كمال حبيب

في تاريخ أي مجتمع من المجتمعات توجد لحظات فارقة في تطوره وتحوله يمكن وصفها بلحظات استدعاء العنف، أي وجود حالة من  حالات الخلل البنيوي الواضح في المجتمع ومؤسسات الحكم والإدارة، والتي تفتح الباب على مصراعيه لمفاجآت غير متوقعة ومحسوبة منها حدوث انفجارات اجتماعية واسعة تتخذ العنف أداة للتعبير عن غضبها واحتجاجها.

وفي كل مرحلة تاريخية من مراحل التطور الاجتماعي والسياسي للأمم والشعوب، هناك ما يمكن أن نصفه بنهايات هذه المراحل، على سبيل المثال فقد كان حريق القاهرة في 26 يناير/ كانون الثاني 1952م نهاية واضحة لا يمكن الجدال حولها بشأن النظام الملكي في مصر، وكذلك في نهاية عصر السادات شهدت البلاد عددا من الأحداث كانت مؤذنة بنهاية هذه الحقبة ويمكن أن نذكر هنا على وجه الخصوص أحداث الفتنة الطائفية في الزاوية الحمراء في شهر مايو/ أيار عام 1981.

"
النظام المصري الحالي يعيش لحظة فارقة في تاريخه وتاريخ مصر حيث توجد مؤشرات قوية على أن اللحظة التي يعيشها المصريون اليوم هي من لحظات النهايات
"
كما نشير إلى الاعتقالات الواسعة التي قامت بها السلطة المصرية في هذا الوقت والتي عرفت باعتقالات سبتمبر/ أيلول عام 1981م والتي طالت أكثر من ألف وخمسمائة معارض سياسي مصري من كافة الاتجاهات السياسية المصرية والزج بهم في السجون.

وبدت مصر وقتها -وكنا شهود على هذه الأحداث– كما لوكانت فوق بركان، فالشعب كان يغلي والدولة كانت قد فقدت رشدها ودخلت في مرحلة من غياب العقلانية السياسية وفقدان الرؤية الصحيحة للأمور.

ولا ينبغي أن ننسى هنا انفجارات الخبز التي حدثت في 17 و18 يناير والتي وصفها السادات بأنها انتفاضة الحرامية بينما كانت تعبيرا حقيقيا عن رفض الشعب لغلاء الأسعار المفاجئ بينما كان ينتظر تحسن مستوى معيشته.

وكما هو معلوم فإن حقبة السادات انتهت باغتياله على يد خالد الإسلامبولي ورفاقه من تنظيم الجهاد المصري في ذلك الوقت يوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول عام 1981 في قاعة العرض العسكري علي مرأى ومسمع من العالم. 

ومن الواضح أن النظام المصري الحالي يعيش لحظة فارقة في تاريخه وتاريخ مصر حيث توجد مؤشرات قوية على أن اللحظة التي يعيشها المصريون اليوم هي من لحظات النهايات.

فهناك فجوة هائلة بين الدولة والمجتمع تجعل من الدولة عبئا عى مجتمعها وأداة معوقة لتطويره خاصة وأن القطاعات الشابة تتسع.

"
تصر النخبة الحاكمة على الحفاظ على الوضع السياسي القائم لحماية مصالحها الخاصة كما تصر على حرمان المصريين من المشاركة السياسية غير مكترثة بالأصوات التي تقول "كفاية"
"

هذه القطاعات لا تجد عملا ولا فرصة للتعبير السياسي عن نفسها، كما أن الفقر يتسع ليطال الطبقات المستورة الوسطى والدنيا.

وتصر النخبة الحاكمة على الحفاظ على الوضع السياسي والاقتصادي القائم لحماية مصالحها الخاصة ومن بين ما تصر عليه حرمان المصريين من المشاركة الواسعة في الاهتمام بالشأن العام والقضايا السياسية غير مكترثة بالاستماع إلى أصوات المظاهرات التي تقول "كفاية"، وتطالب بإصلاح سياسي حقيقي يلغي حالة الطوارئ والتعذيب في السجون والتنافس الحقيقي في انتخابات الرئاسة القادمة والإشراف القضائي على الانتخابات بشكل كامل.

وكذا المطالبة بدستور جديد يسمح للقوى الاجتماعية والسياسية المحظورة والمحجوبة عن الشرعية من الوجود الحقيقي المشروع والعلني والشفاف، ويسمح لها بأدوات التعبير عن نفسها بشكل كفء ومتساو بحيث ينتهي تأميم الحياة السياسية المصرية لصالح حزب واحد. 

اللحظة المصرية التاريخية اليوم تستدعي حالة العنف -كما سبق وأن أوضحنا– لذا فالمظاهرات التي تطالب بالتغيير السياسي والإصلاح خاصة تلك التي خرجت من جانب الإخوان المسلمين واجهها النظام بمستوى عال من القمع حيت تشير التقديرات إلى أن عدد معتقلي الإخوان بلغ حوالي 2500 معتقل.

كما تتحدث تقارير حقوقية عن  مستوى سيء للمعاملة داخل السجون، ويشير بيان للداخلية المصرية إلى مقتل أحد أعضاء الجماعة في مدينة الزقاريق بالشرقية وهي نفسها المدينة التي شهدت قتل مواطن آخر ينتمي لحزب الغد الذي يرأسه أيمن نور.

نحن ندخل في بدايات استخدام العنف الرسمي من جانب الدولة وهو عنف يصل لحد القتل، ومن هنا نحن على أبواب عتبة الدخول للحظة العنف هذه التي نتحدث عنها.

ومن الناحية الأخرى فإنه منذ تفجيرات فندق هيلتون طابا في سيناء في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي 2004 والتي راح ضحيتها 34 قتيلا، ونحن أمام نوع جديد من العنف أطلقنا عليه عنف الشبكات الاجتماعية المغمورة في مجتمعاتها.

هذه الشبكات يمكن في أي لحظة أن تعبر عن احتجاجها وغضبها دون أن يكون لها أي صلة بقوة سياسية معروفة أو تنظيمات كبيرة.

"
مصر تدخل في بدايات استخدام العنف الرسمي من جانب الدولة، وهو عنف يصل لحد القتل، ومن هنا فنحن على عتبة الدخول للحظة العنف التي يتم الحديث عنها
"
وهذا هو نفسه ماحدث مع تفجير الأزهر والذي قامت به شبكة اجتماعية مغمورة وغير معروفة من الجيران والأصدقاء في مناطق فقيرة ومهملة في حي شبرا الخيمة الكثيف السكان جدا.

وتعرض بعض المواطنين للقتل تحت مقاصل التعذيب من أقارب الشبكة التي قامت بتفجير الأزهر، ولم يلبث وقت قصير حتى فوجئنا بأن هناك تفجير جديد في ميدان عبد المنعم رياض بجوار ميدان التحرير.

ثم إطلاق نار من جانب فتاتين على أوتوبيس سياح بمنطقة السيدة عائشة لأول مرة  في مصر، وهو مايعبر عن حالة احتقان رهيب لمجتمع لم يعد قادرا على الاحتمال، ومن ثم فمصر تبيت ومن تحتها بركان قد ينفجر في أي لحظة وبدون إنذار أو عنوان. 

الحركة الإسلامية المصرية كانت في قلب الحدث المصري بعنفه وسلمه، ويمكن القول إن هذا الحدث تجاذبها ناحية العنف حين تستدعيها لحظاته وناحية السلم والعافية حين تخف السلطات المصرية قبضتها عن مجتمعها وتتصالح معه.

وباعتبار الحركة الإسلامية المصرية حركة اجتماعية فإنها تتأثر سلبا وإيجابا بما يجري في السياق الداخلي والإقليمي والدولي، ولحظات العنف كالحرب حين تبدأ فقد لا يمكن الإمساك بتلابيبها والتحكم فيها.

ولو حاولنا معرفة لحظات التجاذب بين السلم والعنف في تاريخ الحركة الإسلامية لأمكننا استكشاف مايمكن أن يحدث في لحظتنا الراهنة. إذ بالعودة إلى الإخوان المسلمين نجد إعلان النقراشي حل جماعة الإخوان المسلمين عام 1948 ثم الرد عليه بقتله في نفس العام، ثم قتل الخازندار عام 1948 م ثم قتل الشيخ حسن البنا عام 1949 م ردا على قتل النقراشي من جانب الدولة.

هنا انجذاب ناحية العنف من جانب الحركة الإسلامية للدفاع عن نفسها، ومع عنف النظام الناصري ضد الجماعة عام 1954م ثم عام 1965م وإعدام سيد قطب عام 1966م ، ظهرت الأفكار القطبية التي أسست لقطيعة مع المجتمع والدولة وبذرت الأفكار للجيل الجديد الجهادي والذي واجه الدولة المصرية مرتين عام 1974م في حادث الفنية العسكرية ومرة حين قتل السادات عام 1981.

"
الحركة الإسلامية المصرية حركة اجتماعية تتأثر سلبا وإيجابا بما يجري دوليا واقليميا، ولحظات العنف تشبه الحرب حين تبدأ فقد لا يمكن الإمساك بها والتحكم فيها
"
ثم عادت الجماعة الإسلامية للعنف مرة أخرى عام 1989م حين قتلت المحجوب ردا على قتل علاء محيي الدين المتحدث الإعلامي لها، وردا على التعذيب في السجون ظهرت جماعة الناجون من النار عام 1986 والتي حاولت اغتيال حسن أبو باشا والنبوي إسماعيل وزيرا الداخلية، ومكرم محمد أحمد رئيس تحرير مجلة المصور.

وفي التسعينيات دخلت التيارات الجهادية من الحركة الإسلامية المصرية مواجهة عاتية مع الدولة انتهت بمراجعات الجماعة الإسلامية والتي نبذت فيها بشكل كامل العنف.

ومن ثم فأكبر فصيل داخل الحركة الإسلامية المصرية وهو (الإخوان المسلمون) ينبذ العنف والفصيل الذي يليه وهو الجماعة الإسلامية ينبذ العنف.

وهناك إجماع داخل الحركة الإسلامية المصرية اليوم على تبني الوسائل السلمية بعيدا عن العنف، لكن التوتر والاحتقان الموجود في المجتمع اليوم يمكن أن يجذب الحركة الإسلامية ناحية العنف للدفاع عن مطالبها وأعضائها ومع خروج الجماهير للشارع والانخراط في أعمال التظاهرات.

وعليه فإن قواعد الحركة الإسلامية ستجد نفسها مواجهة بلحظة ميلاد العنف وحدها بعيدا عن قياداتها.

وهنا فإن الحركة الإسلامية بحاجة إلى وعي تحويل لحظات ميلاد العنف هذه إلى دفة الممارسة السلمية المقاومة التي تصر على مطالبها للإصلاح دون الانخراط في الاستجابة العفوية لردود أفعال قد تجر إلى مخاطر الانجذاب لمخطط أعدائها في الانعطاف إلى أعمال العنف.

ومن ثم فثقافة الصبر الجميل والصفح الجميل التي تمثل الأساس لنضال الحركة الإسلامية كحركة اجتماعية تدافع وتتنازل وتطالب ولكن دون انجذاب لاندفاعات عفوية عشوائية يفرضها منطق الميلاد المدمر الذي يرجوه أعداء هذه الحركة الإسلامية.

"
على الحركة الإسلامية الوعي بهذه اللحظة التاريخية والإمساك بتلابيبها دون أن تكون هي التي تتقاذفها الأقدار، وأحد أهم السبل لذلك هو الانفتاح على مجتمعها
"

هذا عن الجسد الرئيسي للحركة أما تلك الشبكات المغمورة فإنها بحكم غياب رؤية كلية لديها وانقطاعها وحدها عن جسد الحركة الرئيسي في صحراء العزلة والإحباط واليأس فإن جاذب العنف سيغريها للانجذاب إليه . 

ويبقى منح المجتمع المصري حقه في الحرية والكرامة والعدالة والاختيار هو السبيل الوحيد لمنحه الاستقرار على كلمة سواء بعيدا عن التجاذبات بين العنف والسلم.

وحيث أن القابضين على السلطة سيظلون يحاربون المعركة حتى نهايتها فإن الحركة الإسلامية كحركة اجتماعية هي الرافعة الحقيقية للتغيير والإصلاح وعليها أن تستلهم دروس التغيير الاجتماعي بعيدا عن  الانجذاب إلى قطب العنف.

وتمثل نماذج مقاومة حركات السود في الولايات المتحدة الأمريكية ضد الفصل العنصري، ونماذج مقاومة السود في جنوب أفريقيا ضد الأبارتيد، ونماذج المقاومة ضد النظم التسلطية في أميركا اللاتينية، والحركات الشعبية الاجتماعية في أوروبا الشرقية ضد النظم الديكتاتورية في أواخر الثمانينيات، وأخيرا الحركات الشعبية في أوكرانيا وقرغيزيا وجورجيا، كلها نماذج للاستفادة والتأمل.

والحركة الإسلامية عليها الوعي باللحظة التاريخية والإمساك بتلابيبها دون أن تكون هي التي تتقاذفها الأقدار وأحد أهم السبل لذلك هو الانفتاح على مجتمعها وأن تكون صوتا له كله بكافة أطيافه، وملاذا له بكل فئاته بدلا من التعبير عن نفسها كطائفة أو جماعة أو تنظيم أو حزب.
ــــــــــــــ
كاتب مصري 

المصدر : الجزيرة