وحيد محمد مفضل

 

- البيئة.. حلقة جديدة في النزاع العربي الإسرائيلي

- البيئة في فلسطين وكل مفردات العذاب

- أفعال إسرائيلية في بيئة دول الجوار العربية

- منهج منظم أم أخطاء عابرة؟

 

في هذه الآونة يُعد الاهتمام بالبيئة المحيطة بنا وحماية مقدرات الحياة الفطرية أحد أهم المؤشرات التي تتباهى بها الأمم للتدليل على مدى تقدمها الحضاري ورقي شعوبها.

 

وفي هذا الإطار يمكن القول إن الدول الإسكندنافية بصفة عامة، إضافة إلي سويسرا وكندا وآيسلندا وأوروغواي تعد من أكثر الدول التزاماً بالتشريعات والقوانين البيئية المحافظة، ومن أكثرها أيضاً اتباعاً لسبل الإدارة البيئية الرشيدة.

 

هذا ما يؤكده تقرير "مؤشر الاستدامة البيئية لعام 2005" الدولي الصادر أواخر يناير/كانون الثاني الماضي عن جامعتي يال وكولومبيا الأميركيتين، وفيه تصنف جميع دول العالم في مراتب مختلفة اعتماداً على خمسة مؤشرات أساسية هي حالة النظم البيئية، ونمط الاستغلال البيئي، والقدرة على مجابهة المشاكل البيئية، وأخيراً حجم المشاركة العالمية في مجال حماية البيئة.

 

وحسب هذا المؤشر تحتل إسرائيل مرتبة متقدمة نسبياً، بل تتقدم على جميع الدول العربية (باستثناء تونس)، في حين تأتي دول العراق وتايوان وكوريا الشمالية في ذيل القائمة البالغة 146 دولة.

 

هذا هو الظاهر، وهذا ما يوضحه التقرير، لكن ماذا عن ممارسات إسرائيل البيئية التي لم يستطع التقرير بيانها؟ ماذا عن إرهابها البيئي الذي تنتهجه منذ زمن ضد مقدرات وعناصر البيئة العربية في فلسطين وخارجها؟ وهل ملف إسرائيل البيئي فعلاً بحجم الاخضرار والرقي الذي أشار إليه ذلك التقرير؟

 

"
البيئة الفلسطينية بكل مفرداتها وبما تتضمنه من موارد مائية وأراض زراعية وغابات ومصايد سمكية وموائل بيولوجية تتعرض منذ زمن لكافة أشكال الانتهاك والتدمير
"
البيئة حلقة جديدة في النزاع العربي الإسرائيلي

البيئة هي جملة التكوينات والعناصر الحية وغير الحية التي تمثل المحيط الحيوي الذي يحيى فيه الإنسان والذي يستمد منه رزقه وكافة احتياجاته اليومية. من هنا فإنه لا يمكن أبداً فصل الإنسان عن أي من عناصر البيئة المحيطة به، مما يعني أن أي ضرر يلحق بأي منها، يعني كذلك الإضرار بشكل مباشر أو غير مباشر بمقدرات الإنسان، أو بصحته أو اقتصادياته أو أمنه الشخصي.

 

أما تعمد إفساد أي عنصر من هذه العناصر أو تعمد الإضرار بالموارد البيئية المتاحة لأي شعب أو جماعة، من خلال عمل مباشر أو غير مباشر، بقصد إجبارهم على ترك الأرض أو بقصد التأثير على معنوياتهم وقراراتهم المصيرية أو على إنتاجيتهم وموارد رزقهم، فهو شكل من أشكال الترويع والإرهاب، ولا يمكن فصله أيضاً عن الأعمال العنصرية التي تقوم على الاضطهاد والتمييز.

 

من هنا جرى اصطلاح اسم "الإرهاب البيئي"، أو "العنصرية البيئية"، على أي عمل يقوم على التخريب البيئي، سواء أكان فردياً أو جماعياً.

 

وعبر تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، اندلعت ألوان وأنماط عديدة من الحروب والمعارك بين الفريقين، كانت إسرائيل هي البادئة بها أو هي التي سعت إليها غالباً. فبالإضافة إلى الحروب الأربع الدامية المعروفة، خاضت إسرائيل ضد العرب حروبا أخرى عديدة غير نمطية، منها "حرب الجواسيس" بتجنيدها لقلة من ضعاف النفوس في الأراضي المحتلة واتخاذهم عملاء لأجهزتها الأمنية،‏ و"حرب الاغتيالات" بتصفية الكوادر العلمية العربية الواعدة، ومن بعدها قادة الانتفاضة والقيادات الفلسطينية في الداخل والخارج.

 

بيد أن "حرب البيئة"، تعد أحدث تلك الحروب وأكثرها احترافاً من قبل الطرف الإسرائيلي. فخلال السنوات الماضية شهدت المنطقة أفعالا ومخالفات بيئية إسرائيلية كثيرة، أضرت سواء كان هذا عن عمد أو بدونه بجودة الأنظمة البيئية والموارد والثروات الطبيعية في عدد من الدول العربية.

 

وقائمة التعديات في الحقيقة طويلة للغاية ونحسب أنها خارج حدود الحصر، لكن هذا على أي حال لا يمنع من التعرض لبعضها، لاسيما تلك الحالات الموثقة التي أتى ذكرها في تقارير علمية دولية أو وثائق حكومية مبنية على مشاهدات عينية وحقلية مؤكدة.

 

البيئة في فلسطين وكل مفردات العذاب

حقيقة يعجز القلم عن وصف مدى جسامة وتعدد أنماط التخريب البيئي الذي تمارسه دولة إسرائيل ضد مقدرات وموارد الشعب الفلسطيني. فالبيئة الفلسطينية بكل مفرداتها وبما تتضمن من موارد مائية وأراض زراعية وغابات ومصايد سمكية وموائل بيولوجية تتعرض منذ زمن لكافة أشكال الانتهاك والتدمير.

 

 نذكر من هذه الانتهاكات بعض العينات:

- منها التهجير القسري للسكان الفلسطينيين ومصادرة ممتلكاتهم المادية والعينية سواء كانت منازل أو مزارع أو حتى أشجار زيتون مسالمة.

 

- ومنها تجريف أراضي الفلسطينيين الزراعية من أجل إقامة أنشطة استيطانية، وتدمير خزانات المياه ومحطات معالجة الصرف وتجريف شبكات الري الفلسطينية من أجل إذلال أو عقاب أفراد الشعب الفلسطيني والقضاء على مواردهم.

 

- ومنها تصريف مياه الصرف الصحي ومخلفات المستوطنات والتجمعات السكنية والصناعية الإسرائيلية باتجاه الأراضي الفلسطينية، وهو ما ساهم في تدمير وإتلاف مساحات إضافية من الغطاء النباتي الفلسطيني وفي انتشار الأمراض وفساد مياه الآبار الصالحة للشرب.

 

- ومنها أيضا دفن النفايات الخطرة والمواد السامة في قلب الأراضي الفلسطينية، ونقل المصانع الملوثة من مناطق سكنية إسرائيلية إلى مناطق حدودية قريبة من التجمعات السكنية الفلسطينية.

 

- ومنها كذلك منع قطاع الصيد الفلسطيني من الاستفادة من ثرواته البحرية وذلك من خلال عدد من الممارسات مثل اعتقال الصيادين أو تقطيع شباكهم أو إغراق قواربهم أو منعها من الإبحار في مناطق الصيد بحجج أمنية واهية.

 

"
درجت إسرائيل على إلقاء نحو مليون متر مكعب أسبوعيا من مياه الصرف غير المعالج في سواحل خليج العقبة الغنية بالشعاب المرجانية، مما أثر على إنتاجيتها وتنوعها، وانخفاض ثرواتها السمكية
"
ويبدو أن الغرض الأساسي من وراء كل ذلك، هو سلب الفلسطينيين وسائل الكسب والرزق، وحرمانهم من سلع وخدمات حيوية، وكل هذا بغرض إخضاعهم لسلطتها أو حرمانهم من تنمية مواردهم ومن ثم إرساء مقومات دولة قوية وراسخة.

 

ويبدو أيضاً أنها نجحت في هذا إذ إن حجم الخسارة يفوق الاحتمال، ولغة الأرقام عادة لا تخطئ:

 

- منذ بداية الاحتلال تم اقتلاع أكثر من نصف مليون شجرة، وتدمير وتجريف نحو مليون دونم من الأراضي الزراعية، بما يقدر بـ90%‏ من مساحة المناطق الخضراء الفلسطينية‏.

 

- تم كذلك تدمير أكثر من ‏288‏ بئراً للمياه العذبة، إضافة إلى تلويث عدد إضافي من مصادر المياه الأخرى.

 

- هناك ‏55‏ مستوطنة إسرائيلية تصنف كمستوطنات زراعية، وتقوم حالياً بإلقاء وصرف مخلفاتها على الأراضي الفلسطينية المتاخمة.

 

- تتحكم إسرائيل حالياً في أكثر من 85% من الموارد المائية الفلسطينية، وبسبب ذلك انخفض متوسط نصيب الفرد الفلسطيني من مياه الشرب إلى أقل من 85 متراً مكعباً سنوياً،‏ مقابل حصة تصل إلى 500 متر مكعب لكل إسرائيلي.

 

وإذا أضفنا إلى هذا التدمير الممارسات الفردية للمتطرفين اليهود وحوادث الاعتداء الفردية المتكررة على الأراضي الزراعية وآبار المياه وغيرها، وإذا لاحظنا حجم التهديد الذي يمثله مفاعل ديمونة المتهالك لجميع سكان المنطقة، وكذلك حجم الخسائر الناتجة عن إقامة جدار الفصل العنصري، فلا حاجة إلى التأكيد على أن البيئة الفلسطينية بما فيها من موارد وثروات تتعرض حالياً لأقسى وأشد أنواع التنكيل والتبديد من قبل الإسرائيليين.

 

أفعال إسرائيلية في بيئة دول الجوار العربية

لم تسلم بيئة دول الجوار العربية أيضاً من "حرب البيئة" التي أعلنتها فيما يبدو إسرائيل على كل ما تستطيع أن تصل إليه براثنها من موارد ومصادر طبيعية عربية. والأمثلة كثيرة، بل إن هناك في كل بلد عربي تقريباً وجها للمعاناة من مثل هذه الممارسات.

 

ففي لبنان درجت إسرائيل ولسنوات طويلة إبان احتلالها لجنوب لبنان على نقل كميات كبيرة من التربة الطينية الخصبة المميزة لتلك المنطقة بخاصة عند الليطاني بغرض استغلالها في استصلاح الأراضي الصحراوية الإسرائيلية.

 

وفي دول الخليج وموريتانيا سرت تكهنات، أثر تدهور محصولها الموسمي من البلح، بأن إسرائيل قامت بنشر طاعون السوسة الحمراء المهلك لأشجار النخيل فيما يعرف بحرب البلح.

 

وفي فضيحة مدوية تم كشفها في اليمن وتورط فيها مسؤولون حكوميون ورجال أعمال، أدخلت إلى البلاد عن طريق إسرائيل كميات كبيرة من المبيدات والسموم الحشرية المحرمة دولياً. وقد تبين أنه تم تسريب هذه المبيدات عمداً إلى الأسواق اليمنية بغرض إلحاق أضرار فادحة بالأراضي الزراعية وإمراض السكان بأوبئة وعلل تكلف غالياً وتصعب النجاة منها.

 

وفي خليج العقبة بالقرب من الحدود البحرية مع الأردن، درجت إسرائيل طوال السنوات الماضية على إلقاء ما يقدر بمليون متر مكعب أسبوعياً من مياه الصرف غير المعالجة مباشرة على سواحل الخليج الغنية بالشعاب المرجانية، مما أثر على إنتاجيتها وتنوعها، وساهم في انخفاض ثرواتها السمكية بطريقة ملحوظة. وقد أثار هذا الفعل عددا من الجمعيات الأهلية البيئية الأردنية، فما كان من إسرائيل إلا أن خفضت قليلاً من كميات المياه المنصرفة دون منعها أو حتى معالجتها.

 

الأمر نفسه تكرر على ساحل البحر المتوسط بالقرب من الحدود المصرية عند رفح، حيث تبين أن مستعمرة تل السلطان الإسرائيلية الحدودية تقوم بصرف مياه الصرف الصحي غير المعالجة على مقربة من الشواطئ الحدودية المصرية.

 

وبسبب الطبيعة البحرية الخاصة لهذه المنطقة فقد ارتدت هذه الملوثات على تلك الشواطئ بالقرب من رفح والعريش، مما أدى إلى انخفاض جودة المياه ونظافة الشواطئ، وتأثر بعض الأنشطة الرائجة سلباً بذلك ومن أهمها السياحة والصيد‏.

 

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد تبين أن الجهات الإسرائيلية قامت كذلك بضخ جزء آخر من مياه الصرف غير المعالجة في بركة صحراوية ضخمة قريبة للغاية من الحدود المصرية، وهو ما أدى إلى تلوث المياه الجوفية في مدينة رفح المصرية المتاخمة، مما ساهم بدوره في انتشار عدد من الأمراض المعدية بين سكان المنطقة.

 

وقد سبب الكشف عن هذه الممارسات أواخر عام 2002 جدلاً وسخطاً واسعاً وسط الجهات الشعبية والرسمية المصرية، بيد أن إصلاح الأمر استلزم من إسرائيل سنوات طويلة قبل أن تستجيب للضغوط، وتوقف عدوانها البيئي على جارتها مصر، حيث أوضحت جريدة الأهرام في 2-2-2005 على لسان وزير البيئة المصري أن شواطئ رفح أصبحت حالياًَ نظيفة وخالية من التلوث، وهذا بعد أن بدأت إسرائيل تلتزم بيئياً!.

 

"
ما هو مأمول أن تلتفت إسرائيل إلى قيمة ومعنى السلم البيئي، وأن تمارس هذا المفهوم مع جيرانها العرب، فهو قد يكون بداية أو بادرة نحو تحقيق مفاهيم هي في أمس الحاجة إليها
"
منهج منظم أم أخطاء عابرة؟

السؤال الذي يطرح نفسه حالياً، هل يمكن اعتبار الانتهاكات الإسرائيلية سابقة الذكر مجرد أخطاء عابرة تمت مثلاً دون قصد، أم أنها على النقيض من ذلك، نهج منظم تتبعه الإدارات الإسرائيلية المتعاقبة ضمن مخطط متعمد لإفشاء الأمراض والكساد ضمن الشعوب المتصارعة معها؟

 

الواقع أن دراسة نمط الممارسات والتعديات البيئية الإسرائيلية لا يعطي في الحقيقة أي فرصة لفرض حسن النية أو افتراض حدوثها صدفة أو بسبب أخطاء عابرة، لأن القاعدة تقول ببساطة إن الصدفة لا تتكرر.

 

من هنا فإنه لا يمكن أبداً اعتبار نقل إسرائيل مثلا لكميات هائلة من طمي لبنان الخصب، وعبر سنوات طويلة، حدثا عابرا أو خطأ، ولا يمكن كذلك اعتبار استيلائها المنهجي على موارد المياه في فلسطين وسوريا ولبنان والأردن مجرد خطأ أو سوء تصرف.

 

وعلى هذا النحو، يمكن القول إن إسرائيل حولت "البيئة" إلى مسرح لتدمير وتلويث الآخر في فلسطين وخارجها، وهذا بعد أن كان مرجواً منها استخدام الشأن البيئي كوسيلة للمواءمة أو كأرضية للتعايش السلمي مع العرب.

 

وإلى أن توقف إسرائيل عدوانها البيئي على البلاد العربية، فعلى الأخيرة أن تنتبه لحدودها الدولية ومواردها الطبيعية في البر والبحر، وعليها أن تحدث إمكانياتها ومراكزها البحثية وأجهزة الرصد لديها بحيث تكون قادرة دوماً على كشف أي انتهاكات لأمنها البيئي ساعة حدوثها.

 

لا جدال في أن شعوب المنطقة، بخاصة العربية، متعطشة إلى السلام وبحاجة إلى أن يسود المنطقة كل أشكال الاستقرار والأمان، لكن هذا لا يعني أن تكون المسؤولية على طرف واحد، وأن تسعى إليها يد واحدة.

 

كل ما هو مأمول إذن أن تلتفت إسرائيل إلى قيمة ومعنى "السلم البيئي"، وأن تمارس هذا المفهوم مع جيرانها العرب في داخل فلسطين وخارجها، فهو قد يكون بداية أو بادرة نحو تحقيق مفاهيم أخرى، هي في أمس الحاجة إليها، ومنها "السلم السياسي" والأمن والأمان. ترى أهي أمنية ممكنة أم دعوة حالمة فيها سذاجة؟!

_________________

كاتب مصري

المصدر : الجزيرة