محمد بن المختار الشنقيطي

البناء التنظيمي
العمل الإعلامي

النضال السياسي

في شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 1969 بدأ علماء من جامعة كاليفورنيا الأميركية تجربة علمية مثيرة، لم يكن القائمون عليها يتصورون النتائج الباهرة التي ستثمرها، والأثر العميق الذي ستتركه على مسيرة التاريخ الإنساني. كانت التجربة العلمية محاولة لربط جهاز كمبيوتر في مدينة لوس أنجلوس بكومبيوتر آخر في مدينة منلو بارك بخط هاتفي، بحيث يستطيع الجهازان العمل معا في شكل نظام اتصال مغلق.

ولم تكن غاية أولئك العلماء الأميركيين بالطبع تسهيل مهمات الحركات الثورية في العالم الثالث، ولا توفير وسائل اتصال سريعة وإعلام حر وفعال لدعاة الإصلاح والتغيير في العالم العربي والإسلامي، وإنما كان هدفهم إبقاء أنظمة الصواريخ النووية الأميركية فعالة، حتى بعد تعطل جزء منها في حرب مدمرة.

لكن ثورة الاتصال التي أحدثها الإنترنت غدت اليوم من أهم الوسائل التي تستعملها القوى السياسية المستنيرة لتحرير الشعوب من الاستبداد والظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ونشير هنا إلى بعض الإمكانات الجديدة التي يوفرها الإنترنت لهذه القوى في سعيها لبناء مجتمع العدل والحرية، خصوصا في مجالات البناء التنظيمي، والعمل الإعلامي، والنضال السياسي.

"
مبدأ "الهرمية" في التنظيمات التقليدية كان يهدف في الأساس إلى التقليل من تكاليف الاتصال، والقدرة على التحكم والسيطرة والتنسيق، وقد وفرت ثورة الإنترنت هذه الفوائد دون حاجة إلى الهرمية التنظيمية
"

البناء التنظيمي
لقد أثر الإنترنت على الفكر الإداري والتنظيمي تأثيرا عميقا، وأنتج مفاهيم جديدة
حول أسس التنظيمات من حيث البنية، والقيادة، والسيطرة، والاتصال، والتكيف، والاستفادة من مواهب الجميع.. وغيرت هذه المعطيات الجديدة من أساس الفكرة التي انبنى عليها مبدأ "الهرمية" في التنظيمات التقليدية.

فالهرمية كانت تهدف في الأساس إلى التقليل من تكاليف الاتصال، والقدرة على التحكم والسيطرة والتنسيق، وقد وفرت ثورة الإنترنت هذه الفوائد دون حاجة إلى الهرمية التنظيمية -بمعناها القديم على الأقل- بل مع اعتماد الشكل الانسيابي من التنظيمات.

كما منحت هذه الإمكانات فرصا للتنظيمات السياسية للتقدم خطوات في خبرتها وأدائها على أجهزة الدول القمعية، التي لا تزال رهينة لتقاليد الهرمية القديمة، وهي تقاليد لا يستطيع الحكام المستبدون التحرر منها، بسبب طبيعة حكمهم المتوجس من شعوبهم، وحتى من أجهزتهم التي تحميهم.

ولا يعني ذلك بحال القول بأن نظام الهرمية سيختفي في التنظيمات السياسية نهائيا مع ثورة الإنترنت، فهذه التنظيمات لا تستغني بطبيعتها عن شيء من الهرمية، إذ هي مشروع دولة مستقبلية، لكن هرميتها في عصر الإنترنت ينبغي أن تعاد صياغتها في إطار جديد مختلف عن السابق.

أما الشكل التنظيمي الخالي من القيادة نهائيا، فهو لا يناسب الحركات السياسية في الظروف العادية، وقد يناسب حركات التحرير والمقاومة في بعض الظروف.

إن اختزال الزمان والمكان الذي نتج عن الإنترنت يمكِّن الحركات السياسية من تجاوز القيود الزمانية والمكانية التي كانت تقيدها في الماضي، وإعادة صياغة هيكلها التنظيمي بطرق مختلفة عن الشكل الهرمي التقليدي.

أما تجاوز قيود الزمان فيتمثل في سرعة التنسيق والمتابعة، ووصول المعلومات وإيصالها.

وأما تجاوز قيود المكان فيتمثل في إمكانية بناء تنظيم فعال يدير أعماله بسرعة وفاعلية مع وجود أعضائه -بل وقادته- في أماكن متباينة، وبلدان شتى.

ومن خصائص البناء التنظيمي في عصر الإنترنت:

- المرونة والعلاقات الداخلية الطليقة التي تنبني على مبدإ التنسيق العام، لا التبعية الإدارية الصارمة.

- اللامركزية في المسؤوليات، وتفويض الكثير من الصلاحيات للهيئات الدنيا في الهيكل التنظيمي.

- انحصار دور القيادة العامة في التنسيق والدعم والتخطيط الإستراتيجي، دون إملاء للقرارات التكتيكية.

- سيادة العلاقات الجانبية المتوازية بين مكونات التنظيم الداخلية، بديلا عن العلاقات الرأسية الهرمية.

- تبدل الشكل التنظيمي حسب الحاجات العملية، دون الخضوع لبيروقراطية ثابتة أو هيكلية جامدة.

ويمكن إحصاء عدد من الفوائد المترتبة على وجود تنظيمات سياسية مرنة من النوع الذي أوضحنا خصائصه أعلاه، ومن هذه الفوائد:

1- أن التنظيم السياسي سيكون منفتحا على المجتمع متفاعلا معه، وليس بنية متميزة عنه، وبقدر ما يرتبط عضو الحزب أو الحركة السياسية بقيادته برباط الفكرة والتنسيق، بقدر ما يجد هامشا كبيرا للتواصل مع مجتمعه المحيط، وتبليغ رسالته إليه، أو أدائها فيه، حسب نوعية العمل الذي هو مسؤول عنه.

2- تجنيب القوى السياسية الساعية إلى الإصلاح والتغيير مساوئ المركزية التي تؤدي إلى عزلتها عن المجتمع وانكفائها على ذاتها، ذلك الانكفاء الذي يؤدي إلى قصور في مجالات حيوية مهمة، مثل الاحتماء السياسي بالمجتمع، والتعبئة الفكرية والسياسية المنسابة.

3- عدم انحصار حركة الإصلاح والتغيير في حيز جغرافي ضيق "دولة واحدة مثلا" مما يجنبها مخاطر كبيرة في حالة حدوث مواجهة سياسية، أو حملة قمعية ضد أعضائها، فالانحصار في بلد واحد يمكِّن السلطة القمعية في ذلك البلد من استئصال حركة التغيير أو ضربها ضربات قاتلة.

4- منح حركات التغيير فرصة لإسماع صوتها في أكثر من بلد، والضغط السياسي على السلطة المستبدة من خلال أصواتها في الخارج، وهو أمر لا تخفى قيمته في عصر التداخل الدولي الراهن، وتأثير وسائل الإعلام العابرة للقارات على القضايا المحلية.

5- تمكين التنظيم السياسي من العمل في كل بلد حسب خصوصياته السياسية والقانونية، وتوظيف الاختلافات بين البلدان والحكومات المختلفة لصالح أهدافه، فالنضال الإعلامي يتولاه المقيمون في بلاد تتوفر فيها حرية التعبير مثلا، والعمل الاجتماعي تتولاه قوى الداخل .. وهكذا.

6- تمكين التنظيم السياسي من تغيير تكتيكاته بسرعة قياسية، وبناء هيئات وهياكل تنظيمية لأهداف مؤقتة، ثم حلها فور تحقق تلك الأهداف، دون الحاجة إلى بناء تنظيمي جامد، وهذه المرونة الهيكلية تحْرم قوى القمع من قراءة تاريخ التنظيم بشكل يمكِّنها من الإضرار به.

7- قدرة التنظيم السياسي على امتصاص الضربات القمعية، فالتنظيمات ذات البناء الهرمي الصارم تصاب بتصدع بعد كل ضربة، وقد تنهار نهائيا، بينما تمتاز التنظيمات غير الهرمية بالقدرة على امتصاص الضربة وعزلها، والتعافي من آثارها بسرعة، لأن العلاقات فيها عضوية لا ميكانيكية، جانبية لا رأسية.

وإذا كان الوجود المادي للأعضاء أو القادة في مكان واحد لم يعد ضروريا لبناء تنظيم سياسي ناجح -بتأثير من ثورة الاتصال الناتجة عن الإنترنت- فإن المتابعة المادية والضبط الإداري المادي لم يعودا بنفس الدرجة من الأهمية كذلك، بل أصبح الاشتراك في المبادئ والأهداف، ودوام التشاور والتنسيق بين وحدات مستقلة إداريا وتكتيكيا كافيين إلى حد بعيد.

فالمركزية التنظيمية يغني عنها الانسجام الفكري، والتقارب في المكان تغني عنه سرعة الاتصال ومرونته.

والتنظيم السياسي الناجح في عصر الإنترنت هو ذلك الذي يتبنى معادلة التوجيه الإستراتيجي والاستقلال التكتيكي، ويرجح التنسيق الأفقي على الهيمنة العمودية، فيحرص على وضوح المبادئ والأهداف والإستراتيجية المتبعة في أذهان الأعضاء، لكنه يسمح لهم بقدر كبير من الاستقلالية في التكتيك والأمور العملية.

إن الأشكال الجديدة من التنظيم والاتصال التي يساعد الإنترنت على تطبيقها تجعل قوى الإصلاح والتغيير حاضرة غائبة في نفس الوقت، فهي موجودة في كل مكان من حيث قدرتها على إسماع صوتها للجميع، والضغط على السلطة المستبدة أينما كانت.. وهي غائبة من حيث أنها لا يمكن حشرها في زاوية ضيقة ولا يمكن استئصالها، لأن بنيتها المرنة وعوائق الجغرافيا السياسية تحميها.

"
ظهور الإعلام الإلكتروني إيذان ببداية تحرر الإنسان من أجهزة التوجيه الإعلامي التي تسيطر على عقله، وهو تحرر مزدوج يشمل حرية الإرسال، وحرية الاستقبال
"

العمل الإعلامي
لقد أضعف الإنترنت بيروقراطية الدولة لصالح القوى السياسية وهيئات المجتمع المدني، من خلال قضائه على احتكار المعلومات، وضمانه لانسيابها بحرية لا يمكن التحكم فيها.

فظهور الإعلام الإلكتروني إيذان ببداية تحرر الإنسان من أجهزة التوجيه الإعلامي التي تسيطر على عقله، وهو تحرر مزدوج يشمل حرية الإرسال، وحرية الاستقبال. ومن مظاهر هذه الثورة الإعلامية الجديدة:

- تسهيل الحصول على المعلومات وهي لا تزال طرية من مصادرها المباشرة، فبمجرد نقرة على شاشة الكمبيوتر ينتقل القارئ من موقع إلى موقع أينما أراد على وجه الأرض، ويقرأ عن أي موضوع يشاء بأي لغة يفهم، دون مصادرة أو قيود.

- تسهيل إيصال المعلومات إلى الجمهور دون تحكم من الحكام المستبدين أو رجال المال المحتكرين لملكية وسائل الإعلام، وتوفير المعلومات الصحيحة هو أول خطوات التغيير، وقد كان احتكار أهل السلطة والثروة للمعلومات في الماضي من أهم الوسائل التي يحتمون بها.

- التمكن من إيصال الرسالة الإعلامية بالشكل الذي يريده المرسل، دون تدخل موجه من أباطرة الإعلام، الذين اعتادوا التصرف في المعلومات التي تصلهم وصياغتها وإخراجها بالطريقة التي تخدمهم، على حساب المرسل الأصلي ورسالته، بل قد يقدّمون الرسالة بصورة تخدم نقيض ما أراد مرسلها.

- رخص ثمن الاتصالات، بل ومجانيتها في أغلب الأحوال، مما يجعلها متاحة للجميع، ولا مجال لاحتكارها من طرف الحكومات القمعية أو الشركات الاحتكارية. ومن فوائد رخص ثمن الاتصالات إشراك عامة الناس في المعلومات، وتلك هي الخطوة الأولى لاتخاذ الموقف السياسي الرشيد.

"
يعطي الإعلام الإلكتروني القارئ فرصة اطلاع أكبر من الناحية الكمية، ففي جلسة واحدة أمام الكمبيوتر يستطيع القارئ أن يطالع عشرات المصادر الإعلامية، من جميع أرجاء العالم، ودون تكلفة مالية تذكر
"

ورغم أن الحكام الدكتاتوريين يميلون إلى التضييق على تكنولوجيا الاتصال الحديثة مثل الإنترنت، خوفا من انفلات الأمور من قبضتهم، فقد بدأ الإعلام الإلكتروني يقضي على إعلام الورق "الصحف" وبدأ يضايق إعلام الصورة "التلفزيون" وهو مرشح للسيادة في المستقبل، بسبب الميزات العديدة التي يمتاز بها على الإعلام الاحتكاري التقليدي، ومن هذه الميزات:

1- أن الإعلام الإلكتروني يعطي القارئ فرصة اطلاع أكبر من الناحية الكمية، ففي جلسة واحدة أمام الكمبيوتر يستطيع القارئ أن يطالع عشرات المصادر الإعلامية، من جميع أرجاء العالم، ودون تكلفة مالية تذكر، وهو أمر غير ممكن عمليا من حيث الوقت ومن حيث الكلفة، في التعامل مع الإعلام التقليدي.

2- أنه يعطي القارئ حرية الانتقاء والمقارنة، من خلال الاطلاع السريع على العديد من المصادر المختلفة الرؤى والخلفيات، واستخلاص النتيجة التي يراها أقرب إلى الحقيقة، دون أن يظل أسيرا لرؤية مخصوصة، ولا تخفى قيمة ذلك في تحرير إرادة المتلقي في تعاطيه مع الوسيلة الإعلامية.

3- أنه يمكِّن من القراءة المتخصصة، فلم يعد من اللازم استنزاف الوقت والجهد في تصفح الصحف بحثا عن موضوع معين، أو انتظار برنامج مخصوص في إحدى القنوات التلفزيونية، بل أصبح الإنترنت، بوسائل البحث في مادته، يمكنك من الاطلاع على الموضوع الذي تريد في الوقت الذي تريد.

4- أنه يوصل الرسالة الإعلامية إلى مدى عالمي، ويتجاوز القيود التقليدية التي تقيد التلفزيون والصحافة المطبوعة، فهذه تحدها حدود "المكان" فلا يتجاوز بعضها مساحة معينة من البسيطة، كما تحدها حدود "الإمكان" فلا يستطيع الجميع الوصول إليها لأنها غير مجانية، بخلاف الإنترنت فلا تحده حدود المكان، وهو مجاني أو شبه مجاني في العادة.

"
تغير مفهوم التظاهر والاحتجاج بعد ظهور  الإنترنت، فلم يعد بالضرورة ذلك الحشد البشري المادي المثير للصخب المؤدي إلى الشغب وربما إلى التخريب والقتل، وإنما حلت محله أمواج الرسائل الاحتجاجية أو التأييدية التي ترد عبر الإنترنت
"

النضال السياسي
وفر الإنترنت لحركات الإصلاح والتغيير إمكانات جديدة في مجال النضال السياسي، لم تكن موجودة من قبل، منها:

- تسهيل سرعة الاستجابة للأحداث السياسية، والرد السريع على التحديات في سرعة قياسية، فلم يعد الأمر يحتاج إلى سيارات تحمل أبواقا وتجول في المدن لدعوة الناس إلى مسيرة، أو إنفاق مبالغ طائلة لترويج حدث سياسي في وسائل الإعلام التجارية، بل أصبح الأمر مجرد تحرير رسالة تعبئة واستنفار، وإرسالها إلى العناوين الإلكترونية لآلاف الناس في لحظة واحدة، أو نشرها على مواقع معينة في الشبكة الإلكترونية ليطلع عليها الآلاف، فيستجيبون للنداء.

- تشويش أفكار الحكومات القمعية وخلخلة إستراتيجيتها من خلال الحشد المتوازي، المتعدد الرؤوس والمنابع، بحيث لا تستطيع القوى القمعية أن تحدد هدفها بدقة، أو تصوغ تكتيكا فعالا للقضاء عليه، بل لا تستطيع أن تحدد بدقة من يقف وراء الاحتجاجات الاجتماعية، مما يحول بينها وبين القدرة على عزله عن المجتمع. وهذا التشويش الفكري والإستراتيجي في أذهان القوى القمعية يشل تحركها، ويقضي على فاعلية ردها، ويختلف الأمر لو كان واضحا للسلطة أن وراء الاحتجاجات حزبا أو منظمة أو حركة مخصوصة، يسهُل حشرها في زاوية ضيقة.

- تغير مفهوم التظاهر والاحتجاج بعد وجود الإنترنت، فلم يعد بالضرورة ذلك الحشد البشري المادي، المثير للصخب، المؤدي إلى الشغب، وربما إلى التخريب والقتل، وإنما أصبحت أمواج الرسائل الاحتجاجية أو التأييدية التي ترد عبر الإنترنت تعوض الاحتشاد المادي في مكان واحد، إذا رأى أهل القضية أن يتفادوا المواجهة المباشرة مع القوى القمعية، أو اجتناب الآثار السلبية والثمن الباهظ للاحتشاد المادي. وقد برهنت العرائض الإلكترونية التي يوقعها آلاف -أو ملايين- الناس على أنها أداة سياسية فعالة، تغني أحيانا عن المظاهرات الحاشدة.

- حول الإنترنت تظاهرات الاحتجاج والتأييد من نشاط محلي إلى ظاهرة عالمية، حيث تتوارد الرسائل من جميع أرجاء العالم لتأييد موقف سياسي معين، أو للاحتجاج على آخر.

ففي عام 2001 وقع مائة ألف شخص من مختلف الأوطان والأديان -خلال أيام معدودة- مذكرة مرفوعة إلى مندوبية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عبر الإنترنت، تطالب بمحاكمة أرييل شارون بجرائم الحرب التي ارتكبها عام 1982 إبان الغزو الإسرائيلي لبيروت.

"
حول الإنترنت تظاهرات الاحتجاج والتأييد من نشاط محلي إلى ظاهرة عالمية، حيث تتوارد الرسائل من جميع أرجاء العالم لتأييد موقف سياسي معين، أو للاحتجاج على آخر
"

وهذه الصيغة الجديدة للاحتجاج والتظاهر ثمرة من ثمرات الإنترنت، وتعبير عن الإمكانات السياسية التي يوفرها، وقد دعاها بعض الباحثين "الديمقراطية الإلكترونية" و "المجتمع المدني العالمي".

- إن الخبرة والتسهيلات الجديدة التي وفرها الإنترنت في مجال التنظيم والاتصال والإعلام غيرت المعادلة القديمة التي كانت تضطر قوى التغيير إلى الاعتماد على دعم دول أخرى في نضالها السياسي، كما كان الحال في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين.

فقد كانت قوى التغيير تحتاج إلى دعم دول معينة في مجال الاتصال والإعلام والتأمين "حمل جوازات سفر الدول المساندة، والحديث عبر وسائل إعلامها، واستخدام الحقائب الدبلوماسية التابعة لسفاراتها ..إلخ"، لكن الإنترنت جعل التنظيمات السياسية في غنًى عن كل ذلك، فحررها من ثمن الدعم الخارجي الذي كثيرا ما يتضارب مع أهداف حركات التغيير ورسالتها.

لقد أفاد الإنترنت حركات التغيير الديمقراطي في العديد من دول العالم، ومن أشهر الأمثلة على ذلك، ثورة الطلاب الصرب ضد مجرم الحرب سلوبودان ميلوسوفيتش الذي كان يقود بلادهم، فقد كان لطلاب جامعة بلغراد أعظم الدور في إشعال الثورة ضد "ميلوسوفيتش"، وكان الإنترنت أعظم وسيلة لهم في الاتصال والإعلام والتعبئة، حتى لقد دعوا ثورتهم "ثورة الإنترنت".

لذا فإن حركات الإصلاح والتغيير في عالمنا العربي والإسلامي مدعوة اليوم إلى الاستفادة من ثورة الإنترنت إلى أقصى الحدود، في مجالات التنظيم والإدارة والاتصال والإعلام والنضال السياسي.. وغير ذلك من جوانب معترك الحياة، فهل نستوعب المدلول التاريخي لثورة الإنترنت؟
ــــــــــــــ
كاتب موريتاني

المصدر : الجزيرة