حسن سرات

 

- الإله حي يا نيتشه!

- وميض الإيمان والتحسس الروحي

- شروق الدين وغروب الحداثة

- فردانية وعولمة في الخدمة

- الدين الشخصي

- الدين بالقسيمة

- عولمة الظاهرة الدينية

- النموذج الأميركي والأفريقي

- مراجعة وتجديد

 

رحل بابا الكنيسة الكاثوليكية عن هذه الدنيا يوم السبت 2 أبريل/نيسان 2005 بعد عمر حافل بالعمل الديني المتواصل، المفتوح على عدة جبهات في العالم، بعد أن طالت المدة التي قضاها على كرسي البابوية.

 

وتلقى الخبر عامة الناس المتدينين واللامتدينين والسياسيين العلمانيين وغير العلمانيين والإعلاميين، باهتمام كبير، فأثارت هذه الواقعة الحديث مجددا عن عودة الديني وسلطته الروحية المتزايدة، وهذا المقال يلقي بعض الأضواء على هذه القضية الهامة.

 

الإله حي يا نيتشه!

من تحت تراب القارة العتيقة، من قلب المقابر الغربية، خرجت الديانات معلنة عن خلودها وصمودها وصعودها. وقالت بصوت مرتفع: لا.. لم يمت الإله، فالإله حي لا يموت.. إنما الموتى من ظنوا أن الدين قد مات.. ويستحيل على المخلوق أن ينكر خالقه وقد خلقه على هيئته، فهل ينسى العبد مولاه؟

 

وتعتبر هذه العودة ردا على الفيلسوف الألماني نيتشه الذي ذهب إلى أقصى مدى ممكن، وأعلن في لحظة غرور أن الإله (حاشاه) قد مات حين قال "ألم تسمعوا جلبة حفاري القبور وهم يكفنون الإله؟ ألم تستنشق أنوفكم التعفن الإلهي؟ لقد مات الإله! لقد مات الإله! ونحن الذين قتلناه"!

 

ويزهر الدين من جديد في قلب المدن والحواضر العلمانية، وتأخذ جاذبيته تزعزع المجتمعات اللادينية، بل يخترق الدين قلوب الرؤساء والوزراء وذوي القرار السياسي في الحصون العلمانية العتيدة بعاصمة فرنسا باريس.

 

"
إنسان القرن الحادي والعشرين يثبت أنه كائن متدين بيقين، وأن الدين حاجة متجذرة في أعماقه لا يمكن اجتثاثها ولا تجاوزها
"
وميض الإيمان والتحسس الروحي

وها هو إنسان القرن الحادي والعشرين يثبت أنه كائن متدين بيقين، وأن الدين حاجة متجذرة في أعماقه لا يمكن اجتثاثها ولا تجاوزها فيعود إلى التدين الظاهر بطرق ومسالك مختلفة، وأحيانا بتعابير غاية في القدم والغرابة معلنة عن رغب ورهب، وقلق وتعب، وبحث وطلب، بما تيسر له من وسائل، ولو اقتضى منه الأمر التخلي عن جزء من نفسه أو كلها.

 

ويتسم الإنسان المتدين المعاصر بكثرة الترحال وقلة الاستقرار، حتى إنه ليصبح كاثوليكيا ثم يبيت بروتستانتيا، أما في الغد فقد يؤمن ببعض من الغنوصية ليمسي كافرا بها. إنه متواصل البحث عن طرق وسبل عدة، لا يتعب من طرق الأبواب الجديدة، عابر سبيل كأنه في مخيم لا يريد بناء المستقر والمستودع.

