ياسر الزعاترة

 

ليس من العسير على المراقب لواقع الحركات الإسلامية أن يقول إن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) هي الحركة الوحيدة التي تحظى بذلك المستوى من الحضور والشعبية في الشارع العربي والفلسطيني.

 

واللافت أن المكان الوحيد الذي تغدو فيه الحركة موضع خلاف واضح هو فلسطين، وتحديداً الأراضي المحتلة عام 67، حيث تقف قبالتها حركة ليس لها طرح أيدولوجي (حركة فتح) أسست للمشروع الوطني الفلسطيني، فيما تحولت مع الوقت إلى حزب سلطة أو الحزب الرسمي للشعب الفلسطيني، وبالطبع تبعاً لاعتبارات تاريخية صاغتها ظروف محلية وعربية ودولية.

 

"
أي مسارات أو خطى سياسية لحماس لا ينبغي تقديرها سياسياً من زاوية تأثيراتها المحلية، بل من زاوية تأثيراتها الأوسع على الشارع العربي والإسلامي الذي ينظر إلى حماس بوصفها رائد التصدي لمشروع الإذلال الأميركي للأمة
"
حماس في وعي جماهير الأمة اليوم هي الحركة المجاهدة التي قدمت أروع الشهداء وأكثرهم حضوراً وتأثيراً، كما أنها الحركة التي جددت وعي الأمة وأحيت عنفوان دينها من خلال نشرها لثقافة المقاومة والاستشهاد. بل إنه من غير المبالغة بحال القول إنه لولا تلك الثقافة التي صنعتها حماس وتركت تأثيراتها في الوعي الشعبي لما كان للعراقيين أن يبدؤوا مقاومتهم على ذلك النحو السريع، وأن يصنعوا بذلك حاجزاً صلباً في وجه واحدة من أعتى الهجمات التي تعرضت لها الأمة منذ قرون، الأمر الذي ستكتبه لهم الأجيال في الصفحات الناصعة من تاريخها.

 

حماس إضافة إلى ذلك كله هي درة الحالة "الإخوانية" –نسبة إلى الإخوان المسلمين- في العالم العربي وهي مصدر فخرها، سيما بعد أن دخلت تلك الحالة جملة مسارات إشكالية من الناحية السياسية كما حصل في الجزائر وحيث تحالف فرع الحركة هناك مع العسكر ضد فصيل إسلامي آخر (الجبهة الإسلامية للإنقاذ)، وكما حصل في أفغانستان حين تحالف شيوخ يزعمون الانتساب إلى ذات المدرسة (رباني وسياف ومن معهم) مع الأميركان ضد طالبان، وكما هو الحال في العراق حيث مال بعض الإخوان من الحزب الإسلامي إلى التعامل مع الاحتلال الأميركي، وإن بدت مواقفهم أفضل بعد مقاطعة الانتخابات، فيما ينتظر موقفهم من المشاركة في الحكومة الجديدة ولجنة صياغة الدستور.

 

وقد نضيف هنا السودان حيث تحالف فرع الإخوان هناك مع نظام البشير رغم مساره السياسي البائس كما تبدى في اتفاق نيفاشا الأخير، وبالطبع ضد الدكتور حسن الترابي رغم تبشيره بديمقراطية إسلامية ذات نطاق أوسع وفضاء أرحب.

 

من هنا يمكن القول إن أي مسارات أو خطوات سياسية تخطوها حماس لا ينبغي تقديرها سياسياً من زاوية تأثيراتها المحلية على الشارع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 67، وإنما أيضاً تأثيراتها الأوسع على الأراضي المحتلة عام 48، وعلى ثلثي الشعب الفلسطيني في الشتات.

 

أما الأهم فهو تأثيراتها الأوسع على الشارع العربي والإسلامي الذي ينظر إلى الحركة بوصفها رائدة التصدي لمشروع الإذلال الأميركي للأمة الذي يحمل هذه الأيام عنوان "الشرق الأوسط الجديد" وبدأ عملياً باحتلال العراق، لولا لطف الله عز وجل الذي تمثل في تيسير برنامج المقاومة وتمدده على الأرض.

 

وهذا الوضع كتبته الأقدار على هذه الحركة التي شاء الله أن تقف في وجه المشروع الصهيوني نيابة عن الأمة، وهو ما فعلته عن جدارة واقتدار.

 

"
برلمان السلطة سيكون محكوماً بدستور غير مكتوب هو دستور الاحتلال واشتراطات مسيرة المفاوضات التي تخضع لتأثير ميزان القوى وليس تصويت النواب
"
إن الحوار حول أي خطوة سياسية ينبغي أن لا يتوقف عند بعض المكاسب التي تتحقق منها، بل ينبغي أن يوازن بين المصالح والمفاسد، وحين تتغلب المصالح على المفاسد يكون السير فيها والعكس حين تغلب المفاسد على المصالح، وهذه هي القاعدة الشرعية المعروفة عند الفقهاء وأهل العلم، وهي المطبقة بالضرورة عند الإسلاميين.

 

من هنا فإن تقديرنا هنا تقدير سياسي قد يرى آخرون سواه، مع فارق له أهميته وهو أننا نأخذ في الاعتبار تلك الأبعاد الخارجية التي أشرنا إليها قبل قليل، الأمر الذي ربما يغيب عن التقديرات التي يتبناها الآخرون، لاسيما أولئك الذين يعيشون معاناة الداخل فيما تصبح الأبعاد الخارجية هامشية في تفكيرهم، مع أن السياق العام لهذا التقدير سيركز على البعد الخاص بالقضية الفلسطينية.

 

في سياق البحث في مسألة الدخول في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، لا بد من وضع تقدير موقف صحيح يخص الظروف الموضوعية التي تجري تلك الانتخابات في ظلها.

 

ولعله من الضروري التذكير هنا بأن الجدل المندلع حالياً حول المسألة هو ذاته الذي تم تداوله في العام 1996، فيما ثبت بعد مرور التجربة أن قرار المقاطعة كان الأفضل بكل المقاييس.

 

في هذا السياق يمكن الحديث عن جملة معطيات قائمة على الأرض، أهمها ما يلي:

1- حركة فتح هي حزب السلطة، وهي الحزب الرسمي للشعب الفلسطيني، وهي لن تتسامح مع من يحاول سرقة هذا الموقع منها، حتى لو تم ذلك على أسس ديمقراطية، لأن الديمقراطية سيتم شطبها إذا ما أنتجت وضعاً غير مقبول لمن رسموا مسارها. ولا حاجة هنا للتذكير بتجربة الجزائر، ولا قيمة هنا لحديث الفارق بين الدول المتجذرة وبين وضع السلطة، لأن الأخيرة أكثر أهمية في ميزان الوضع العربي والدولي من أي دولة عربية أخرى، وبالطبع تبعاً لتأثيرها على مصالح الدولة الأكثر دلالاً في العالم أجمع، أعني الدولة العبرية.

 

2- حركة فتح اليوم في وضع معقول قياساً بحماس منذ حوالي 20 عاماً رغم شعبيتهما المتكافئة إلى حد كبير، وقد حصل ذلك إثر رحيل عرفات الذي ظهر أقرب إلى الاستشهاد منه إلى شيء آخر، وكذلك بعد رحلة المقاومة من خلال كتائب شهداء الأقصى التي رممت سمعة الحركة التي تضررت كثيراً خلال مسيرة أوسلو.

 

ولعل في نتائج انتخابات جامعة النجاح الأخيرة التي تفوقت فيها فتح خلافاً للدورة الماضية ما يدل على ذلك.

 

وإذا قيل إن حماس تتفوق في غزة بدليل انتخابات البلديات، فإن فتح حلت ثانياً من حيث نسبة الأصوات لا المقاعد، فيما تفوقت في الضفة الغربية بسبب الاعتبارات العشائرية التي تصب لصالح حزب السلطة. لكن الأمر سيكون مختلفاً في انتخابات المجلس التشريعي بسبب القانون وتوزيع الدوائر.

 

3- إذا كان ما سبق هو على صعيد الشعبية الطبيعية فإنه على صعيد الشعبية المصنوعة أو المشتراة يمكن القول إن فتح لا بد أن تتفوق بكثير على حماس في انتخابات المجلس التشريعي، إذ سنكون أمام حزب حاكم يملك أكثر من مائة ألف كادر بين عسكري ومدني، وهؤلاء يحركون ما يعادل ثلث الكتلة الانتخابية في الشارع الفلسطيني قبل أن يبدأ التنافس الحقيقي.

 

4- المجتمع الفلسطيني مجتمع عشائري في شقه الأكبر، والتصويت لا يتم على أسس أيدولوجية في الغالب اللهم إلا في الجامعات والنقابات وإلى حد ما في المخيمات، أما في المدن والقرى فالأمر مختلف، وفتح كحزب سلطة هي الأقدر على طرح الرموز العشائرية ومنحها غطاء حزب السلطة.

 

وفي كل الأحوال فإن ثمة فرقا بين شعبية البرنامج والطرح السياسي والأيدولوجي وبين الأصوات الممنوحة لمرشحيه، فهنا تتداخل العناصر المصلحية والعشائرية مع الطرح، وقد تستغله في كثير من الأحيان.

 

5- تعاني حركة حماس وخاصة في الضفة الغربية من قلة الرموز المؤثرة، فمعظم هؤلاء قد استشهدوا أو اعتقلوا، والنتيجة هي عدم توفر أناس قادرين على خوض التجربة النيابية والتعبير عن الطرح بقوة، فضلاً عن مقاومة ألعاب السلطة وعصاها وجزرتها.

 

6- من الضروري التذكير هنا بأن عنصر القوة الأبرز بيد فتح، كما هي حال أي حزب حاكم هو القانون والإجراءات والمال، وهذه جميعاً توفر للحركة 30% من المقاعد كفتحة عداد، وتجارب الأحزاب الرسمية في اليمن والمقربين من الحكومات في الأردن والكويت وسواها تشهد بذلك.

 

7- الجانب الأهم في ذلك كله هو أننا إزاء برلمان ليس له دولة في واقع الحال، بل سلطة تأخذ صلاحياتها من الاحتلال، وهذه السلطة ستدخل في مسيرة تفاوض واضحة المآل لأن القوم لن يحصلوا من شارون وبوش إلا على أقل مما عرض عليهم من باراك وكلينتون.

 

8- حين نتحدث عن سلطة مقيدة باتفاقات ومسيرة تفاوض محكومة لأوضاع عربية ودولية، فإن من العبث الحديث عن سن قوانين تصادم ذلك كله، سواء كانت متعلقة بالمناهج أو بالمقاومة وحقها في استمرار الفعل الميداني.

 

9- خلاصة ذلك أن برلمان السلطة سيكون محكوماً بدستور غير مكتوب هو دستور الاحتلال واشتراطات مسيرة المفاوضات التي تخضع لتأثير ميزان القوى وليس تصويت النواب. ولعلنا نتذكر هنا كم من قرار أخذه المجلس التشريعي بخصوص معتقلين وقضايا أخرى لم يجد طريقه إلى التنفيذ بسبب الاشتراطات السياسية (قصة أحمد سعادات ورفاقه مثلاً).

 

"
في حال مشاركة حماس في اللعبة (المجلس التشريعي) لن يكون بوسعها أن تتمرد عليها، لأنها ستخالف قواعد اللعبة الديمقراطية أي قرار جماهير الشعب
"
بناءً على ذلك كله يمكن القول بكل بساطة إن فتح كحزب حاكم يملك سيف المعز وذهبه، وسيحصد غالبية المقاعد في البرلمان، إلى جانب الأصوات المستقلة التي ستؤول إليه في النهاية، كما هو الحال في كل البرلمانات العربية.

 

أما حماس فمن الصعب عليها أن تحصل على أكثر من ربع المقاعد، ولنقل ثلثها في أعلى تقدير (للتذكير فإن صياغة القوانين غالباً ما تمنح أحزاب المعارضة من المقاعد ما هو أقل من نسبتها من الأصوات).

 

والحال أن الحصول على الغالبية -رغم استحالته واقعياً- إنما يطرح معضلات أكثر من البقاء في دائرة الأقلية، ليس لأن السلطة في الحالة الأولى ستنقلب على اللعبة برمتها بدعم واضح من الوضع العربي والدولي، بل لأن عدم حدوث ذلك سيفرض على الحركة أن تشكل حكومة تفاوض الاحتلال وتخضع لاستحقاقات لا حصر لها، الأمر الذي ينهي برنامج المقاومة لحساب برنامج السلطة، وأين؟ في دولة مؤقتة يتحكم الاحتلال بكل تفاصيلها بما في ذلك تنقل قادتها بل وحريتهم وربما حياتهم أيضاً، اللهم إلا إذا أرادوا البقاء داخل الأقبية.

 

لنتجاهل هذا الاحتمال ولنعد إلى الاحتمال الواقعي ممثلاً في الحصول على ثلث المقاعد، وهنا نقول إنه سيشكل معضلة أيضاً لأنه ابتداءً خروج من مشروع المقاومة إلى مشروع السلطة، لأن المعارضة هي في واقع الحال جزء من السلطة.

 

في هذه المعادلة ستخضع حركة حماس للعبة الأقلية والأغلبية في مجلس تتحكم فيه حركة فتح، وهو مجلس خاضع بدوره لمعادلة سياسية معقدة وليس لتصويت أعضائه ورغباتهم، الأمر الذي سيكرر لعبة المعارضة اليسارية لفتح داخل منظمة التحرير طوال السبعينات والثمانينات وصولاً إلى أوسلو، أي دور شاهد الزور الذي يمنح الشرعية للقرارات التي يأخذها عرفات وقيادة فتح.

 

في هذه الحال لن يكون بوسع حماس أن تتمرد على هذه اللعبة لأنها ستخالف -بحسب الآخرين- قواعد اللعبة الديمقراطية، أي قرار جماهير الشعب رغم أنه مجلس لا يمثل سوى ثلث الشعب الفلسطيني ممن يتواجدون في الأراضي المحتلة عام 67.

 

"
وجود الحركة خارج المجلس ومراقبتها لأدائه والتحرك من خلال الضغط الشعبي سيكون أكثر فاعلية من وجودها داخله وخضوعها للعبة الأقلية والأغلبية
"
لا شك أن وجود الحركة في المجلس التشريعي سيوفر لعدد من رموزها فضاءً إعلامياً جيداً للتعبير عن أنفسهم وبرنامج حركتهم، كما يمكن أن يوفر قدراً من الرقابة على السلطة، لكن التجارب المشابهة في العالم العربي ما زالت تقول إن ذلك التأثير يبقى محدوداً في السياق الرقابي، فيما يمكن للحركة أن تستعيض عن حضورها البرلماني بنشاط شعبي فاعل، وبخاصة أننا إزاء وضع مختلف عن أوضاع الدول المستقرة وذات السيادة.

 

وفي العموم فإن العضوية البرلمانية لن تمنح رموز حماس الحصانة إذا ما واصلوا تبني نهج المقاومة، بدليل وضع مروان البرغوثي وحسام خضر من حركة فتح، كما أنها لن تحمي مؤسسات الحركة من عسف القوانين التي ستسن من خلال البرلمان وفق قاعدة الأغلبية والأقلية، بما في ذلك قانون الاجتماعات العامة.

 

يقول البعض أيضاً إن المجلس سيسن بعض القوانين المهمة التي ستؤخذ في غياب حركة حماس، والحال أن وجود الحركة هو الذي سيمنح الشرعية لتلك القوانين في ذات الوقت الذي لن تتوفر فيه على الحيلولة دون صدورها، وبخاصة القوانين ذات الصلة باللعبة السياسية ومن ضمنها المناهج الخاضعة لاستحقاقات تلك اللعبة، بدليل أنها تتغير الآن في الأردن حيث تتواجد الحركة الإسلامية في البرلمان، وبدليل أن وجود الحركة الإسلامية في برلمان اليمن لم يحم المعاهد العلمية التي أسستها الحركة وسهرت عليها ثلاثة عقود.

 

لقد تمكن النظام العربي في ظل نظام البرلمان والأحزاب من ضبط حركة الشارع بشكل أفضل بكثير من أيام الأحكام العرفية، ولعل مروراً على أوضاع القوى السياسية والشارع الشعبي في ظل الديمقراطية العربية المشوّهة يشكل دليلاً واضحاً على ذلك، ولن تكون السلطة الفلسطينية استثناءً على هذا الصعيد. ونتذكر هنا تجربتها خلال أعوام 1996 وصولاً إلى انتفاضة الأقصى عام 2000 التي جعلتها نسخة من الأنظمة العربية الأخرى.

 

أما وجود الحركة خارج المجلس ومراقبتها لأدائه والتحرك من خلال الضغط الشعبي فسيكون أكثر فاعلية من وجودها داخله وخضوعها للعبة الأقلية والأغلبية التي تنهي النقاش حول المسألة بعد التصويت مباشرة.

 

أما مسألة العزلة التي يأخذها البعض كمحذور كبير فنستعيد بالنسبة لها تجربة المقاطعة السابقة ونتساءل عن العزلة التي وقعت.

 

لكن الأهم هو التأكيد أن الحركات السياسية ذات الجذور الفكرية والاجتماعية لا تعزل بخروجها من البرلمان بل بخروجها من ضمير الجماهير حين تخالف بوصلتهم الروحية والسياسية. ونتذكر أن حماس انتخابياً بعد مقاطعة انتخابات المجلس التشريعي عام 1996 كانت في أفضل حالاتها منذ التأسيس من حيث الشعبية والأصوات في الجامعات والنقابات.

 

ثم إن حضور الحركات وغيابها يبقى من جانب آخر رهنا بنشاطها ونشاط قيادتها وكوادرها، وليس بالوجود في البرلمان والاحتكام إلى لعبة يتحكم الطرف الآخر بكامل شروطها.

 

لنتأمل واقع الوجود الإسلامي في البرلمانات العربية وهشاشة الإنجازات التي يحققها قياساً بالقوانين التي يصادق عليها والتي تتعارض مع أبسط الأسس الديمقراطية، ولنتابع كيف تتراجع مقاعد الحركات الإسلامية تباعاً في تلك البرلمانات بعدما ازداد تحكم السلطات باللعبة ولم تعد فكرة المقاطعة واردة ولا سهلة من جانب عملي لاعتبارات كثيرة لا مجال للتفصيل فيها هنا.

 

والحال أن حماس ستبقى موجودة في الشارع بشهدائها وأسراها، وبنشاط شبابها في الشارع وبين الناس، أما الأهم فهو وجودها الفاعل في مراقبة اللعبة السياسية التي لا يمكن إلا أن تكون فاشلة ومدججة بالتنازلات عن الثوابت، حتى بمنطق الشرعية الدولية الذي تتبناه فتح وقوى اليسار.

 

وإذا ما أضافت الحركة إلى ذلك كله قدراً ولو محدوداً من المقاومة بما يبقي الراية مرفوعة انتظاراً لظروف أفضل، ستأتي لاسيما بعد التأكد من عبثية المسيرة السياسية الجديدة، واستنادا إلى السيناريو الذي تابعناه سابقاً عندما عادت فتح إلى مسار المقاومة بعد سبع سنوات عجاف من أوسلو، وإذا ما حصل ذلك فإن حديث العزلة يغدو شكلاً من أشكال العبث والهراء.

 

أما الأضرار الأخرى المترتبة على دخول المجلس فمنها:

1- الخضوع للعبة الأقلية والأغلبية حتى في القضايا المصيرية والمهمة كالمقاومة والمفاوضات ونتائجها على الأرض.

 

2- ضرب مشروع المقاومة للهجمة الأميركية على الأمة في أعز رموزه أي حركة حماس التي دشنت ثقافة المقاومة والاستشهاد.

 

3- تركيز جهد الحركة في البرلمان كما حصل مع الحركات الإسلامية الأخرى، والدخول في متاهة الخلافات (صقور وحمائم) وصولاً إلى الخلاف حول المشاركة في الحكومات، حيث سيظهر من بين النواب من يطالب بذلك، وقد ينشق ليشارك في الحكومة منفرداً، وكل ذلك سيشكل كارثة على حركة تكمن روعتها في استواء الجميع قادة وقيادة في ميدان مواجهة العدو والتعرض للموت والاعتقال.

 

"
مقاطعة انتخابات تجري على أساس أوسلو وبرنامج السلطة ونبذ المقاومة هي الخيار الأفضل، لأن ذلك المسار لن يصل إلا إلى ذات الطريق المسدود الذي وصل إليه في المرة السابقة
"
في ضوء ذلك كله فإننا نميل إلى أن مقاطعة انتخابات تجري على أساس أوسلو وعلى أساس برنامج السلطة ونبذ المقاومة هي الخيار الأفضل، لأنه مسار لن يصل إلا إلى ذات الطريق المسدود الذي وصل إليه في المرة السابقة، اللهم إلا إذا خضع القوم ومنحوا الإسرائيليين ما يريدون، وعندها سيكون من السوء بمكان أن توفر حركة حماس لهؤلاء فرصة أن يفعلوا ذلك تحت راية الديمقراطية وخيار الشعب والأقلية والأغلبية.

 

تبقى إمكانية دعم أناس مستقلين أو إعلان دخول الانتخابات بشكل رمزي عبر مجموعة شعارها دعم المقاومة والدفاع عن حقها في الاستمرار، من دون الخضوع للعبة الأقلية والأغلبية أو التأثير على برنامج المقاومة الذي تتبناه الحركة ويقوم اسمها عليه، أمرا واردا خاصة إذا كان قادرا على تنفيس الخلاف في أوساط قاعدة الحركة وقيادتها حول المشاركة من عدمها.

 

أما المشاركة الشاملة فلا تبدو في صالح الحركة ولا هي في صالح برنامج المقاومة، في وقت تبدو فيه فلسطين والأمة في أمس الحاجة إلى ذلك البرنامج.

 

ودعونا نتذكر هنا برنامج شارون للدولة المؤقتة، ونتذكر حقائق الجدار، ونتذكر تحفظات شارون الأربعة عشر على خريطة الطريق، ثم نتذكر وعد بوش لشارون، كما نتذكر أن العراق لا يزال محتلاً ويقاوم الاحتلال.

_________

كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة