار المزارعين وبإنتاجهم.
 
والسوق العالمية اليوم تقوم على داروينية اجتماعية لا تلقي بالا للفقراء والمحتاجين والمجتمعات، والعملية الاقتصادية هي تنافس في غابة لا ترحم ولا مكان فيها للتعامل الأخلاقي، وهي بالمناسبة حالة تهدد جميع المجتمعات بما في ذلك الغربية الراعية للاقتصاد الشركاتي المعولم والمهيمن، فأنظمة الرفاه الاجتماعي والضمان والتقاعد والتأمين الصحي والادخار والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في أوروبا والولايات المتحدة باتت مهددة على نحو لا يختلف كثيرا عن التهديد والمعاناة القائمة في العالم الثالث.
 
وفي مقابل العولمة الرأسمالية المصممة للهيمنة والاستنزاف والنهب، ظهرت شبكة عالمية مجتمعية مضادة من المنظمات غير الحكومية والاجتماعية، فقد شارك حوالي ربع مليون متظاهر احتجاجا أمام اجتماع الثمانية الكبار "G8" في جنوا بإيطاليا في يوليو/تموز 2001، ويمثلون ألف حركة شعبية ومنظمة ونقابة منتشرة في 82 بلداً.
 
كما تظاهر أكثر من 600 ألف شخص في البرازيل أمام المنتدى الاجتماعي العالمي أوائل عام 2002، وكانوا يمثلون القارات الخمس وتنظمهم ألفا حركة شعبية ونقابية.
 
ويتكون المجتمع العالمي الجديد من مجموعات وجبهات عدة من المنظمات العمالية والنقابية، والحركات الفلاحية، والمنظمات النسائية، والمجتمعات المحلية والمجموعات السكانية المختلفة مثل الهنود الحمر، والحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية، مثل "أتاك" التي تهدف إلى استقطاع ضرائب على الصفقات المالية بهدف مساعدة المواطنين، وهي شبكة من الجمعيات واللجان والمكاتب والمؤسسات المتخصصة والداعمة.
 
"
مشكلات الفقر وغياب العدالة الاجتماعية سببها "تحالف المال والنفوذ" بين الحكومات والشركات ورجال الأعمال والذي يؤدي لمنظومة برامج وتشريعات تذبح الفقراء
"
وكذا منظمة يوبيل 2000، المنظمة المسيحية التي تناضل لإلغاء الديون الخارجية على الدول الفقيرة، والتي جمعت 17 مليون توقيع على عريضة مطالبتها.
ومنتدى الفقراء في تايلند وهي منظمة الفلاحين التي تضم في عضويتها حوالي نصف مليون شخص، وشبكة العالم الثالث في ماليزيا التي تنسق بين المنظمات النضالية المختلفة، بالإضافة إلى منظمات متخصصة بالأطفال والغذاء والإغاثة، وغير ذلك، وتتعاون مع هذه الشبكة منظمات دولية وإقليمية ووطنية لا تتحالف معها مباشرة، مثل منظمة العفو الدولية.
 
إن مشكلات الفقر وغياب العدالة الاجتماعية ليست في الخصخصة تماماً، ولكنها في التحالف الذي ينشأ بين الحكومات والشركات ورجال الأعمال "تحالف المال والنفوذ" والذي يؤدي إلى منظومة برامج ودورات اقتصادية وتشريعات تذبح الفقراء وتستنزف المجتمعات لصالح فئة قليلة.
 
ولا تحاول المجتمعات والطبقات الوسطى لكي تصحح هذا الوضع أن تعود إلى سابق وضعها الذي كانت عليه وبخاصة في السبعينيات، وحتى منتصف الثمانينيات "دولة الرفاه أو نموذج الدولة الرب الأكبر للعمل" ولكنها تسعى في دور جديد للمجتمعات يشكل توازنا مع الدولة والشركات التي تدير احتياجات هذه الطبقات الرئيسية.
 
فحين تسهل الحكومة للمستثمرين امتلاك البنى الأساسية للدولة وإدارتها واستثمارها، وتمنع في الوقت نفسه فئات المجتمع من تنظيم نفسها على نحو يعينها على الضغط على هذه الشركات والاستثمارات لتحصيل حقوقها وأجزاء من الأرباح الباهظة التي تجنيها، وتصدر تشريعات تنظم العمل والعلاقة بين العمال وأصحاب العمل على نحو يضع في الاعتبار فقط مصالح المستثمرين والشركات دون مراعاة لحقوق العمال والموظفين، فإنها تعين هذه الشركات على أن تبتز أبناء المجتمع وطبقاته وتحرمهم من حقوقهم واحتياجاتهم.
 
وقد حدث بالفعل أن حكومات عربية استخدمت في اجتذاب المستثمرين أوضاع العمل التي فرضتها، من محاصرة العمل النقابي وعدم فرض حد أدنى للأجور والتساهل بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي وإجراءات السلامة للعمال والموظفين وحق المخاصمة والتظلم.
 
إن الدولة ظاهرة حديثة، وقد سبقتها المجتمعات بكثير، والتي هي أعرق وأرسخ، وتواجه الدولة اليوم تحديات كبرى تعيد النظر إستراتيجيا في دورها ووجودها، وقد فتحت السنوات الماضية في تحولاتها الكبرى سؤالا عن النهايات: نهاية التاريخ ونهاية الوظيفة ونهاية الدولة.
 
والكلام على النهايات يملأ العالم، وسيكون جائزا على نحو يستدعي القلق مادامت نهايات العصور غالبا ما تثير شعورا بالرهبة، وهذا يطرح أسئلة صريحة وقاسية يتحتم على المجتمعات والدول مواجهتها لتنظيم مصالحها البعيدة المدى.
ــــــــــــــ
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة