عاطف معتمد عبد الحميد

 

- ما بين الإسلامي والقومي

- من أفغانستان إلى وادي فرغانة

- وماذا بعد؟

 

ها هي انتفاضة حقيقية يدفعها نزق الثوار ودم الشهداء، لم تغوها رائحة الدولار ولم تدعمها المخابرات الأميركية وأموال جورج سوروس وصحافة بيت الحرية. ولهذا، فما يزال ألف قتيل وجريح رقما لا يحرك أحدا من دعاة الحرية وحقوق الإنسان، فالقاتل صديق وحليف.

 

ليس صحيحا أن أغلب الذين شاركوا في انتفاضة أنديجان وكاراسو شرق أوزبكستان طالبوا بقيام دولة إسلامية، أو ارتبطوا بتنظيم القاعدة أو طالبان، فالقول بهذا يؤسلم المعاناة التي يعيشها الناس في هذه الجمهورية البائسة، ويخفي حقيقة أبعادها الاجتماعية والاقتصادية.

 

"
ما يجري في أوزبكستان نسخة مكررة مما تفعله حكومات دول آسيا الوسطى ضد معارضيها، وما تفعله روسيا في الشيشان
"
صحيح أن عدة مئات انتفضوا تحالفا مع معتقلين إسلاميين، لكن عشرات الآلاف من المتظاهرين نادوا بلقمة عيش ووظيفة للكسب وحياة بلا ملاحقة بوليسية.

 

تقول إحدى النساء اللواتي شاركن في الثورة الشعبية لمراسل بريطاني "لقد شاركت معهم لأن ابنى قال لي إن ذلك سيجعلنا نعيش أفضل".

 

إن ضبط  النفس الذي تطلبه واشنطن -ذلك الذي خرج كذبابة من مارد-  ما هو إلا تجاهل فاضح لما نشرته منظمة العفو الدولية، وما كتبه المراسلون الأجانب على مدى السنوات السبع الماضية من أن حكومة الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف لا تعتقل من يواظب على الصلاة في مسجد، أو من يطلق لحيته فحسب، بل ومن يعترض بأية مرجعية، علمانية كانت أو قومية أو دينية، وتحتكر المساعدات الدولية لتغرقها في متاهة المحاباة والفساد.

 

لم ينس الناس بعد تلك الأزمة التي أشعلها السفير البريطاني السابق في أوزبكستان كريغ موراي عام 2003 حينما وجه انتقادا لاذعا لوزير خارجية بلاده جاك سترو اعتراضا على الأساليب البشعة التي تتبعها حكومة أوزبكستان لانتزاع اعترافات من المعتقلين الإسلاميين، وأن هذه الاعترافات تذهب لخدمة معلومات استخبارية للمملكة المتحدة الشريك الرئيسي لواشنطن في الحرب ضد "الإرهاب".

 

إن ما يجري في أوزبكستان نسخة مكررة مما تفعله حكومات دول آسيا الوسطى ضد معارضيها، وما تفعله روسيا في الشيشان. ففى هذه المناطق، يموت عشرات المعارضين، بشهادة مؤسسات حقوقية روسية وغربية، من جراء التعذيب بأساليب أقلها وحشية غلي المسجونين في الماء.

 

إنها انتكاسة إلى عهد ستالين، حيث يتحسر الناس في أوزبكستان الآن على زمن بريجينيف وغورباتشوف، لقد صارت السوفياتية من ذكريات الزمن الجميل!

 

ما بين الإسلامي والقومي

لا يعنى كون 89% من سكان أوزبكسان يدينون بالإسلام أن خيار الدولة الإسلامية هو الأقرب حتما للسكان. نحن هنا في مجتمع عاش تحت القيصرية المسيحية ثم الشيوعية الإلحادية أهم فترات تاريخه الحديث. والإسلام الذى تعرفه أوزبكستان، كغيرها من دول آسيا الوسطى، متعدد المذاهب والأفكار، بين شيعي وسني وصوفي وسلفي، طامح إلى السياسة وقانع بالتغيير الاجتماعي.

 

الصورة المغلوطة التي تصنعها حكومة أوزبكستان، ويساعدها فيها الإعلام الغربي والروسي، تستفيد من انعزالية الموقع الذي تعيش فيه وتماسها مع الحدود الأفغانية، وتظهر الإسلاميين فيها على أنهم قوة مغولية ستوحد المنطقة تحت راية الخلافة الإسلامية من غرب الصين إلى شواطئ البحر الأسود.

 

"
الصورة المغلوطة التي تصنعها حكومة أوزبكستان ويساعدها فيها الإعلام الغربي والروسي؛ تستفيد من انعزال الموقع وتماسه مع الحدود الأفغانية، وتظهر الإسلاميين كقوة مغولية ستوحد المنطقة تحت راية الخلافة الإسلامية
"
هل اختلفت مطالب سكان أنديجان شرق أوزبكستان عن مطالب الذين أشعلوا الثورة القرغيزية وأطاحوا بالنظام الحاكم تحت مباركة الغرب والإدارة الأميركية؟ أليس من السخرية أن تنتقد واشنطن الآن الهجوم على سجن أنديجان وتحرير من فيه باعتباره عملا متطرفا؟ أليست هي التي دعمت هجوم الثوار القرغيز على السجن الذي اعتقل فيه زعيم المعارضة كرمان بك باكييف الذي يقوم حاليا بدور الرئيس الفعلي للبلاد إلى أن ينتخب بعد أسابيع قليلة تحت رعاية غربية؟

 

الفرق الأساسي أن الثورة في قرغيزستان  قدمت منذ البداية شروط نجاحها، فرغم خروجها من وادي فرغانة المقسم بين أوزبكستان وقرغيزيا ومن مناطق تسكنها أغلبية أوزبكية، وأوضاع اقتصادية تشبه ما يعيشه الأوزبك على الجانب الآخر من الحدود، فإنها كانت أكثر حنكة من أن تعنون شعاراتها بالإسلامية تفهما لقواعد اللعبة في المنطقة. وإن لم يحمها ذلك من نقد روسيا وعسكر أكاييف الرئيس السابق للبلاد بأنها تمت بدعم الإسلاميين وبأموال تجارة المخدرات!

 

ثمة خطر خفي في الحالة الأوزبكية، ليس أقل تأثيرا من الدور الإسلامي، يتمثل في  التوجهات القومية الأوزبكية.

 

يتجاهل الكثيرون أن الأفكار القومية كانت الأكثر قوة أوائل التسعينيات وصاغت جزءا مهما من استقلال الدولة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، بل إن الشعب الأوزبكي أفاق حين الاستقلال على أفكار حركتى بيرليك وإيرك القوميتين قبل أن يسمع أية أصوات إسلامية سياسية أو اجتماعية.

 

لم يكن الرئيس الأوزبكي ليصبر على نمو حركات للمعارضة في الدولة أيا كان لونها، فطبائع الاستبداد أقوى من الشعارات، فقد تمكن باحتيال على الشرعية من أن يمرر استفتاء وراء استفتاء ليلغي فكرة الانتخاب الرئاسي، فمدد رئاسته من عام 1995 إلى 2000 بمجرد موافقة برلمانية، ثم عدل الدستور –بتسبيح من  البرلمان أيضا– ليمدد الرئاسة سبع سنوات بدلا من خمس، ليبقى في السلطة إلى ديسمبر/كانون الأول 2007، بعدما فاز عام 2000 في انتخابات أنكر صدقها الداني والقاصي.

 

كانت الأفكار القومية قادرة على خلق المشكلات للدولة الأوزبكية، كما شكلت ذلك في الماضي. فالأوزبك يشكلون أهم الأقليات العرقية في دول الجوار. وتتراوح هذه النسب بين  24% من سكان طاجيكستان، و14% من سكان قرغيزستان، و10% من سكان كل من تركمنستان وأفغانستان، وإن كانت الأعداد المطلقة في أفغانستان تعبر عن حجمهم الحقيقي حيث يزيدون على 2 مليون نسمة.

 

ولو ترك الأمر للأفكار القومية في أوزبكستان لكنا أمام دولة تلعب دورا إقليميا خطرا يسعى إلى تشكيل أوزبكستان العظمي على حساب دول الجوار، ولكن المنطقة أعدت لها خطة أميركية لتكون مسرحا لمستقبل مختلف.

 

وكما في مراكز الأبحاث الغربية والروسية، فإن القمع الكريموفي لأشكال المعارضة المختلفة يصنع من الإسلاميين أبطال العصر وأمل الحرية، وإن كانت هذه المراكز تغفل أن فكرة التضحية بالنفس وتحمل صنوف العذاب هى المميزة لبقاء المعارضة الإسلامية واختفاء نظيرتها القومية أمام نظام شهد بجسارة قمعه الحلفاء قبل الأعداء.

 

كانت المعارضة في أوزبكستان قد جمعت مطلع التسعينيات، من حيث الاسم والشكل، كافة الأطياف المطلوبة لبناء نظام سياسي يقبل الآخر ويتحمله. وحتى اليوم فإن خمسة أحزاب من أصل ستة في البلاد يحمل اسمها كلمة "الديمقراطي"، سواء أضيفت هذه الكلمة إلى حزب العدالة، أو حزب الإحياء القومي، أو الحزب الليبرالي، أو الشيوعي.

 

مرة أخرى يعود الحزب الشيوعي الحاكم بقيادة الرئيس إسلام كريموف إلى الهيمنة على البلاد، ويتحكم في اقتصادها لاعبا على أوتار الخلفيات العرقية والقبلية التي تعيشها الأمة الأوزبكية.

 

"
التركيز على الحركات الإسلامية بالبلاد واستخدامها فزاعة لاستدرار التعاطف الدولي وشحن الموقف داخليا، لا يختلف عن اعتقال مائة فرد ينتمون لحزب التحرير الإسلامي اتهموا بالتخطيط لقلب حكم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
"
من أفغانستان إلى وادي فرغانة

الاضطرابات التي شهدتها أوزبكستان، وتلك التي سبقتها بقرغيزيا في مارس/آذار الماضي وقلبت حكومة البلاد، وما قبلها من تمرد السنوات الخمس عشرة الماضية جميعها اندلعت من وادي فرغانة.

 

ما يزال وادي فرغانة يمثل مجتمعا ريفيا يجد في الدين سندا له، وفي الموقع المهمش اقتصاديا مسوغات التململ والعصيان. يزيد المحللون الروس والغربيون أن الخصوصية الأكبر للإقليم بوقوعه على حدود أفغانستان، تأتى من مشاركة بعض من  سكانه إلى جانب حركة طالبان.

 

هنا تتداخل الأوراق بين من قاتل مع الجنرال رشيد دستم ضد طالبان، ومن انضم إلى طالبان من الأوزبك. وبمزيد من خلط الأوراق تخلص الرؤى الإعلامية الغربية والروسية إلى أن الذين عادوا إلى أوزبكستان قد تشربوا ثقافة الأفغنة حتى النخاع، ولم يعد بوسعهم تصور التغيير إلا من فوهة البندقية.

 

هكذا بدت طالبان صندوق "بندورا" انفتح بكل شروره على أوزبكستان، إذ لا مكان في هذه المصادر لمناقشة جادة للاستبداد والتهميش والفقر والبطالة.

 

من وادي فرغانة بدأت الثورة التي أطاحت بنظام الحكم في قرغيزستان. فكان ما صرح به الرئيس الأوزبكي بعيد فرار الرئيس القرغيزي عسكر أكاييف أمام زحف المعارضة أن "المسؤول عما حدث للبلاد هو الرئيس الذى ترك الأمور تتطور إلى مستوى انفلت معه العقال".

 

كانت السلطات الأوزبكية مستعدة جيدا، درست المواقف والسيناريوهات، واستفادت من التجربة في قرغيزيا. ولأن نقطة التحول في ثورة قرغيزيا كانت انتشار أخبار الثورة عبر الإعلام، سرعان ما حول النظام الأوزبكي إقليم التمرد إلى جزيرة منعزلة، وطرد منها المراسلين الصحفيين كأسلوب وقائي لعزل المنطقة "الملوثة" بالفيروس الثوري.

 

سيظل وادي فرغانة منطقة "ملوثة" بالثورة ما دام الإقليم يعيش تدهورا اقتصاديا لم تستح الحكومة معه من أن تفتحه أمام الاستثمارات الإسرائيلية لتطوير شبكات الري، في واحدة من أهم مناطق زراعة القطن في العالم، وعليه يعتمد الدخل الرئيسي لميزانية حكومة كريموف.

 

وبينما يكتب عشرات المحللين عن "الإرهاب" الإسلامي في وادي فرغانة، قليلون هم من كانت لديهم الشجاعة فرصدوا أن الحركات الاسلامية تمكنت من تقديم مساعدات إنسانية حيوية في الإقليم من خلال الاستفادة من أموال الزكاة وتبرعات رجال الأعمال الإسلاميين، في وقت تغفل الدولة فيه عن الإقليم.

 

ولعل الثورة الأخيرة التي شهدتها منطقة فرغانة ارتبطت باتهام رجال الأعمال الإسلاميين، باستخدام الأموال للتحضير لقلب نظام الحكم الكاريموفي على يد نشطاء لحزب التحرير الإسلامي.

 

إن التركيز على الحركات الإسلامية في البلاد، واستخدامها فزاعة لاستدرار التعاطف الدولي وشحن الموقف الداخلي، لا يختلف عن إعلان موسكو مطلع يونيو/حزيران 2003 عن اعتقال مائة فرد ينتمون إلى حزب التحرير الإسلامي اتهموا بالتخطيط لقلب نظام حكم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. هكذا بدأ حزب التحرير الغامض في حجم قوة شعبية هائجة، وثورة بلشفية جديدة ستسقط الكرملين المحصن بأكبر ترسانة نووية في العالم!

 

"
خرافات الإرهاب الإسلامي ومبالغات أحزاب الخلافة الرشيدة تريح القائمين على الأمر في البلاد من معالجة حقيقية لأمراض خلقها الظلم الاجتماعي وصنعتها أخلاق الإقطاعيين وشيدت أعمدتها دولة القبيلة
"
وماذا بعد؟

يخطئ من يظن أن اليد الحديدية التي قابل بها نظام كاريموف المعارضة شرق البلاد ستنهي العامل الإسلامي في تطور الدولة الأوزبكية، كما سيصعد في المستقبل العامل القومي والديمقراطي، وهو ما سيجلب على الدولة مشكلات جديدة، تستمد شرعيتها من طول معاناة الاسلاميين من تعذيب واعتقال، ومن طول تغييب للتيارات الفكرية الأخرى.

 

والنتيجة أن خيار الصدام والاشتباك هو المنتظر في هذه الدولة التي عاشت تاريخا طويلا من الاضطرابات.

 

إن صنع الخرافات وحياكة الفزاعات في دول آسيا الوسطى حرفة ستستمر عبر السنوات القادمة. فخرافات الإرهاب الإسلامي، ومبالغات أحزاب الخلافة "الرشيدة" تريح القائمين على الأمر في البلاد من معالجة حقيقية لأمراض خلقها الظلم الاجتماعي، وصنعتها أخلاق الإقطاعيين وشيدت أعمدتها دولة القبيلة.

 

ليس صحيحا أن هذه الدول استقلت. فبعد أن كانت تابعة لربيب واحد في موسكو، صارت تقسم ولاءها مناصفة بين روسيا والولايات المتحدة.

 

هنا أيضا حالة شرق أوسطية بامتياز، إذ أن الدولة لديها من الثروات والقدرات الشعبية ما يضمن لها مكانا تحت الشمس، لكن دولة القبيلة، التي تتماهى كثيرا في صورة الحزب القبلي الحاكم، تأبى إلا أن تمضي بالشعوب إلى ما وراء التاريخ.

________________

كاتب مصري

المصدر : الجزيرة