محمد بن المختار الشنقيطي

 

- ظرف زيارة شالوم
- ملامح الحرب الأهلية
- اعتقالات الإسلاميين
- معاوية والقشة الإسرائيلية

 

تحدث وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم للإذاعة الإسرائيلية قبيل توجهه إلى موريتانيا هذا الأسبوع قائلا "إنها زيارة مهمة إلى بلد رفض قطع علاقاته مع إسرائيل مع بدء الانتفاضة في شهر سبتمبر من العام 2000، على عكس مصر والأردن والمغرب وقطر وتونس، لقد تحملت موريتانيا ما لا يمكن تحمله، بما في ذلك محاولتان انقلابيتان طالب مدبروهما بقطع العلاقات مع إسرائيل".

 

ولم يكن الوزير الإسرائيلي يدرك –على ما يبدو- أنه بهذا التصريح يقدم أبلغ التزكية ويثني أعطر الثناء على قادة انقلاب يونيو 2003 في نظر أغلب الموريتانيين، ويزيد من رصيدهم السياسي، ويلهب الحماس الشعبي لصالحهم وصالح مشروعهم.

 

ظرف زيارة شالوم

"
لا يمكن فهم زيارة الوزير الإسرائيلي  إلى موريتانيا، وما صادفته من ردود أفعال، بعيدا عن  الأزمات التي يعيشها نظام ولد الطايع، والتي شارفت مرحلة
القطاف
"

لم تتم زيارة الوزير الإسرائيلي بالشكل الذي أراده الإسرائيليون، ولا العقيد ولد الطايع بأي معنى من المعاني. فقد كلفت الدولة الموريتانية مبالغ طائلة، حيث ذكرت وكالة أسوشيد برس أن حوالي ألف شرطي موريتاني تم استنفارهم لضبط الشارع أثناء الزيارة "وهذه نسبة كبيرة من مجموع عدد الشرطة الموريتانية".

 

كما تحدثت وكالة الأنباء الفرنسية عن أن حرس الرئيس الموريتاني هم من حرسوا الوزير الإسرائيلي خلال السويعات التي قضاها في موريتانيا، وأخيرا كشفت صحيفة جروزاليم بوست الإسرائيلية أن شالوم اضطر لاختصار الزيارة لأسباب أمنية، ولم يستطع قضاء ليلته في موريتانيا كما كان مقررا، بسبب المظاهرات العنيفة المناهضة لزيارته. 

 

ولا يمكن فهم زيارة شالوم إلى موريتانيا، وما صادفته من ردود أفعال، بعيدا عن التعقيدات والأزمات التي يعيشها نظام الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع والتي شارفت مرحلة القطاف على ما يبدو، فقد ساءت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية خلال الأعوام الثلاثة الماضية بشكل لم يسبق له مثيل، ومن أعراض ذلك:

 

- اعتقال مئات المواطنين العسكريين المدنيين في السنتين الأخيرتين، وتعريض أكثرهم للتعذيب الوحشي، والمحاكمات الهزلية، وهو ما زرع في نفوس قطاعات واسعة من الشعب روح المرارة والانتقام، ولا يخفى خطر ذلك في مجتمع عشائري مثل المجتمع الموريتاني، لا تزال ثقافة الثأر فيه عميقة الجذور.

 

- اعتقال قادة المعارضة السياسية، والتشهير بهم، وسد منافذ الحوار معهم، رغم محاولات أفراد من حكماء الدائرة الحاكمة، سرعان ما تم وأدها وإفراغها من مضمونها، وقد أدى ذلك إلى يأس من التغيير السلمي المرن، وتركيز النظر على خيارات القوة بديلا وحيدا للواقع الحالي المرير، الذي لم يعد من تغييره بدٌّ.


- تراكم العداوات، حيث أدت سياسات الرئيس معاوية خلال عقدين من الإجحاف الاقتصادي، والتمييز الاجتماعي، والعبث بهوية شعب معتز بانتمائه، ثم التطبيع والتصفيات القبلية والإقليمية التي انتهجها بعد محاولة انقلاب يونيو 2003، إلى سخط أغلب الشعب عليه، وانعقاد إجماع وطني لا مثيل له على منازلته.

 

- مستوى من البؤس الاجتماعي لم يحدث من قبل في تاريخ البلاد، بعد أن تحكمت نخبة عشائرية أشبه ما تكون بمافيا في الثروات الموريتانية، واستحالت السياسة تجارة ومقامرة، دون وازع أخلاقي أو رادع قانوني، وارتفع مستوى المطالب الاجتماعية، بعد انتقال جل السكان من حياة البدو الفطرية إلى حياة الحضر المعقدة المسالك.   

 

- تآكل قاعدة دعم العقيد معاوية واضمحلالها، حتى غدا أقاربه ومقربوه يبحثون عن مهرب، في محاولة لاجتناب دفع ثمن المظالم العريضة التي تم اقترافها في حكمه، وهو ثمن يتراكم مع الأيام، وتدل تصرفات بعض أعضاء الدائرة الحاكمة مؤخرا على يأسهم من العقيد وحكمه، وإيمانهم بأنه على وشك الرحيل.

 

ملامح الحرب الأهلية

"
رغم الضربات التي تعرض لها "فرسان التغيير" باعتقال قائدهم الكارزمي صالح ولد حنن، فإن كل الدلائل تشير إلى قدرتهم على إشعال حرب داخلية، والسيطرة على أجزاء واسعة من البلاد
"
ثم انضافت إلى هذه المعضلات المزمنة ظواهر جديدة تنذر بالخطر الداهم:

- أما الظاهرة الأولى الجديرة بالتأمل فهي هجوم مسلحين مجهولين على قاعدتين للدرك جنوب شرق موريتانيا منذ أيام، ونهبهم مخازن الذخيرة هناك، بعد أن شدوا وثاق رجال الدرك الموجودين، وهذه سابقة لم تحدث في عمر الدولة، فقد ظل الفرقاء السياسيون على اختلاف مشاربهم السياسية، وتباين انتماءاتهم الفكرية والاجتماعية حريصين على اجتناب خيار الفوضى والحرب الأهلية في موريتانيا، إشفاقا على هذه الدولة الفسيحة الأرجاء، الممزقة الأحشاء، الضعيفة البنية.

 

وقد لاحت ملامح الحرب الأهلية خلال العقدين الماضيين مرتين على الأقل، ثم تدارك معارضو نظام العقيد معاوية ولد الطايع الأمر، وألجموا أنفسهم على شفا الهاوية، أما المرة الأولى فكانت في ختام الثمانينيات ومطلع التسعينيات، حينما اقترف الرئيس الموريتاني تصفيات عرقية واسعة ضد الموريتانيين من أصول أفريقية، وقتل منهم المئات، وهجَّر منهم عشرات الآلاف إلى السنغال بعد أن سحب منهم وثائق جنسيتهم الموريتانية.

 

وقد كان في وسع قادة الأفارقة الموريتانيين إشعالها حربا أهلية طاحنة من الحدود مع جمهورية السنغال أو جمهورية مالي، لكنهم لم يفعلوا ذلك لحسن الحظ، وأما الثانية فهي منتصف العام 2003 حينما قرر قادة تنظيم "فرسان التغيير" الانسحاب من المعركة رغم نجاح انقلابهم من الناحية العسكرية، وذلك حينما وجدوا أنفسهم مرغمين على مواجهة دامية داخل الجيش الموريتاني.

 

ورغم الضربات التي تعرض لها "فرسان التغيير" باعتقال قائدهم الكارزمي صالح ولد حنن وبعض زملائه، فإن كل الدلائل تشير إلى قدرتهم على إشعال حرب داخلية، والسيطرة على أجزاء واسعة من البلاد متى شاؤوا، بحكم وجود العديد من قادتهم في المنفى في دول الجوار، وقدرتهم على التسلل عبر الحدود المفتوحة في أي لحظة، والتعاطف الواسع الذي يحظون به في الجيش والشعب، والعلاقات السياسية والعشائرية القوية التي يتمتعون بها، ولا يبدو أن ما يمنعهم من ذلك سوى إدراكهم أن أي حرب أهلية ستجعل الدولة الموريتانية في مهب الريح.

 

اعتقالات الإسلاميين

"
يسود موريتانيا مستوى من البؤس الاجتماعي لم يحدث من قبل في تاريخها، بعد أن تحكمت نخبة عشائرية أشبه ما تكون بمافيا في ثروات البلاد
"

أما الظاهرة الثانية المثيرة للتأمل فهي اعتقال بعض الشباب الموريتانيين ذوي الميول السلفية بتهمة الارتباط بالجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر التي هي حليف سياسي وعسكري لتنظيم القاعدة شمال إفريقيا.

 

وقد بدأت خيوط هذا الأمر تتكشف منذ شهور من خلال شائعات عن إمكانية استهداف أهداف غربية في موريتانيا، ولم تقدم السلطة حتى الآن دليلا واحدا على ما اتهمت به أولئك الشباب، كما أن عددا من السلفيين المعتقلين تم اعتقالهم من قبل عدة مرات، ثم أطلق سراحهم دون تهمة رسمية أو محاكمة قضائية، وهو ما يدل على أن الأمر لا يعدو استمرارا لأسلوب المتاجرة المبتذلة بأعراض الموريتانيين استدرارا للعطف والمال الغربي، وهو أسلوب عود عليه الرئيس معاوية شعبه كلما لاحت بوادر أزمة في علاقته بحماته الغربيين.

 

وكعادة الرئيس معاوية في التعاطي مع هذه الظواهر، فقد حاول الربط بين القضيتين، وإيهام العالم الغربي أن موريتانيا على وشك التحول إلى أفغانساتان جديدة، رغم أن الهجوم على الدرك –بحسب معلومات لا ريب في صحتها- هو من فعل جهات ساخطة داخل الجيش الموريتاني، أرادت إرسال رسالة إلى الرئيس الموريتاني وإلى جهات أخرى متنفذة، ولا علاقة له بالمعتقلين السلفيين الذين تم اعتقالهم قبل الحادثين على أية حال.

وزاد من فجاجة الأمر أن اعتقلت السلطة عددا آخر من قادة وأعضاء التيار الإسلامي السياسي ذي الخلفية الإخوانية، وغيره من القوى السياسية التي تقف في وجه العلاقات مع إسرائيل، ولا تؤمن بالعنف وسيلة للمنازلة السياسية.

 

معاوية والقشة الإسرائيلية

"
تعلق الرئيس الموريتاني بالقشة الإسرائيلية لإنقاذه من الغرق وإيصاله إلى "بر الأمان" الأميركي وهمٌ كبير يدل على جهل بالعقيدة السياسية الأميركية
"

بيد أن اللعبة لم تعد تنطلي على الرأي العام المحلي، ولا على الأوروبيين أنفسهم الذين بدؤوا يدركون بعمق مستوى الانتهازية لدى بعض الحكام ومتاجرتهم بمخاطر مفتعلة، تسولا واستدرارا للدعم السياسي والاقتصادي والعسكري.

 

ومع أن الوقائع لا تدل على أن مسار الحرب الأهلية قد بدأ بالفعل، أو أن العنف العابر للقارات قد اتخذ له موطئ قدم في موريتانيا حتى الآن، إلا أن كلا من الاحتمالين أصبح واردا من الناحية العملية، ولم يعد مجرد تنظير في مراكز الدراسات الغربية.

 

وما يطمح إليه العقيد معاوية ولد الطايع هو إقناع الغربيين أن دعمهم له هو الذي سيجنب البلاد مسارات الحرب الأهلية والعنف السياسي، لكن هذا التصور من طرف الرئيس تخلُّف وسوء فهم للواقع الدولي الراهن، إذ لم يعد الغربيون ينظرون إلى الحاكم المستبد في الدول الإسلامية على أنه داء ودواء، بل أصبح الرأي القائل إن الاستبداد هو جذر العداوة ومصدر سوء الفهم بين الشعوب الإسلامية والغربية، يتقدم يوما بعد يوم على مذهب "الواقعية السياسية" القديم. 

 

كما أن تعلق الرئيس الموريتاني بالقشة الإسرائيلية لإنقاذه من الغرق، وإيصاله إلى "بر الأمان" الأميركي، وهمٌ كبير يدل على جهل بالعقيدة السياسية الأميركية، وبتعقيدات المسرح السياسي في الولايات المتحدة:

 

- فالأميركيون لا يستثمرون في نظام على شفا الانهيار، لأن الاستثمار فيه يضر مصالحهم على المدى البعيد ولا ينفعها، وذلك من آثار جهد "فرسان التغيير" الذين أظهروا للعالم من خلال محاولتهم الانقلابية الجريئة هشاشة النظام الموريتاني.

 

- وتاريخ الرئيس معاوية من التصفيات العرقية ضد الأفارقة الموريتانيين يجعل الحكام الجمهوريين في واشنطن يتحوطون من صداقتهم، وهم يسعون إلى زيادة رصيد الحزب الجمهوري من أصوات الأفارقة الأميركيين.

 

- وقصة النفط التي لفتت أنظار الأميركيين إلى موريتانيا لا تزيد على أنها قول خال من مضمون، فقد رفعت إحدى شركات التنقيب عن النفط الموريتاني دعوى قضائية ضد شريكها بسبب الخسارة التي منيت بها، ونفد وقود السيارات في نواكشوط في نفس الأيام التي استحدث فيها ولد الطايع وزارة نفط!
 
- أما الورقة الإسرائيلية فهي تتحول يوما بعد يوم إلى عبء على واشنطن، إذ ليس من الوارد أن يقطف الرئيس الموريتاني من ورائها ثمرة أكثر من مجاملات لفظية باردة، ومبالغ مالية زهيدة، خصوصا وأن ولد الطايع لا ينفع صديقا ولا يضر عدوا في نظر الإسرائيليين أنفسهم.

 

لقد صنفت دراسات غربية عديدة موريتانيا ضمن "الدول الهشة" التي قد تنهار بسهولة، وتتحول إلى مأوى للعنف العابر للقارات، بحكم اتساع أرضها، وعشائرية شعبها، وضعف السلطة المركزية فيها، وهذه المعايير الثلاثة تجعل أي دولة اليوم محل قلق واهتمام على المستوى الدولي، بعد ما حصل في الصومال وأفغانستان.

 

وينظر الأوروبيون بشكل خاص بقلق بالغ إلى الوضع السياسي المتردي المفتوح على كل الاحتمالات في هذا البلد، بعد عقدين من الفساد والاستبداد، وبوادر سخط عام على حكم الرئيس معاوية، قد يعبر عن نفسه بشكل عشوائي يصل شرره إلى أوروبا.

 

وهكذا يبدو أن صراع البقاء بين موريتانيا ومعاوية قد دخل طور الحسم، فإما أن يرحل الرئيس دون أن يشعل النار في البلد بأسره، ويبدأ مسار جديد من الإصلاح والحرية والعدل والديمقراطية، وإما أن تنهار الدولة على رأسه ورؤوس أبناء شعبه، على الطريقة الصومالية والأفغانية، ويومها سيدرك الذين وقفوا إلى جنب العقيد ولد الطايع في الداخل، والذين دعموه من الخارج، أنهم ظلموا الشعب الموريتاني بأسره، وفتحوا مسالك من الفوضى والعنف، لن تحدها حدود موريتانيا، بل قد تمتد إلى المنطقة بأسرها، وربما يعبر لهيبها عباب الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، إلى ديار أولئك اللاعبين الكبار، الذين يعبثون بمصائر الشعوب المستضعفة دون نظر في العواقب.
ــــــــــــــــــ
كاتب موريتاني 

المصدر : الجزيرة