عاطف معتمد عبد الحميد

 

- أين هى إرادة الشعوب؟

- أين روسيا العظمى؟

- ميزان التنافس الروسي الأميركي

 

الآن هدأت الجلبة التي رافقت الأحداث الثورية في آسيا الوسطى، وأصبحت الفرصة مناسبة لصدمة معلوماتية تكذب "شعبية" الثورة التي شهدتها قرغيزستان وتشكك في إرادة الشعوب بل وتراها خرافة كبرى.

 

لم يعد هناك من شكوك الآن في الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في الأوضاع السياسية للدول المتفككة عن الاتحاد السوفياتي السابق، إذ بات معروفا أن السفارات الأميركية مولت في هذه الدول المنظمات غير الحكومية، بل وقدمت تمويلا ماليا مباشرا لقوى المعارضة التي أطاحت بالرئيس القرغيزي.

 

لم تعد الأموال التي تنفق في دول آسيا الوسطى لدعم "الديمقراطية" قضية ينكرها أحد حتى الأميركيون، ففي هذه الدول فروع للمؤسسات الأميركية مثل: بيت الحرية، وصندوق المنحة القومية للديمقراطية، والمعهد الأميركي للديمقراطية، فضلا عن دور الجامعة الأميركية وراديو الحرية.

 

حركة التنقلات الوظيفية للمسؤولين الأميركيين في الجمهورية تعبر عن هذه الأدوار، فروبرت فريدمان السفير الأميركي الأسبق في أوكرانيا صار رئيسا لفرع بيت الحرية في قرغيزستان، كما تولى جيمس ولسي المدير السابق للمخابرات المركزية الأميركية رئاسة مؤسسة بيت الحرية التي تمول حركات المعارضة في آسيا الوسطى وشرقي أوروبا.

 

النموذج المشابه عاشته أميركيا اللاتينية منذ ربع قرن حينما اجتاحتها انقلابات مدعومة أميركيا، وهكذا حل سفير واشنطن السابق في نيكاراغوا سفيرا في روسيا البيضاء.

 

"
الثورات الثلاث التي جرت في جورجيا وأوكرانيا وقرغيزستان لم تكن وردية ولا برتقالية ولا سوسنية كما عرضتها شاشات التلفزة، ففيها مشاهد خلفية لم تصلها العدسات، حيث كانت التشكيلات المسلحة لقوى المعارضة تحضر نفسها للحظة الاشتباك
"
أين هى إرادة الشعوب؟

هل صحيح أن إرادة الشعوب لعبة في يد القوى الغربية؟ وكيف يمكن تفسير تلك الثورات الشعبية "السلمية" التي نجحت دون عنف في تحقيق أحلام الشعوب؟ هل ألجمت قوتها الشعبية الحكومات فعجزت عن مقاومتها ولو بغازات مسيلة للدموع؟

 

يقول عسكر أكاييف بعيد هروبه من البلاد "كان بوسعي أن أصدر أوامر لحماية قصري، لكن النتيجة المتوقعة كانت حربا أهلية دامية تفتك بالبلاد".

 

تشير الدلائل إلى أن الثورات الثلاث التي جرت في جورجيا وأوكرانيا وقرغيزستان لم تكن وردية ولا برتقالية ولا سوسنية كما عرضتها شاشات التلفزة، ففيها مشاهد خلفية لم تصلها العدسات، حيث كانت التشكيلات المسلحة لقوى المعارضة تحضر نفسها للحظة الاشتباك.

 

مؤخرًا، التقطت الصحف ما صرح به وزير المواصلات الحالي في حكومة أوكرانيا يفغيني تشيرفونينكو حين قال إن "الثورة الشعبية كانت تجهز نفسها بمئات من المسلحين المستعدين للرد على التدخل الحكومي إذا ما أطلق النار على المتظاهرين".

 

بعد جورجيا وأوكرانيا يتساءل الناس مرة أخرى: لماذا تسهم الولايات المتحدة في إسقاط النظام القرغيزي الموالي لها والمطيع لأوامرها؟ وقبل قرغيزستان، ألم يكن مستغربا إسقاط نظام إدوارد شيفرنادزه في جورجيا الذي فتح بلاده للقوات الأميركية ودعم غزو العراق؟ ألم تكن أوكرانيا في عهد النظام الذي أطاحت به المعارضة المدعومة أميركيا إحدى الدول القليلة في شرقي أوروبا التي أرسلت قواتها إلى العراق وفتحت بحرها وبرها لقوات الناتو؟

 

لا تزيد الاجتهادات عن التخمين بأن واشنطن تطبق حكمة قرصان السفينة الذي يحتاج من وقت لآخر إلى أن يلقي بنفر من البحارة لأسماك القرش ليردع الباقين فيمضوا أكثر ولاء، وهو تخمين يتشابه مع الظن بأن واشنطن تبتز حكومات المنطقة وترفع سيفا على رقابها حتى تكف عن الوقوف في منتصف الطريق بين موسكو وواشنطن.

 

الطرح السابق يكاد يلامس جزءا من الحقيقة خاصة بعد اللجوء السياسي الذي اختاره الرئيس القرغيزي في موسكو وإعلانه من هناك أن واشنطن قلبت المعارضة عليه.

 

ربما تأتي الإجابة على التساؤل من طرح سؤال بديل وهو: ما الذي تريده الولايات المتحدة في آسيا الوسطى؟ بديهي أنها تريد حضورا سياسيا يزيح الدور الروسي والصيني، وبديهي أيضا أنها تريد سلامة وأمن خمس قواعد عسكرية زرعتها في قرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان منذ حملتها على أفغانستان.

 

كما أنها لا تريد صعودا للحركات الإسلامية الراديكالية وفي مقدمتها حزب التحرير الإسلامي والجماعة الإسلامية. كما يهمها الإشراف على مشاريع النفط القزويني الذي تستثمر فيه شركاتها الكبرى لنقله عبر أفغانستان المحتلة أميركيا، أو عبر جورجيا التي صارت مخفرا أماميا لواشنطن في القوقاز.

 

وإضافة إلى الحيلولة دون أفغنة الجمهورية أو أسلمة مشروعاتها السياسية، فإن الولايات المتحدة حريصة على ألا تتقاطع مصالحها وغضب شعبي أهوج تصعب السيطرة عليه، أي أن التغيير الذي تدعمه واشنطن في دول المنطقة هو التغيير الصحي الذي ينفس عن الغليان ويمتص الاضطراب ويعيد الوضع مرة أخرى إلى الاستقرار، ومن ثم فليس للأمر هنا علاقة بالديمقراطية ولا إرادة الشعوب.

 

الحلقة المفقودة في العلاقة بين الولايات المتحدة وقوى المعارضة في باقي دول آسيا الوسطى التي لم تبلغها الانقلابات بعد، تكمن في مدى مهارة المعارضة في إقناع واشنطن بأنها قادرة على التغيير دون أن تصيب المصالح الأميركية بسوء.

 

وبينما كانت المعارضة في قرغيزستان عشائرية قومية لا إسلامية، فإن المعارضة في دولة مثل أوزبكستان وبشهادة مصادر أميركية، تتزعمها الحركة الإسلامية -أشد الحركات معارضة في الدولة- رغم الضربات العنيفة التي تتلقاها من الحكومة.

 

الأحزاب السياسية في أوزبكستان لا تمثل سوى نسبة هامشية من الواقع السياسي، ويعتبرها مراسل واشنطن بوست أحزابا على ورق أو صورة طبق الأصل من أحزاب المعارضة في كزاخستان التي لا تحمل من مفهوم المعارضة سوى الاسم.

 

في كزاخستان تمت انتخابات برلمانية في سبتمبر/أيلول الماضي وصفتها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بالمزيفة، ولم تقم ثورة ولم تمتد اليد الأميركية لدعم المعارضة في دولة تعتبر بمفهوم الجغرافيا السياسية عازلة بين روسيا شمالا والقواعد العسكرية الأميركية جنوبا.

 

لدى المعارضة في كزاخستان كافة العناصر التي تشبه نظيرتها في دول الثورة البرتقالية، فزعماء المعارضة كانوا قد شغلوا مناصب حكومية سابقة كرئاسة الوزراء ورئاسة البرلمان، والفارق الوحيد هو في قدرة عوائد النفط في هذه الدولة على امتصاص جزء من الغضب الشعبي وصرفه عن التعاطف مع المعارضة المنادية بإنهاء الاستبداد واحتكار السلطة.

 

وكما أن الأحزاب السياسية الخمسة في أوزبكستان تدعم رئيس البلاد إسلام كريموف، فإن الرئيس التركماني ناصر مراد نيازوف لم يجد من المعارضة ما يكبح هوسه بالسلطة فمدد لنفسه رئاسة البلاد طيلة حياته، وهو أمر يجري تحت بصر وبصيرة واشنطن، ولا عزاء لإرادة الشعوب.

 

في مثل هذه الدول ليس أمام المعارضة سوى تقديم الضمانات لمصالح الولايات المتحدة، مكتفية باستلام الحكم والاعتناء بالقضايا الداخلية.

 

إنه سيناريو ينتظره البعض حتى هنا في العالم العربي، بل ولم يعد مستبعدا أن يتعامل الإسلاميون معه بواقعية في سبيل الوصول إلى التمثيل السياسي والفكاك من السجن الانعزالي.

 

"
الاستبداد الذي تعيشه روسيا متذرعة بحرب الشيشان ومحاربة الفساد لم يفقدها مناطق النفوذ والتأثير في آسيا الوسطى فحسب، وإنما أوصل التهديدات الداخلية إلى أقرب مما كان منتظرا
"
أين روسيا العظمى؟

السؤال النظري هنا يبحث في التدابير التي تتخذها روسيا لمواجهة التغلغل الأميركي في مناطق نفوذها السابقة. غير أن مراقبة الداخل الروسي تقترح سؤالا بديلا أكثر واقعية يبحث في السبل التي تتخذها روسيا لمنع وصول الثورة الشعبية إلى عاصمتها موسكو.

 

حينما ارتبكت روسيا ولم تعرف كيف تواجه الإطاحة بالرئيس القرغيزي لصالح معارضة مدعومة أميركيا، كانت صحف العاصمة تتناول ما رصدته السلطات الروسية من اكتشاف تنظيم شبابي يقدر بنحو 12 ألف شاب وفتاة يحمل اسم التنظيم الأوكراني "بورا" الذي قاد الثورة على الحكومة.

 

وأشارت صحيفة زافترا إلى أن التنظيم يموله رجال الأعمال المتخاصمون مع الكرملين، ولا يسعى إلى إسقاط حكم الرئيس فلاديمير بوتين الذي تنتهي فترته الرئاسية بعد ثلاث سنوات، بل يسعى إلى إعاقة توريثه الحكم.

 

لدى بوتين ابنتان بعيدتان عن السياسة، فما تقصده المعارضة الروسية بمقاومة توريث الحكم هو الحيلولة دون توصيل كرسي الرئاسة -في تمثيلية انتخابية- إلى رجل من حاشية الكرملين.

 

ولقد استعدت السلطات الروسية –حسب تحليل صحيفة كومرسانت– بنحو 200 ألف شاب وفتاة ضمن تنظيمات حكومية مختلفة المسميات لمقاومة التظاهرات البرتقالية بكافة الوسائل السلمية وغير السلمية.

 

بل إن آلاف الشباب في جمهوريتي تترستان وبشكيريا الإسلاميتين –أقرب جمهوريات الاتحادية الروسية لآسيا الوسطى- رفعوا الشعارات البرتقالية لإسقاط حكم رئيسي الجمهوريتين اللذين أصابا الأوضاع بركود يعرف اصطلاحا باستقرار بريجنيف.

 

هكذا خابت توقعات من اعتقدوا بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي بأن 15 عاما كافية لأن تستعيد روسيا نفوذها فتعود إلى دول آسيا الوسطى والقوقاز فتية قادرة.

 

روسيا الآن منشغلة بصراع السلطة الداخلي وآخر مفارقاته أن رئيس الوزراء السابق ميخائيل كاسيانوف الذي ظل مريدا لبوتين خلال فترة رئاسته الأولى (2000-2004) ولم ينطق خلالها بكلمة معارضة، فاجأ العالم في فبراير/شباط الماضي بإعلانه التحضير للترشح للرئاسة الروسية عام 2008 وانضمامه إلى حركة المعارضة في البلاد.

 

إن الاستبداد الذي تعيشه روسيا متذرعة بحرب الشيشان ومحاربة الفساد لم يفقدها مناطق النفوذ والتأثير في آسيا الوسطى فحسب، وإنما أوصل التهديدات الداخلية إلى أقرب مما كان منتظرا.

 

أقصى ما يمكن أن تقوم به روسيا اليوم هو الاختيار بين ما هو سيئ وما هو أكثر سوءا. في حالة آسيا الوسطى تمارس موسكو أساليب بدائية لا حنكة فيها، فتنتقد الدعم الخارجي الذي أطاح بالرئيس القرغيزي في يوم، ثم ترحب بقادة الانقلاب في اليوم التالي.

 

"
تنظيم 34 قاعدة عسكرية أقامتها واشنطن في دول آسيا الوسطى وأفغانستان وما حولها من شبه الجزيرة العربية إلى تركيا، يدل على أن الوجود الأميركي في دول الاتحاد السوفياتي السابق جاء ليبقى لأجيال مقبلة
"
ميزان التنافس الروسي الأميركي

نجحت مراكز الأبحاث الأميركية المعنية بالشؤون الروسية والتي ترصد تفاصيل الحياة في روسيا من برامج التسليح إلى مشاكل الإنجاب، في أن تنقل لصانع القرار الأميركي دعما للانفراد بآسيا الوسطى اعتمادا على مجموعة من المعطيات أهمها:

 

- أن آسيا الوسطى ستظل بعيدة عن تأثير موسكو عسكريا نظرا لانشغال المؤسسة العسكرية الروسية بمعضلات تبدأ من الحيرة في اتخاذ قرار بتحويل الجيش المترهل إلى مؤسسة محترفة، وتنتهي عند مشكلة صرف معاشات جيش من الضباط والعسكريين المتقاعدين.

 

- أن اقتصاد السوق الذي تنتظره آسيا الوسطى لن تقدمه اليد الروسية المغلولة داخليا بمواجهة الحيتان الكبرى التي تنهب البلاد سواء من رجال الأعمال أو من رجال الدولة.

 

- أن الحرية الإعلامية والفكرية التي تطلبها أحزاب المعارضة والشعوب في آسيا الوسطى لا توجد في روسيا. ويكفي أن يراجع المرء وسائل الإعلام الروسية عقب سقوط النظام في قرغيزستان ليجد تحليلات باهتة بعيدة عن العمق كان أقصى ما وصلت إليه ترجمة ما نشرته وسائل الإعلام الغربية عن الدعم الأميركي للمعارضة القرغيزية.

 

بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق استنكر الكثيرون توقعات الفلاسفة والمؤرخين بأن روسيا تحتاج ما بين 40 و50 عاما لتخرج من كبوتها، وما يجري في دول الاتحاد يؤكد أن الولايات المتحدة مقتنعة بأبعد من هذه التوقعات.

 

من يدرس تنظيم 34 قاعدة عسكرية أقامتها واشنطن في دول آسيا الوسطى وأفغانستان وما حولها من شبه الجزيرة العربية إلى تركيا، يعرف أن الوجود الأميركي في دول الاتحاد السوفياتي السابق جاء ليبقى لأجيال مقبلة، وهو قادر على التلاعب بالمستقبل السياسي لهذه الدول راهنا إرادة الشعوب بمصالحه وطموحات بنائه للإمبراطورية البرمائية الكبرى.

_________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة