توجان فيصل

 

تعودنا أن تقوم حكومات عربية بالاتصال بالسلطات الأردنية لتطلب قمع صحفيينا, وأن يكون لها، للأسف كل ما تريد. وتعودنا أن نستنبط ما حمله آخر مسؤول أميركي مر بعمان, أو ما قيل لآخر مسؤول أردني زار واشنطن, من مجرد متابعة ما يصدر عن الحكومة بعدها..

 

ولكن ما لم نتعوده هو أن تأتينا مجموعة من الصحفيين من قطر عربي محتل من أميركا لتملي هي طلباتها في قمع صحفيينا وصحافتنا!! ولكن يبدو أن ضيوفنا من الإعلاميين العراقيين  ينطبق عليهم المثل القائل "ضيف ومعه سيف".. وكان الأجدى أن يشهروا سيوفهم, ما دامت بهذا المضاء ويطال مداها الدول المجاورة, في وجه الاحتلال القابع على صدور أهلهم والمنتهك لكل حرمات وطنهم ومواطنيهم !!

 

وإذا كانت هنالك آراء ومواقف للصحافة الأردنية لا تعجب هذه الفئة بالذات من العراقيين, فهذا من حقهم, ولكن ليس من حقهم أن ينعتوا الصحافة الأردنية بالجهل, وهي التي كانت على الأقل, تعمل وتناضل وتدفع الثمن غالياً حين كان هؤلاء بالذات يتقون شر القتال بحجة أن ليس لديهم حرية صحفية في العراق.. وهل لدينا نحن تلك الحرية ؟

 

افتحوا أي صحيفة أردنية واقرؤوا الشكاوى اليومية من تقليص هامش الحرية، أو اسألوا أي مواطن في الشارع أو اقرؤوا نتائج دراسات الرأي العام, حتى تلك التي تصدرها مراكز حكومية, لتتابعوا مسلسل ما عرف بتراجع هامش الحريات وخفض سقفها أكثر فأكثر في كل مرة تجرى فيها دراسة.. أو تابعوا نفس مسلسل التراجع في قوانين الحريات العامة, وقوانين المطبوعات مقابل تضخم سرطاني لصلاحيات محكمة أمن الدولة حتى باتت جل أحكامها ضد الصحفيين وقيادات الرأي, وباتت تلك القيادات جزءاً لا يستهان به من نزلاء السجون المتكررين.. "أصحاب سوابق" مثلهم مثل عامة المجرمين!

 

"
مسلسل التراجع في قوانين الحريات العامة وقوانين المطبوعات مقابل تضخم سرطاني لصلاحيات محكمة أمن الدولة هو الثمن الذي دفعته صحافتنا للدفاع عن قضايا الوطن والأمة
"
ذلك هو الثمن الذي دفعته صحافتنا للدفاع عن قضايا الوطن والأمة, في حين اختار ضيوفنا اعتزال الصحافة أو ممارستها وفق المساحة المخصصة لهم في عواصم الغرب ودول التحالف التي دمرت وحاصرت العراق أكثر من عشر سنوات تمهيدا لاحتلاله القائم الآن.. فهل يعترف أرباب الصحافة الآتية بمنة ورضا المحتل, لصحافتنا الوطنية على الأقل بالخبرة والمعرفة الآتية من هذا "التعتير" الطويل؟؟!! 

 

هذا عن صعوبة الظروف التي عملت الصحافة الأردنية في ظلها ورغماً عنها ومازال جلّها يعمل. أما تفاصيل أدائها ولأجل من عملت, فهذا لا نتوقع من الوفد ذي اللون الواحد أن يعترف به, أو حتى يعرفه, ليشكر صحافتنا عليه, كما فعلت من قبل صحافة وقيادات رأي وحتى جموع الشعب العراقي من معارضين لنظام الرئيس صدام وموالين له على السواء .. مع أننا لا نطلب الشكر على واجب, بل إن للعراق, شعباً ونظاما ديونا في رقاب العرب, والأردنيين والفلسطينيين بالذات لم يمنوا بها يوماً علينا ولم يطلبوا الشكر.

 

وهذه بلغت حد امتزاج دماء الشهداء العراقيين مع إخوتهم في الجيش الأردني وفي صفوف فصائل المقاومة الفلسطينية طوال عقود. ولا ننسى أنه حتى والعراق محاصر, فإنه بالفعل "باع القدر" ليؤمن حاجتنا من النفط, وكفانا الذل الذي يتعرض له مواطننا الآن وهو يدفع من قوت أولاده وكسوتهم وثمن دوائهم فاتورة نفط لا يعرف لمن تذهب حقيقة!

 

نشكر "للقدس العربي" دفاعها عن صحافتنا بنخوة صحفي عريق و"مستقل", ولكننا نضيف هنا أن الشعب الأردني أيضاً يستحق أن يدافع عنه. فهو ليس جاهلاً بحيث يحتاج إلى "تنوير" من هؤلاء, وليس إمّعة يشكل رأيه العام بفرمانات حكومية, وليس طابور مستخدمين يوبخون إن "قصروا" في توضيح "الموقف الرسمي" الذي هو أيضا لم ينج من نقد جماعة أخرى من العراقيين, بل ومن شتم صريح على صفحات الصحف وشاشات الفضائيات.. وهو ذاته الموقف الذي لو قارب حدود "النقد" فيه مواطن أو صحفي أردني, لسيق إلى أقبية المخابرات وإلى محكمة أمن الدولة!

 

ثم ما مدى مصداقية زعم هذه الفئة من الصحفيين العراقيين أن نظام صدام لم يكن يسمح بوجود صحافة غير تلك التي تتبنى الموقف الرسمي, إن كانت تلك الفئة تعطي نفسها حق تجاوز حدود القطر العراقي, وحدوداً أخرى, لتأتينا مطالبة حكومتنا وسلطاتنا بتعليمنا كيف نحسن ترديد الموقف الرسمي, ولا شيء غير الموقف الرسمي, بشرط أن يكون هؤلاء راضون عنه..

 

سبق أن كانت للأردن مواقف "رسمية" كانت الفئة التي يمثلها الوفد الضيف تدينها! هل معنى الحرية والديمقراطية والتعددية التي يزعم هؤلاء أن الاحتلال جاء بها إليهم, هو أن يفرضوا وجهة نظر واحدة وموقفاً واحداً, ليس فقط على كافة العراقيين, بل على العالم العربي كله.. أم هل يعتقدون أن الأردن وحده  "حيطه واطي" !

 

ثم كيف يمكن أن يصل الحد "بضيوفنا" هؤلاء أن ينعتونا بالجهل وبأنهم حملة رسالة "تنوير" لنا لنخرج من ظلمات جهل "التعاطف مع النظام السابق وبقاياه" و"ما يسمى "المقاومة " حسب تعبيرهم ؟! أليس لكل نظام متعاطفون معه, مهما قلوا, أم أن الأمر رهن بإنزال تمثال أو تمزيق صورة ليصبح النظام العربي (وكل الأنظمة العربية متشابهة في أنها غير منتخبة) نمراً من ورق يمزق على أيدي حفنة؟!

 

ألا يتضمن هذا, بالنسبة لمن يملك عقلاً يستطيع تجاوز المثال إلى الحالة العامة, اتهاما لكافة الأنظمة العربية بأنها معلقة في فراغ الصدفة, إن سقطت لن يترحم عليها أحد؟!

 

"
هل معنى الحرية والديمقراطية والتعددية التي يزعم هؤلاء أن الاحتلال جاء بها إليهم في العراق هو أن يفرضوا وجهة نظر واحدة وموقفاً واحداً, ليس فقط على كافة العراقيين, بل على العالم العربي كله
"
السؤال كان على غيرنا ممن هم في غير موقعنا (فموقعنا شعبي خالص) أن يطرحه, ومازال غيرنا هؤلاء مطالبون بشرح دلالاته, ولو بثمن ما يقبضون من رواتب ويحملون من ألقاب, دون ذكر المنافع الأخرى.. أم هل هي المنافع الأخرى التي تجعلهم يرسلون بصمتهم رسالة أنهم "رجال كل العهود " الزائلة والقائمة والآتية, لا فرق؟

 

نحن من ناحيتنا نفترض أن لكل نظام, مهما ساء وأساء, مؤيديه لأسباب يفهمها من يفهم جوهر التعددية ويقبل بها على تنوع مصادرها وأسبابها, ونقبل بالتالي وجود مدافعين عن كافة الأنظمة القائمة التي زالت أو ستزول ..

 

والأصدق هم المدافعون بعد سقوط النظام وليس أثناء قيامه، فبسقوط أي نظام تنتهي المصالح التي تربط الناس به, ولا يبقى إلا ما قام على المبادئ! وهذا يقودنا للتساؤل عن التهم التي كالتها الفئة التي يمثلها الوفد الضيف, بأن الصحفيين والسياسيين وقادة الرأي الأردنيين الذين وقفوا مع العراق منذ العدوان الثلاثيني عليه وطوال فترة حصاره وحتى احتلال أميركا له, كانوا يفعلون هذا لأن نظام صدام قد اشتراهم..

 

فما هو تفسيرهم لثبات غالبية هؤلاء على مواقفهم بعد عامين من إزالة الاحتلال للنظام السابق وأسره لصدام حسين وغالبية أركان حكمه, ووقوع كل ثروات ومقدرات العراق في أيدي الأميركان, وخاصة ائتلاف شركات هاليبيرتون التي ورثت العراق ووزعت من ماله على المتعاونين صفقات بالملايين ومئات الملايين بلا رقيب أو حسيب؟! من يا ترى الذي يقبض ثمن مواقفه الآن, ومن هم القابضون على الجمر؟

 

ونحن نفترض أيضا, أن أي احتلال لأي أرض ناهيك عن وطن بأكمله, ولو قيل إنه بجنود من عند الله, يجد مقاومة.. إلا احتلال العراق؟!

 

هل كل أو غالبية سكان الفلوجة والنجف وغيرها من مدن ومناطق العراق الملتهبة, من "الأجانب" السوريين والأردنيين بالذات الذين ذهبوا لتعكير صفو العلاقة العراقية مع "الإخوة" الأميركان والإنجليز؟! كم يلزم أن يكون عدد سكان الأردن وسوريا اللتين لم يشتك أهلهما وحكومتاهما من ظاهرة استثنائية لمفقودين "خرجوا ولم يعودوا", ليكون تسلل منهما, دون إثارة الانتباه, هذا العدد الذي استلزم حملات حصار وقصف واجتياح عدة شاركت فيها الجيوش المحتلة إضافة "للحرس الوطني"؟!

 

هذا عن مجمل تهم ومطالب "ضيوفنا" الكرام الذين لم يجدوا وسيلة أفضل لتسويق "نموذج الديمقراطية الأميركي في العراق", ولا وجدوا سوقاً أهون من سوقنا.. أما عن حكومتنا "الرشيدة ", ككل الحكومات العربية, وهي بعد "وليدة", فإننا نذكرها بأنها آخر من يستطيع تشكيل رأينا وقد عجزت عن تشكيل ذاتها. فهي التي أعلنت, صبيحة تشكيلها, أنها "ستعدّل" نفسها, لا لسبب سياسي جلل له علاقة بخدمة الوطن, بل لإدخال ثلاثة وزراء من الجنوب استرضاء لأربعين نائبا عارضوها لهذا السبب بالذات..

 

وبقية النواب سيسكتون عن كونها أعادت الوزراء الذين زعم المجلس بأن له فضل عزلهم, بعد أيام من هذا العزل وليس أشهرا, فمطالبهم المشابهة لمطالب الأربعين نائبا المعترض, لبيت أو ستلبى, ولن تختلف النتيجة إن لم تلب!!

 

فهل هذه الحكومة وهذا المجلس الذي أفرزته الديمقراطية الموصوفة في تقرير الأمم المتحدة الأخير, هما اللذان سيشكلان "الرأي العام" الذي لم يفرز أيا منهما, وأينما توجهت, في الشارع وفي الصحافة, تسمع شكاوى تفيد غربتهما عن الشعب وضيق الشعب بهما!!

 

الحكومة التي بدأت فاقدة للثقة الشعبية حسب استطلاع مركز الدراسات الإستراتيجية الرسمي, تقول إن على قمة برنامجها "تنميتنا سياسيا"، أي أننا نحن الشعب والصحافة "العدول" المبلورون لقناعاتنا والثابتون عليها دونما حاجة لتعديل قبل وأثناء وفور تشكيل رأينا فيمن نحن وماذا نريد، بحاجة للتعديل والتطوير لنتأهل لدور المواطنة.. ولكن دونما معارضة, فالمعارضة مرفوضة مسبقاً وإزالتها باعتبارها شائبة (فالحديث كان عن موقف الصحافة المعارضة من الوضع في العراق ) أمر محسوم تعد به الحكومات ضيوفها!

 

"
الحكومة التي بدأت فاقدة للثقة الشعبية حسب استطلاع مركز الدراسات الإستراتيجية الرسمي, تقول إن على قمة برنامجها تنميتنا سياسيا، أي أننا بحاجة للتعديل والتطوير لنتأهل لدور المواطنة ولكن دونما معارضة
"
فدولة الرئيس قال للوفد الضيف, بالحرف الواحد: "نحن لن نضع أي شائبة, وإذا وجدت سنعمل على إزالتها", ليس فقط من خلال المسؤولين وإنما من خلال "الرأي العام"! ودولته إذ يؤكد أهمية الحوار في هذا المجال, يؤكد أيضا دور الإعلام الثقافي (ما الذي يميزه عن الإعلام الموجه ما دام موضوع الحديث هنا قضية "سياسية" وليس "ثقافية"؟) الذي يُعد "تربية" موازية "لاختزال الضبابية" إن وجدت.

 

هنا أجدني مضطرة بكل أسف لتناسي كل ما كنت عرفته عن الدكتور عدنان بدران, الأكاديمي المميز, لأتعامل مع رئيس حكومة كسابقيه.

 

فهو هنا يبدو مثلهم في اعتقاده أن "التربية والتعليم" (في العصر الذهبي للأردن كانت تسمى وزارة "المعارف") تلقين مدرسي سينتج رؤية واحدة ما اختلف معها خرج من دائرة "الانتماء", يتبعه تلقين أكاديمي يكمل ما نفذ من الحلقة المدرسية, تتبعهما "تربية" موازية إعلامية(مأخوذة من التعليم الموازي والمستمر لكون الرئيس أكاديميا, ولكنه ليس سياسياً أو إعلامياً) تختزل ما تبقى من "ضبابية إن وجدت".

 

وما تراه الحكومات "ضبابية" يراه المثقفون دليل "وعي" ومؤشر بحث علمي مستقل (أذكّر دولة الدكتور بكون الفلاسفة الشكيين آباء العلوم والمعارف كلها) أو "تعددية" على أقل تقدير, بالعودة للوجه السياسي لذات الكلمات..

 

ولكن دولته لا ينسى أن يثني على "حرية التعبير والتعددية السياسية والفكرية" الموجودة الآن في العراق بعد أن "كانت غائبة عنه مدة طويلة", بينما هو يعد بإزالة شوائبنا التي تعكر اللون الواحد عندنا!

 

أما من أحد هنا يأسف لنا وعلينا, وهل ننتظر الأسف ليأتي من الخارج؟ ولكن إن أتانا الأسف, بدل مطالب العسف, من دولة عربية وليس من أميركا أو أوروبا, فهل سيعتبر ذلك تدخلاً في شؤوننا الداخلية وانتهاكا لسيادتنا ؟؟

_________________

كاتبة أردنية

المصدر : الجزيرة