نبيل شبيب

 

- عرض جاد.. فما هو المضمون؟

- الإسلاميون على محك العلمنة

- العلمانيون أمام قرار مصيري

 

لا ينقطع الجدل حول الإشارات الأميركية والأوروبية بصدد حوار مع فريق من الإسلاميين في البلدان العربية، والاستعداد المبدئي للقبول بتنظيماتهم طرفا في اللعبة السياسية، بما في ذلك قابلية المشاركة في السلطة، مع ربط ذلك  بالتنويه بالنموذج التركي وإمكانية تعريبه.

 

وقد عزز هذه الإشارات ما سبقها وواكبها من دراسات صادرة عن معاهد بحوث غربية، كما عززتها اتصالات الحوار الجارية، لاسيما في الدوحة وبيروت.

 

وأصبحت المواقف المبدئية من تلك الإشارات ظاهرة للعيان إجمالا، فالإسلاميون أقرب إلى التحفظ ما بين قبول حذر ورفض شكلي، وإن تجاوز بعض الاتصالات هذا الموقف، أما الأنظمة المعنية بتلك الإشارات فأقرب إلى التعنت والتخوف على مصيرها الذاتي، وتبحث عن صيغة ما للتعامل مع الأميركيين، وليس مع الإسلاميين داخل البلاد.

 

ولا يخفى أن الإشارات الغربية تطال التيار العلماني، ولا يظهر ما يشير إلى تبدل في المعالم المعروفة لمواقفه، فمن مضى من القوميين مع الإسلاميين في حوار منذ سنوات لا ينتظر إشارات غربية بل بات مستهدَفا كالإسلاميين، ومَن تمسك بعلمانيته تشددا وازداد توغلا في جولات صراع إعلامية وفكرية، ما زال على ذلك، وهو ما يظهر مع كل دراسة غربية أو تصريح غربي، إذا ألمح إلى شعبية التيار الإسلامي والتمييز الموضوعي بين فصائله بدلا من وضع الجميع في سلة التطرف والعنف.

 

عرض جاد.. فما المضمون؟

"
الأولويات الأميركية تبدلت، فأصبح عنصر الأمن الداخلي في المقدمة، وهذا ما يستدعي أخذ الدعوات الغربية إلى التغيير مأخذ الجد
"
الدراسات الغربية تصنع طيفا واسعا لتصنيف الإسلاميين ما بين كلمتي إرهابيين وعلمانيين، وكلاهما وصف يتناقض ابتداءً مع كلمة إسلامي، والاقتراحات الصادرة فيها تؤكد أن دعوات الحوار لا تعني القبول بالتيار الإسلامي الوسطي بمنطلقاته وتصوراته وأهدافه، أو تقبل وجوده في مشاركة سياسية غير مشروطة، وهذا ما تعنيه الإشارة المتكررة إلى النموذج التركي.

 

والنقطة الحاسمة هنا هي اشتراط وجود مرجعية علمانية من وراء حكم مدني وتعددية حزبية، بينما تبقى نقاط الحوار الإجرائية متمثلة في ضمان ما يُسمى المصالح الغربية، النفطية خاصة، ثم الموقف الإسلامي من أصل الوجود الإسرائيلي في فلسطين أو المنطقة العربية عموما، ويضاف إلى ذلك ما بات يُطرح كأمر مفروغ منه، وهو دور الإسلاميين في مكافحة الإرهاب تحت عنوان إسلامي، بل يُعتبر هذا الدور المشهود في الماضي والمطلوب في المستقبل، مقابل عجز الأنظمة، هو العنصر الحاسم في التحول الغربي الراهن.

 

الخبير في الشؤون الإسلامية أ. حسام تمام ينطلق من رصده لتراجع تركيز المنظمات الإسلامية على قضايا الفقر والعدالة الاجتماعية، وإعطاء الأولوية لقضايا الحريات والحقوق السياسية، ليؤكد تقلص الهوة بين الإسلاميين والغربيين في حقبة العولمة على وجه التخصيص، وبالتالي الاستعداد للتعامل مع الشركات العالمية والاستثمارات الغربية والحركة التجارية، بما يشمل قطاع النفط الخام، بصورة ما لا تسبب الأضرار للغرب.

 

كما أن مجرى الحوار في قطر يؤكد أن الموقف الإسلامي في القضية الفلسطينية يمكن أن يشكل عقبة كأداء، وهو ما انعكس في استبعاد الموضوع في المؤتمر الثاني، ولكن الاتصالات مع منظمة حزب الله في لبنان ومنظمة حماس الفلسطينية، ترجح أن الغربيين لا يستبعدون أن يكون التواصل مع الإسلاميين مدخلا لا بد منه للاقتراب من حل ما للصراع العربي الإسرائيلي عموما.

 

فهل يمكن القول إذن إن المطلوب هو إيجاد حلول عملية للإشكاليات القائمة فحسب؟ معظم من يرى ذلك ينطلق من أن الأولويات الأميركية تبدلت، فأصبح عنصر الأمن الداخلي في المقدمة، وأن هذا ما يستدعي أخد الدعوات الغربية إلى التغيير مأخذ الجد، وبما في ذلك دعوات دعم التيار الإسلامي "المعتدل".

 

لكن هل يُنتظر تحرك السياسات الأميركية المندمجة بالسياسات الإسرائيلية الصهيونية في اتجاه يوصل الإسلاميين إلى السلطة، ويبدل معايير الحوار الحالية، آجلا أو عاجلا؟.. هل يمكن الثقة إسلاميا بانفتاح غربي، أم يجد الإسلاميون العرب أنفسهم يوما ما في موضع مشابه لِما آل إليه حال منظمات المجاهدين الأفغانية مقابل قرضاي وزمرته؟..

 

"
علمنة الإسلام تعني المساس بثوابته الكبرى، ومعظم ما يرتبط بالمصطلح ومقاصده يمس أهم المسلمات التي تُعرف من الدين بالضرورة
"
الإسلاميون على محك العلمنة

إن استجابة الإسلاميين للحوار لا تعني بالضرورة الموافقة المسبقة على الشروط التي يمكن إعطاؤها -وفق التنويه بالنموذج التركي- عنوان علمنة الإسلاميين، ولا تعني هذه الكلمة علمنة الإسلام نفسه، وهو مستحيل رغم طرح المصطلح منذ زمن بعيد بصيغ مختلفة، كما صدر عن لويس عوض ويصدر عن حسن حنفي أو عن محمد جمال باروت، على الساحة العربية، وكذلك عن جاك كيبل الفرنسي ومعهد راند الأميركي وسواهما في الساحة الغربية.

 

إن علمنة الإسلام تعني المساس بثوابته الكبرى، وهذه خطوة -سيان عمن تصدر- لا يستطيع صاحبها كسب تأييد عامة المسلمين، لاسيما جيل الصحوة، فمعظم ما يرتبط بالمصطلح ومقاصده يتناول أهم المسلمات التي تُعرف من الدين بالضرورة.

 

ولئن سار على هذا الطريق تنظيم إسلامي فسيفقد مصداقيته سريعا، ويجد نفسه في غربة كالتي وجدت التنظيمات العلمانية نفسها فيها، وهذا بالذات ما يعطي قرار الإسلاميين تجاه العروض الغربية أهمية خاصة.

 

فالاستجابة التي تنشر انطباعا عند عامة المسلمين بقبول علمنة الإسلام، تعرض التيار الإسلامي للانحراف وموقعه الشعبي للخطر، وتتحول عروض الغرب لمشاركته في الحياة السياسية إلى ضربة سياسية قاضية.

 

وقد يلتقي مع ذلك تعبير "الفوضى الخلاقة".. وهو التعبير الذي يركز عليه أستاذ العلوم السياسية د. حسن نافعة في حديث له عن الأغراض الأميركية من وراء التصريح والتلميح بصدد الحوار، والكلمة وردت على لسان وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في معرض ردها على من طرح احتمال انتشار الفوضى السياسية من جراء التحرك الأميركي في هذا الاتجاه.

 

ويرى نافعة أن في الطرح الأميركي تضليلا، وأن الاحتمال كبير للانتقال من التركيز على الوسائل العسكرية فيما سمي الحرب على الإرهاب، إلى استخدام الوسائل السياسية مع عدم تغييب العنصر العسكري تماما في "الحرب على الاستبداد"، مع بقاء الحصيلة واحدة، وهي الحفاظ على مثلث الصيغة الأميركية، هيمنة على النفط الخام، وضمانا لأنظمة لا تلحق الضرر بالمصالح الأميركية، وحفاظا على القاعدة العسكرية الإسرائيلية متفوقة في المنطقة.

 

فليس المهم تحريك اللعبة السياسية تحت عنوان التعددية والديمقراطية وما شابه ذلك، وإنما المطلوب هو استغلال ما يُتوقع من الفوضى لترسيخ أسباب السيطرة والهيمنة، وسيان بعد ذلك من يرحل عن السلطة ومن يبقى فيها، أو من يصل إليها.

 

 

"
الاستجابة لعلمنة الإسلام تعرض التيار الإسلامي للانحراف وموقعه الشعبي للخطر، وتتحول عروض الغرب في هذا الخصوص إلى ضربة سياسية قاضية
"
العلمانيون أمام قرار مصيري

ولميدالية العرض الغربي وجه آخر لا ينبغي إسقاطه من الحساب، فلخيبة أمل القوى الغربية في الأنظمة القائمة الموالية لها، وفي تيارات تغريب علمانية مرتبطة بتصوراتها، سبب يتعلق بعامل رئيسي، هو العجز عن تحقيق المصالح الغربية بالمنظور الغربي، والعجز في الوقت نفسه عن توفير استقرار أمني يحول دون ما يسمى الإرهاب، وذلك بعد أن بلغ التوغل الأمني في الدولة مبلغه، فساهم في نشأة العنف وانتشاره، وساهم أيضا في عزلة النخب التغريبية، فبلغت مداها الأقصى.

 

إن المطلب الغربي بهذا المنظور أقرب إلى أسلمة العلمانيين –لا العلمانية- منه إلى علمنة الإسلاميين، فهو يطالب الأنظمة والتيارات العلمانية باستيعاب الوجود السياسي الفعلي للإسلاميين في الساحة، دون التخلي عن المرجعية العلمانية، السارية المفعول جزئيا أو كليا، بديلا عن سياسات الإقصاء والاستئصال والقمع، قبل أن تصل التطورات إلى وصول التيار الإسلامي إلى السلطة بطريق ما، وبالتالي إلى رسوخ المرجعية الإسلامية في الوقت نفسه، وليس هذا ما يرومه الغرب، وإن كان حصيلة إصلاح وديمقراطية وحقوق وحريات، فجميع ذلك مطروح غربيا من منطلق مرجعية علمانية.

 

ومن الضروري التنويه هنا بأن مسألة علمنة الإسلام أو الإسلاميين لا تدور في جوهرها حول المقولة الشهيرة بفصل الدين عن الدولة، التي كانت تعني في الأصل فصل المؤسسة الكنسية عن مؤسسة السلطة، وليس في الإسلام مؤسسة دينية شبيه بالكنيسة أصلا.

 

كما أنه ليس من النادر في الدول العلمانية الغربية أن يجمع كثير من المسؤولين مناصب سياسية ودينية، إنما يكمن جوهر المشكلة في أن العلمانية بمسيرة الحداثة وما بعدها لم تعد إجراء شكليا في مجتمع يقوم على حكم مدني، بل أصبحت شاملة لميادين فكرية وثقافية واعتقادية وأخلاقية وقيمية، بغض النظر عن صلاحها وفسادها.

 

ومن هنا يكتسب جوهر الطرح الغربي الراهن صفة محاولة استيعاب الإسلاميين علمانيا، ولا يشابه في ذلك الاحتضان الغربي لتيار التغريب والعلمانية قبل عقود، ورغم ذلك فالطرح الجديد يمكن أن يكرر دورة الصراع مجددا بأشكال جديدة، ما لم يتمكن أصحاب الشأن من مختلف التيارات في المنطقة نفسها، من تجاوز أنفسهم، والوصول إلى أرضية مشتركة في المرحلة التاريخية الراهنة التي يتعامل الجميع انطلاقا منها مع الطرف الغربي على أنه طرف خارجي، استيعابه مرفوض، واحتضانه مرفوض، انطلاقا من المصلحة الذاتية المشتركة، وليس من منظور رؤية كل تيار على حدة، لحجم ما يستفيد آنيا أو يتضرر آنيا، من خلال تعامله مع هذه القوة أو تلك من القوى الدولية.

 

"
ينبغي على الإسلاميين الحذر في التعامل مع العرض الغربي بمنظور المصلحة العليا للبلاد، وعلى العلمانيين إعادة تقويم تعاملهم مع العلاقات بالغرب عموما
 
"
العروض الغربية مرتبطة على الدوام بمنظور مصالح غربية، وهو أمر بات معروفا للجميع، وبتبدلها يأتي احتضان نظام أو التخلي عنه، ودعم تيار أو دعم سواه، وطرح مشروع اليوم ونقيضه غدا، وبعد ذلك فقط يأتي اختيار العنوان المناسب للمرحلة، فتارة هو الاستقرار، وتارة التنمية، وتارة ثالثة الديمقراطية، وهكذا دون الابتعاد عن محور المصلحة الغربية وتحقيقها على الوجه الأمثل.

 

اللحظة التاريخية الراهنة هي لحظة تحول غربي أوسع نطاقا من سواه، فهو جذري بصبغة "إستراتيجية". إذ لا يقتصر الأمر على نظام، بل يشمل منظومة سياسية إقليمية قائمة، ولا يقف عند حدود لعبة سياسية بين حزب وحزب، أو سلطة ومعارضة، بل يصل إلى تحديد الموقف المستقبلي لفترة طويلة من التيارات عموما.

 

ينبغي على الإسلاميين الحذر في التعامل مع العرض الغربي، وفي مقدمة جوانب الحذر المطلوب ألا يكون القرار بمنظور ضيق ينحصر فيما يحقق المصلحة للتيار الإسلامي، فتلك بداية انهيار مستقبلي، بل ينبغي أن يكون بمنظور المصلحة العليا للبلاد عموما، بسائر سكانها وطوائفها وتياراتها وشعوبها وحكوماتها، والعلمانيون جزء من ذلك.

 

وينبغي على العلمانيين أيضا، سواء في السلطة أو خارجها، إعادة تقويم تعاملهم مع العلاقات بالغرب عموما، فلا يكون التفاعل مع التحول الجاري بمنظور ما يمكن أن يفيد أو ينقذ أوضاعهم هم، أو ما بقي منها عبر العقود الماضية -فلن يتحقق ذلك بالتسابق على تأييد أجنبي- بل ينبغي أن يصدر القرار من منطلق المصلحة العليا للبلاد عموما، بسائر سكانها وطوائفها وتياراتها وشعوبها وحكوماتها، والإسلاميون جزء من ذلك.

 

ومن يدري، فقد يحقق العرض الغربي فائدة كبيرة وإن لم تكن مقصودة، فيدفع السلطات ومن هم خارجها، ويدفع التيارين الرئيسيين المعنييْن، إلى ردم الهوة القائمة والبحث عن أرضية مشتركة، لا غنى عنها في التعامل مع قوى دولية، سواء في طريق المقاومة للاحتلال والاستغلال أو في طريق التواصل الحضاري وتحقيق المنافع والمصالح المتبادلة بما يحقق الخير للإنسان والأمن للبشرية، ويضع حدا للتعامل فيما يشبه شارعا باتجاه واحد، لحساب طرف واحد وعلى حساب الآخر.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة