عماد فوزي شعيبي

 

يخطئ كل من يشخص الوضع بالنسبة لسوريا على أنه محض ضغوط عبر العراق ولبنان. وبالتالي فإذا اكتفى البعض بأن سوريا تحت الضغط، فإن النتائج المترتبة على هذا التحليل ستكون في حدود أن هنالك إمكانية لتوزيع الضغط أو التعامل معه.

 

وهذا تحليل إذا تم الاستمرار فيه أو الركون إليه وحده فإن المتمادي فيه سيكون كمن لا يقرأ بشكل واضح ما يتم  فعله سياسياً.

 

"
المطلوب هو شرق أوسط له نفس الهوية ونفس الامتداد السياسي، أي نفس الصورة السياسية.. مما يعني الاندراج في المشروع الأميركي تجاه الشرق الأوسط والعالم من حيث مكافحة الإرهاب بالطريقة الأميركية
"
لم يعد هنالك شيء مخفي تماما، فلم تعد هنالك تكتيكات واسعة في العمل السياسي على المستوى الدولي، كما لم يعد مفهوم الحرب النفسية ووسائل الضغط ولعبة حافة الهاوية وعض الأصابع .. كافية وحدها لرؤية ما يحدث اليوم في العالم تجاه المنطقة، بل الأهم أن مفاهيم من نوع: أن المخفي غير الظاهر، لم تعد تصلح كقراءة سياسية لهذا الوضع العالمي الذي تتحدث فيه الولايات المتحدة لغة واضحة وإيديولوجية للغاية.

 

 فالمسافة بين المخفي والظاهر تضاءلت إلى أبعد الحدود، إذ إن التصريحات علنية، والإيديولوجية المعلنة لتيار التمامية المسيحية ممثلة بجورج بوش وكوندوليزا رايس وتيار المحافظين الجدد من تشيني إلى رمسفيلد ففايث وولفيتز ومايكل ليدن ...إلخ واضحة لا لبس فيها، وهي إيديولوجية برسم التحقيق والتنفيذ. صحيح أنها ليست دائماً قابلة للتحقق ولكن –بالتأكيد- أصحابها سيحاولون ذلك.

 

الترسيمة تقول حسب المحافظين الجدد: العراق أولاً ثم لبنان فسورية وإيران فالسعودية والجائزة الكبرى هي مصر. هذه الترسيمة مرتبطة بما سميّ الشرق الأوسط الكبير Boarder. ولا ندري لماذا ترجمت مفردة Boarder بالكبير، إنها مفردة تدل على اللوح الممتد، إنه ليس كبيراً بالحجم إنه لوح له نفس المميزات والخصائص وهو مستوٍ تماماً؛ أي المطلوب هو شرق أوسط له نفس الهوية ونفس الامتداد السياسي، أي نفس الصورة السياسية.

 

وهو خارجيا الاندراج في المشروع الأميركي تجاه الشرق الأوسط والعالم، من حيث مكافحة الإرهاب بالطريقة الأميركية التي تعرفه (دون أن تعلن) أنه كل عمل فيه عنف تقوم به مجموعات من خارج الدولة.

 

وعلى المستوى الداخلي للدول هو إشاعة الديمقراطية والحرية من أجل ازدهار المبادرة الفردية، وتشجيع المنظمات الفاعلة للمجتمع المدني في المنطقة وعلى الأخص غير الحكومية الخاصة لحقوق الإنسان ووسائل الإعلام.

 

هذه الأهداف قد تكون إيديولوجية، وقد تكون مبالغاً فيها، ولكنها ليست مجرد ذرائع للهيمنة فقط، إنها  إيديولوجية تبشيرية (خلاصية) انبعثت من المكان نفسه والجهة نفسها تقريباً التي بشرت بنهاية الإيديولوجية (فرانسيس فوكوياما أحد أقطاب المحافظين الجدد).

 

الوضع الذي دخلت فيه سوريا يتلخص بكلمة: "إنها بين الضغط والاستهداف"، لكنها تدخل دائرة الاستهداف بخطى وئيدة. نعم لا تزال هنالك مساحة للعب السياسة لكن الخطوات الممتدة من استصدار القرار 1559 إلى اغتيال الحريري إلى قدوم ساترفيلد إلى لبنان فعمليات استهداف المواطنين التي تخللها تقرير فيتزجيرالد الذي كان أشبه باتهام سياسي منه إلى تقرير تقصي حقائق ..إلخ، كل هذا يقول بأن المسافة بين الضغط والاستهداف باتت رقيقة جداً بحيث لا تكاد ترى.

 

وبين المتفائلين السياسيين من يقول بأن آليات الضغط هي التي تعمل ولا يزال هنالك متسع من الوقت للسياسة، وبين المرتجّين من يقول إن المخطط يسير ولا فائدة، ثمة مسافة تعتمد بالدرجة الأولى على ما ستتخذه سوريا من إجراءات على صعد سياسية عدة مثل العلاقة مع العراق وتسهيل المفاوضات على المسار الفلسطيني.

 

"
الوضع الذي دخلت فيه سوريا يتلخص في أنها أصبحت بين الضغط والاستهداف، لكنها تدخل دائرة الاستهداف بخطى وئيدة وإن كانت  لا تزال هنالك مساحة للعب السياسة
"
ويطلب في هذا السياق اتخاذ إجراءات أكثر علنية تجاه القادة الفلسطينيين لحماس والجهاد، إذ لن يقبل من سوريا اتخاذ إجراءات سياسية صامتة بما فيها التشجيع في الرواق الخلفي على التهدئة، إذ المطلوب اندراج معلن على اعتبار أن أحداً في واشنطن لم يسمع ولا يريد أن يقدر الدور السوري الصامت.

 

وفضلاً عن أن هذين الشرطين سيكونان شرطا لعدم الدفع اتجاه وضع سوريا في وضعية المتهم فقط؛ فإنه لا ضمان – حتى الآن- بأن لا تكون نتائج التحقيق الدولي، مهما كانت، هراوة ترفع على سوريا مثلما رفعت نتائج تحقيقات لجنة إزالة أسلحة الدمار الشامل على العراق.

 

 لا ينفع في هذا المقام الاكتفاء بالقول إن سوريا ليست العراق وإنها نزعت كل مبررات تناولها بتنفيذ القرار 1559، وهو قول فيه شيء من الصحة، لكنه لا يضم كل التفاصيل الملحقة بمسألة التعامل مع سوريا (والشيطان يكمن – عادة – في التفاصيل)، إذ إن شيئاً من قبيل التعجيز يلف المطالبات الأميركية لسورية في الشأن العراقي.

 

فلا ضبط الحدود بشكل مطلق ممكن ولا التعاون الذي دعت إليه سوريا سواء الأميركيين أو العراقيين يستجاب له أو يسمح به، ولا يمكن تصديق الدعاوى التي تنفلت من حين لآخر والتي تقول إن السوريين مسؤولون عن تدريب أشخاص وتهيئة عمليات أو إيواء القادة البعثيين السابقين.

 

ومن المؤكد أن سوريا لم ولن تلجأ إلى وضع نفسها في بؤرة الاستهداف، فضلاً عن أن تقنية العمل السياسي العقلاني البراغماتي المحض لا تسمح – فعلياً- باستخدام أوراق محروقة، إضافة إلى أن سوريا تفهم أن العبث بالورقة العراقية الداخلية سيؤلب عليها عداء مع الشعب العراقي إضافة إلى نار الأميركيين الذين يرون أن فشلهم في العراق غير مسموح به، وهو ما تفهمه سوريا جيداً.

 

 السؤال الذي يطرح نفسه بشدة الآن هو عن هذا الهامش الرقيق بين الضغط والاستهداف، وعما إذا كان الوقت يتسابق – كما تسابق في استصدار القرار 1559- بين سرعة استجابة سورية استعراضية رغم التعاون الحقيقي على الأرض، وبين إعلان تقرير لجنة التحقيق الدولية بخصوص اغتيال الحريري، التي يبدو أنها أصبحت أمراً واقعا.

 

"
المعادلة السورية يمكنها أن تفلت من بعض معادلات الضغط الأميركي اللاحق إذا ما تبنى السوريون بسرعة مدروسة الإصلاحات السياسية بعد الاقتصادية أو على التوازي معها وهو الأفضل
"
أي هل سيضيق هامش الضغط ليصبح الاستهداف هو سيد الموقف بذريعة تضع سوريا بين فكي كماشة: العراق من الظهر ولبنان من الأمام وإسرائيل كطرف في معادلة الاستهداف؟

 

المعادلة السورية يمكنها أن تفلت من بعض معادلات الضغط الأميركي اللاحق إذا ما تبنى السوريون بسرعة مدروسة الإصلاحات السياسية بعد الاقتصادية أو على التوازي مع الأخيرة وهو الأفضل، على اعتبار أن الإصلاح الاقتصادي قد وضع على السكة وهو يحتاج إلى الزخم الذي يمكن أن يمنحه له توقيع اتفاقية الشراكة السورية- الأوروبية المتعطلة لحين تنفيذ القرار 1559.

 

ويبقى الموقف بانتظار المؤتمر القطري لحزب البعث الحاكم في سوريا، الذي من المتوقع أن يشكل القفزة الكبرى في حياة السوريين، حسبما عبّر عنه الرئيس السوري في خطابه الأخير، حيث يتوقع ألا يأتي الصيف المقبل إلا وقد بُدئ بحراك سياسي أوسع في سوريا، مما يعني أن الإصلاحات السياسية هي أيضاً على الطريق والدفع باتجاهها سيكون مطلوباً لجهة رفع التهمة الجاهزة التي يمكن أن تساهم في الانتقال من الضغط إلى الاستهداف.

_____________________

كاتب سوري

المصدر : الجزيرة