 

كيف يمكن أن نفهم هذه الغمرة في العقائد والأعمال الكثيرة التنوع المتطورة إلى جانب الديانات التقليدية. لماذا يقبل الناس على المؤلفات والكتب ذات الطبيعة الخيالية والسحرية والأسطورية مثل "هاري بوتر" و"أمير الأطواق" و"الكيميائي"... هل معنى ذلك صمود التدين في قلب الحداثة؟

 

وكيف يمكن تفسير استمرار الإيمان حيا في النفوس رغم الأزمة الخانقة التي شهدتها وما تزال تشهدها المؤسسات الدينية التقليدية: فالإيمان بالله يبقى غالبا في الغرب، إذ أن 93% من الأميركيين و67% من الأوروبيين يعلنون أنهم مؤمنون بالله. ماذا يختفي تحت هذا السطح؟ ماذا يوجد في الأعماق؟

 

حسب الاستطلاعات المنجزة في أوروبا وأميركا، يظهر أن الإلحاد المتطرف مثل التدين الحرفي الدائم لا يقوم به إلا القليل.

 

في أوروبا حسب أكبر استطلاع حول القيم سنة 1999، فإن 7% ملحدون، و30% متدينون ملتزمون (أي يشهدون قداسا دينيا في الشهر). ومعنى هذا أن ثلثي الأوروبيين (ممن يشعرون بالانتماء أو عدم الانتماء إلى ديانة ما) ليسوا متدينين ملتزمين ولا ملحدين لا دينيين، فبين طرفي الالتزام الديني واللاديني يوجد إيمان محتمل يشتعل وينطفئ يمكن أن نسميه "الوميض الإيماني".

 

وأصبح أفراد من الغربيين يلتمسون سبلا للتدين خاصة بهم، لا يطرقون فيها الأبواب التقليدية المعروفة، بعيدا عن البيع والكنائس والأديرة يخوضون تجارب "التحسس الروحي" و"الترحال العقدي" و"التجوال الطائفي". ويصاحب تقلبات "الديني" تحولات في تصورات وتمثلات الألوهية.

 

شروق الدين وغروب الحداثة

لكن ثبات الدين وبقاءه في أشكال متجددة ومتجذرة يقلب المقاربة الكلاسيكية للعلاقات بين الحداثة والدين. فمنذ قرنين تقريبا والفكر الغربي يردد نهاية الدين في العالم الحديث. وتفنن كثير من المفكرين الغربيين في ابتداع النظريات والتفسيرات والأوصاف للدين، فهو عند أوغست كونت استلاب فكري، وعند فيورباخ استلاب أنتروبولوجي، وهو نفسي حسب فرويد، بل هو أفيون الشعوب واستلاب سوسيواقتصادي عند ماركس.

 

ومضى أولئك المفكرون في ترسيخ اليقين بأن الدين عقبة أمام التقدم الفردي والاجتماعي. وضمن تصور مثل هذا، اقتنع كثير من الناس أن التطور العلمي وتبلور العقل النقدي والوعي بالذات والعدالة الاجتماعية كل ذلك سوف يؤدي بالإنسانية إلى عالم أفضل، وسوف يتحرر الإنسان من الوهم الديني.

 

وطيلة القرن العشرين، وخاصة عقب الحرب العالمية الثانية، اعتقد كثير من المراقبين أن غروب شمس السلوك الديني في أغلب أقطار "أمة الغرب" يؤيد المتنبئين بموت الإله ونهاية الديانات. وتواترت أمالي خبراء علم الاجتماع تنشر المعطيات والدراسات الميدانية التي لا تظهر الأزمة العميقة غير المسبوقة في المؤسسات الدينية فحسب، بل انحسار هيمنة الدين على المجتمع، وأن ما سمي بالعلمنة أمسى هو الأفق المنشود للحداثة.

 

وهكذا كتب الكاتبون مؤلفات شهيرة مثل "غروب المقدس" (سابينو أكوافيفا) و"المدينة العلمانية" (هارفي كوكس) و"زوال الوهم عن العالم" (مارسيل غوشيه).

 

غير أنه، ومنذ حوالي ثلاثين سنة ظهرت مؤشرات عدة لتفجر هذه التحليلات والرؤى، إذ تناسلت حركات دينية ومجموعات طائفية، وتطور "البوتكونتيزم البروتستانتي (الإنجيلية الأميركية الجديدة) وتجددت الكاثوليكية، ونجحت المهرجانات الخطابية للبابا الراحل، وهبت رياح التجديد الديني والصحوة الدينية في الديانات السماوية الثلاث ودخلت المعترك السياسي.

 

ونبتت البوذية القادمة من آسيا في التربة الغربية، وازدهر التصوف والروحانيات والفلسفات الغنوصية القديمة، بل أطل التفكير السحري والخرافي من جديد وروجت ثقافة الأبراج والأفلاك وعبادة الشيطان والملائكة والجن وسكان الكواكب البعيدة وغيرها.

 

وأمام هذه الغمرة والفيض الديني المتعدد الأشكال والتعابير، أعلن مراقبون وإعلاميون عن عودة "الديني"، في حين أن خبراء علم الاجتماع الذين كانوا موقنين باللائيكية مثل بيتر بيرغر ودافيد مارتن أعلنوا توبة ورجوعا، فتحدث بيرغر ذاته عن مسار "نسخ العلمانية"، واعترف في كتابه الأخير أن العالم الحالي "متدين بقوة كما كان دائما، بل بدرجة أقوى في بعض جهاته".

 

ومنذ أكثر من عقد من الزمان أصبحت  الموضة هي "انتقام الرب" (جيل كيبيل) و"عودة المقدس" (إنزو بيس). أكثر من ذلك، لم يعد الدين هو الذي يعيش لحظة الغروب، ولكن شمس الحداثة هي التي بدأت تغيب الآن، ولذلك جرى استبدالها منذ زمن قصير، بسبب التجاوزات الشنيعة للعقل والعقلانية، والنتائج الفظيعة للعلم والتقنية والسياسة، بما بعد الحداثة.

 

"
ساهمت الفردانية والعولمة في ظهور النزعات الطائفية والأصولية وتطورها في قلب الأديان الكبرى
"
فردانية وعولمة في الخدمة

لم يمت الإله في زمن الحداثة، ولكنه بقي حيا لا يموت، ولم ينطق نيتشه إلا عن سفاهة وجنون، ودخل الدين  في مسار من التحولات، كما ساهم في تكييف الحداثة نفسها.

 

لفهم ذلك، تنبغي دراسة مسارين كبيرين وأساسيين في الحداثة: مسار الفردانية ومسار العولمة في كل من أوروبا والولايات المتحدة، إذ لم  تعد الديانات القديمة تفرض نفسها وتقدم ذاتها للفرد والمجتمع، بل أصبح الأفراد أنفسهم يذهبون في رحلة بحث واستكشاف واختيار  وتجوال بين الديانات وداخلها.

 

كما أن العولمة فتحت كل الحدود وهدمت كل السدود ودكت كل الحصون واخترقت كل القصور فاسحة المجال للترويج والعرض والتنقل أمام الأديان، متيحة للأفراد القدرة على تركيب ديانات شخصية حسب قانون العرض العالمي.

 

وهكذا ساهمت الفردانية والعولمة في ظهور النزعات الطائفية والأصولية وتطورها في قلب الأديان الكبرى: طائفيات وأصوليات اعتبرت أجوبة واستجابات ضد بعض التطورات العالمية خاصة الشكوكية وضياع الهوية الجماعية والوحدة الوجودية.

 

أما الأوفياء الملتزمون والتائبون العائدون فقد تمسكوا بدياناتهم القديمة وعضوا عليها بالنواجذ لأخذ مسافة من العالم الحديث، في حين أن أعضاء الطوائف الدينية الجديدة بنوا خطابا نقديا جديدا اتجاه العالم على الرغم من إنجاز ذلك من خلال ذاكرة أعيدت صيانتها وتركيبها.

 

الدين الشخصي

خلال خمسة قرون، عرفت القارة العتيقة انقلاب الوعي الديني من الدين الشامل المؤطر للمجتمع كله إلى الدين الشخصي الخاص، ويعتبر هذا الانقلاب الضخم مفتاحا هاما لفهم الظاهرة الدينية المعاصرة.

 

حصل ذلك نتيجة الاستقلال المزدوج الذي يشكل المشروع الرئيس لعصر الأنوار: تحرير العقل من قبضة الإيمان، وتحرير الفرد من قبضة التقاليد.

 

ففي العالم التقليدي لم يكن الفرد سوى رقم من الأرقام يأخذ مكانه الطبيعي وسط المجتمع، ويخضع للعادات الجماعية المفروضة من سلطة "عليا" و"سابقة"، بينما في العالم الحديث، أصبح الفرد هو المشرع لحياته الخاصة ويحتل المكانة التي حصل عليها بجهده في مجتمع يدعي المساواة.

 

الفرد حر في اختيار معتقداته، ويؤسس قيمه الخاصة في قلب عالم متعدد تتعايش فيه القيم المتناقضة التي تخضع جميعها للنقد العقلي، ولم يعد الماضي بمثابة أفق غير متجاوز أو مثل أعلى يرجع إليه، بل على العكس أمسى عالما ناقصا لا يصلح ليكون مرجعا ولا مرجعية، ومن أهم الأفكار القوية التي بنيت عليها عملية التحرر الديني للفرد فكرة التسامح الديني التي وسعت من مجال الحرية الاعتقادية والتعايش بين الأديان والمذاهب والطوائف.

 

مع مرور الوقت وضعت الحرية الفردية في الاعتقاد حدا لسيطرة "اللاهوت السياسي" وانفصال السلطة الدينية عن السلطة السياسية. ولم يعد بإمكان أي مؤسسة دينية أن تفرض رؤيتها للعالم، ولا مبادئها ولا أخلاقياتها على المجتمع، كما كان من قبل، وتساوت مع الآخرين في عرض وجهة نظرها فحسب ليأخذ الأفراد بها أو يتركوها.

 

أي أنها انتقلت من تدبير الحياة الاجتماعية إلى مجرد مخازن للمعتقدات ومصلحة لتقديم الخدمات الدينية المتنوعة (كالتعميد والتزويج والدفن) يتوجه نحوها الأفراد باختيار شخصي حر ينبني على شعور روحي خاص أو على فعل ثقافي هوياتي منعكس، أو هما معا. وبذلك دخلت المؤسسات الدينية في أزمة شديدة غير مسبوقة.

 

ورغم ممانعة الكنائس، انفسح المجال أمام التعدد الديني وتوسع الاعتقاد بوجود حقائق أساسية في كثير من الديانات.

 

 الأزمة التي عرفتها المؤسسات الدينية التقليدية ثلاثية الأبعاد: أولا صارت الكنائس واحدا من الأصوات الدينية وصار لزاما عليها أن تعترف بالأصوات الأخرى وتتعايش معها وتتنافس معها. وثانيا، لأن الطلب الديني للأفراد انخفض بدرجة كبيرة جدا. وثالثا أن هذه المؤسسات أصبحت معرضة للتهديد بالانقراض نتيجة الاختيار الفرداني الحر، حتى صار العدد الأكبر من المتدينين لا يوجدون داخل الكنائس والمعابد ولكن خارجها.

 

"
الأفراد يقومون بالانتقاء ويتخيرون من الديانات والعقائد ما يحلو لهم، مقدمين بذلك شكلا جديدا من التدين يشبه الشكل الذي يختاره رواد المطاعم عندما تقدم لهم لائحة الأطعمة
"
الدين بالقسيمة

نشهد اليوم إذن تفكيكا خماسيا بين الإيمان والأخلاق والانتماء والالتزام والانضباط، وبين هذه العناصر الخمسة، وعبر درجة الانسجام بين كل عناصرها أو بعضها، أو الأخذ بواحدة منها، يتوزع المتدينون إلى أشكال وأنواع متفرقة.

 

يمكن العثور على المؤمن بلا انتماء وعلى المنتمي بلا إيمان، وعلى المؤمنين بلا عمل والعاملين بلا إيمان، وعلى الملحدين بغير يقين وعلى الموقنين بغير أخلاق ولا انضباط.

 

وقد أتاح هذا التفكيك وجود شكل من التدين أطلق عليه السوسيولوجي المتخصص في الدين إيف لامبير "التدين خارج المضمار"، أي خارج مجاله، وينتشر هذا التدين في فرنسا وهولندا البلدين الأكثر علمانية في أوروبا.

 

وكيفما كان شعورهم بالانتماء، فإن الأفراد يقومون بالانتقاء ويتخيرون من الديانات والعقائد ما يحلو لهم ويدعون ما لا يعجبهم، ويغيرون دائما آراءهم، مقدمين بذلك شكلا جديدا من التدين يشبه الشكل الذي يختاره رواد المطاعم عندما تقدم لهم لائحة الأطعمة. لذلك يطلق بعض علماء الاجتماع الديني مصطلح "التدين بالقسيمة" أو "الخدمة الدينية الذاتية".

 

من خصائص هذا التدين الفردي المسؤولية بدل الطاعة، إذ يرفض المتدينون الجدد أي شكل من أشكال الاتباع الأعمى دون وضع الأسئلة، ورغم إعجابهم ببعض الشخصيات الكاريزمية (مثل البابا جان بول الراحل في تجمعاته الجماهيرية) فإن الإعجاب لا يعني قبول عقيدة المعجب به واتباعه، فالكاريزمية تجذب لكنها لا تقتضي الوفاء والإخلاص.

 

ومما يزيد في تعميق أزمة المؤسسات الدينية التقليدية وتوسيع دائرة التدين الفردي، استفحال أزمة التوريث الأسري القائمة اليوم في مجال التربية الدينية على مبدأ "دعه حتى يكبر ويختار". ومن نتائج هذا الأمر أن الشباب البالغين لا يؤمنون بالوراثة، بل بالاختيار، أي أننا نشهد في الآن نفسه هجرة واعتناقا متزايدين. إحصائيات تغلب الهجرة على الاعتناق.

 

لكن ظاهرة الاعتناق والعودة للدين آخذة في الظهور والصعود، إذ في فرنسا مثلا تضاعف عدد الشبان الذين يستعدون للتعميد في قلب الكنيسة الكاثوليكية في العقود الماضية بعد أن كانت الظاهرة منعدمة قبل عشرين عاما، ووجد آلاف من الشبان الآخرين سبيل الالتزام الديني في قلب الجماعات الإنجيلية الجديدة. والشيء ذاته يحدث بالنسبة لاعتناق الإسلام والبوذية.

 

وقد أوصل تحقيق مطول للباحث السوسيولوجي الفرنسي إيريك لونوار في كتابه (التحولات الروحية بالغرب) إلى أن العودة إلى المسيحية بين الشباب الفرنسي تحدث عبر البوذية، فيكتشفها هؤلاء العائدون كأنهم لم يروها من قبل. وبهذا يصح القول إن الأديان اليوم لم تندثر ولم تغب، بل تستمر في الحياة وتتحول عن طريق الفردانية.

 

ومن خصائص الفردانية سيادة الاحتمالية والنسبية والشكوكية، ومن ثم ساد في المجتمعات الحديثة ما يمكن تسميته "الإيمان الخانس"، وهو الإيمان الذي يظهر ويختفي ويومض وينطفئ بين الحين والآخر، وذلك ما يفسر عدم ثبات المعطيات والأرقام في بعض الاستطلاعات والتحقيقات حول ظاهرة التدين بين مرحلة وأخرى.

 

وكشف عدة  كتاب عن أن من أهم نتائج الفردانية المعاصرة السعي نحو تحقيق الذات أو "الكينونة الذاتية". ومعنى تحقيق "الكينونة الذاتية" أن بناء ذاتنا والبحث عن سعادتنا لن يتحقق بشيء خارج عنا، بل ينبغي أن يشرق ذلك من داخلنا، فخلاصنا الفردي في هذه الحياة لن يتحقق إلا بثورة متفجرة من باطننا. ثورة لا سياسية ولا اقتصادية ولا تقنية، فقد شبع هذا الزمان من الثورات المتعددة، إنما الثورة ثورة روحية وقلبية.

 

"
يسرت العولمة عرض الأديان والعقائد في سوق ديني ممتاز، ولم تعد التصنيفات القديمة تصلح للفرز والتمييز،
وتدخل منطق رأس المال الاقتصادي والسوق الممتاز في عرض الأديان والمذاهب كما تعرض الأزياء والسلع
"
عولمة الظاهرة الدينية

يمكن لأي شخص في هذا العصر، أن يسافر في المكان وفي الزمان، ويمكنه أن يعثر على كل الملل والنحل في البيئة الواحدة، إذ يسرت العولمة عرض الأديان والعقائد في سوق ديني ممتاز، ولم تعد التصنيفات القديمة تصلح للفرز والتمييز. أديان وعقائد مختلفة توجهاتها أحيانا، أو متداخلة متشابهة أحيانا أخرى. وساهم في ذلك التداخل الحاصل عن حركية الأفراد وتواصل الثقافات.

 

وقد ميز الخبراء الاجتماعيون بين مظهرين من مظاهر هذه الحركة: أولهما المسارات والمسالك العالمية للأفراد والجماعات الدينية والمعتقدات والرموز والطقوس، وثانيهما خلائط وتوفيقات وترقيعات تحدث من هذه الحركية الكبيرة وهذا التدفق الكوني.

 

فقد هجر غربيون بلدانهم وقصدوا قارة آسيا، وجاء آسيويون إلى الغرب. الأولون رحلوا طلبا للبوذية ومناهج التعبد والتأمل الشرقية، والآخرون طلبوا (بضم الطاء وكسر اللام) فلبوا الدعوة فحلوا دعاة مبشرين ومعلمين.

 

كما أن الغربيين الباحثين عن خلاص وإشباع روحي توجهوا تلقاء التصوف الإسلامي فعثروا على ابن عربي والحلاج وجلال الدين الرومي، وسافر مئات الغربيين أيضا طيلة القرن العشرين إلى أفغانستان لملاقاة شيوخ التصوف مثل المتصوف الفرنسي الشهير روني غينون الذي أسلم، وميشيل كودكيفتش وشارل أندريه جيليسن وإيريك جيفروي وبرونو غيديردوني...

 

وانتقلت المعتقدات والطقوس بسرعة، فساهم هذا في تبسيطها وتكييفها ثقافيا، وساهم في الآن ذاته في تعزيز الأصول الجذرية.

 

وتدخل منطق رأس المال الاقتصادي والسوق الممتاز في عرض الأديان والمذاهب كما تعرض الأزياء والسلع، واجتهد العارضون في البيع والعرض.

 

النموذج الأميركي والأفريقي

في طليعة النماذج الصاعدة السائرة بسرعة فائقة، تتصدر الإنجيلية الأميركية قافلة العودة، متبوعة بالكنيسة الأفريقية.

 

والإنجيلية الأميركية تمثل امتدادا لطوائف التجديد الديني المسيحي وأحدثها وجودا وأكثرها استنفارا وحماسا، إذ خرج رواده من القارة العتيقة مهاجرين باحثين عن الأرض الموعودة، ولما وصلوها في أميركا ارتكبوا ما لم يرتكبه أجدادهم في الحروب الصليبية الشرقية والحروب الدينية الغربية، إذ قتلوا وذبحوا وأسالوا بحارا من الدماء وأزهقوا ملايين من الأرواح من أمتي الهنود الحمر والزنوج الأفارقة.

 

 اليوم، واغترارا بالغلبة العددية، يقدر عدد الإنجيليين بربع المشهد الديني في الولايات المتحدة وأكثر من أربعين مليونا بأميركا الجنوبية وقريبا من هذا في أفريقيا جنوب الصحراء، ويخترق حاليا كلا من الصين والفلبين وكوريا الجنوبية والكراييب وأوروبا الشرقية وأوروبا الغربية -ثلث البروتستانت الفرنسيين- كما ينبت في المناطق التي كانت المسيحية فيها غائبة أو أقلية كالدول الإسلامية، خاصة الجزائر والمغرب، وبعد وصول الأحفاد إلى مراكز القرار السياسي والإعلامي والعسكري في دولة الولايات المتحدة الأميركية، تفتحت الشهية لرد "الأرواح إلى الرب".

 

ويتميز هذا المد الإنجيلي المتسارع بخصائص ثلاث هي:

- العمل بالمجموعات الصغيرة الخارجة عن الكنيسة، لتحقيق الدعم النفسي والمادي.

-الجمع بين المحلي والعالمي، أي احترام الخصوصيات الثقافية والنفسية للأقطار، بل العمل على الدخول على الناس من خلال ثقافاتهم وعاداتهم مع ربطهم بالتنظيم الدولي.

-الجمع بين العقائد القديمة -مثل الكرامات والمعجزات والرؤى والأحلام والتفكير السحري الديني-  والتكنولوجيا الحديثة خاصة في مجال الترويج الإعلامي المستجيب للتطلعات والقائم على دراسة مبادئ السوق الاقتصادي.

 

أما الكنائس الأفريقية فتعتبر حالة نموذجية للترقيع الديني والتوفيق بين الأديان والمذاهب، إذ أدرجت مخدر "الإيبوغا" ضمن الطقوس الدينية بديلا عن خبز القربان.

 

وكما يمكن الحديث عن الكاثوليكية الأوروبية والبروتستانتية البرازيلية، يمكن الحديث في الوقت نفسه عن كنيسة "يوروبا" وعقيدة "نيوفودو" و"كنيسة الأجداد" في الكونغو وكنيسة "فا" في نيجيريا.

 

النموذج الشعبي الشائع في أفريقيا هو كنيسة المسيحية السماوية في صيغتها النيجيرية التي تأسست في بنين عام 1947 وتجاوزت حدودها الجغرافية والقبائلية لتنبت في عدد كبير من الدول الإفريقية، وحتى في أوروبا داخل بعض تجمعات المهاجرين الأفارقة بضواحي المدن الأوروبية الكبرى.

 

"
هناك مراجعات عميقة تجري لدى جميع الديانات وخاصة المسيحية والإسلام، ونشاهد هنا وهناك ندوات وملتقيات ومؤتمرات عن تجديد الخطاب الديني وتدبير الشأن الديني
"
مراجعة وتجديد

وأمام هذه الظاهرة المعقدة للانبعاث الديني العام في "أمة الغرب" وتوابعها، علق أحد الكهنة التيبتيين وهو اللاما شوغيام ثرونغبا، في محاضرة ألقاها بالولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره فيها بزمن قصير، فقال "في الحقيقة لم نفعل شيئا سوى أننا شيدنا متجرا للأديان القديمة... نحن بكل بساطة تجار فقط".

 

لكن سؤالا ضخما جدا وصعبا جدا يفرض نفسه ويتحدى الغربيين عامة وخبراءهم خاصة، أمام هذه التحولات الكبرى التي يمرون بها، وفي ظل انبعاث النداء الديني وانتشاره الواسع في كل أرجاء الدنيا بطريقة أقرب ما تكون إلى التسيب والاستعصاء على كل ضبط وتدبير سياسي واضح.

 

هل نحن في الغرب وربما قريبا في العالم كله، في مرحلة الحيرة الدينية، حيث نشهد انهيار الديانات التاريخية والتقليدية داخل الفرد الفاقد للذاكرة والمقهور، دون أن نرى بزوغ خلاصات منسجمة يمكن أن تكون هي أديان المستقبل؟

 

بصيغة أخرى، أمام هذه المشاهد الفريدة من التدين، كيف يجري التفكير في مراجعة الأديان وتجديد النظر فيها، وتحديث خطاب دعاتها والمؤمنين بها، بالاستجابة إلى أشواق الإيمان وحاجاته مع مراعاة الواقع العالمي المتسارع في تحولاته الغارق في صراعاته وأهوائه.

 

من المؤكد في عالمنا اليوم أن مراجعات عميقة تجري لدى جميع الديانات، وخاصة لدى المسيحية والإسلام، ونشاهد هنا وهناك ندوات وملتقيات ومؤتمرات حول تجديد الخطاب الديني وتدبير الشأن الديني.

 

وحسب خبراء المستقبليات، ينحصر السباق والتنافس بين المسيحية بكل كنائسها والإسلام بكل مذاهبه ومدارسه وحركاته. وهذا موضوع آخر يستحق وقفة أخرى.

______________

كاتب مغربي

المصدر : الجزيرة