بقلم/ ياسر الزعاترة

- الأسرى قبل انتفاضة الأقصى
- نبذة عن السجناء
- الأسرى والهدنة
- وعود الإفراج وشروطه
- موقف قوى المقاومة

تحظى قضية المعتقلين في السجون الإسرائيلية باهتمام واسع لا تدانيه أي قضية أخرى على الإطلاق. وإذا صح هذا الأمر قبل انتفاضة الأقصى التي اندلعت نهاية سبتمبر/ أيلول 2000، فقد غدا أكثر تأكيداً بعدها خاصة بعد عملية السور الواقي التي بدأت في مارس/ آذار من العام الماضي وضاعفت عدد المعتقلين في السجون.

فكل فرد في الشعب الفلسطيني يعيش قضية الاعتقال على نحو ما، فحين يتم الحديث عن أكثر من ستة آلاف فلسطيني يقبعون الآن داخل السجون -حسب أدنى الأرقام- وأضعافهم ممن مروا بالتجربة، وكل ذلك في شعب لا يتجاوز تعداده 2.5 مليون (في الضفة والقطاع)، فإن ذلك يعني أن المسألة تخص كل بيت وأن قضية المعتقلين هي الهم اليومي الأول للناس.


السعة الطبيعية للمعتقلات الإسرائيلية لا تزيد عن 1500 سجين، في حين وصل عدد المعتقلين في بعض الأحيان نحو عشرة آلاف سجين مما زاد حالهم سوءا
الأسرى قبل انتفاضة الأقصى
لم تنشأ قضية الأسرى مع انتفاضة الأقصى، وإنما هي جزء لا يتجزأ من منظومة الصراع منذ نشأته، غير أن أرقام المعتقلين كانت تتفاوت من فترة لأخرى. ففي انتفاضة عام 1987 ارتفع العدد على نحو لم يحدث من قبل ولا من بعد، ورغم أن تلك الفترة لم تشهد صدور أحكام عالية علىالمعتقلين إلا أن رقم المعتقلين الإداريين الذين يوضعون في السجون احترازياً ومن دون تهم تصاعد بشكل كبير.

وتضمن اتفاق أوسلو نصا يقضي بالإفراج عن المعتقلين، لكن ذلك تم بشكل تدريجي ومخالف للاتفاق، ولم يشمل المعتقلين الذين يقال إن "أيديهم ملطخة بدماء اليهود". وكان عدد هؤلاء 450 معتقلاً لا يزالون في السجون إلى الآن. وقبل انتفاضة الأقصى بلغ عدد المعتقلين نحو 1600 معتقل، أكثرهم من عناصر حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الذين اعتقل بعضهم قبل أوسلو والعدد الأكبر بعده، ثم حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وحركة الجهاد الإسلامي.

أثناء المفاوضات التي تمت في الأيام الأخيرة، حاولت حكومة محمود عباس التركيز على مجموعة الـ450 الذين اعتقلوا قبل أوسلو ومنهم 20 قبل ذلك، وقد قيل إنهم ساهموا في قرار الهدنة، كما أن الإفراج عنهم سيكون له تأثيره المعنوي في الشارع، غير أن ذلك لا يبدو متاحاً بسبب مسألة "الدم على الأيدي" التي يتحدث عنها قادة الاحتلال.

نبذة عن السجناء
لا تتوافر على صعيد الأرقام معلومات دقيقة عن السجناء الفلسطينيين في معتقلات الاحتلال. ولعل السبب المباشر هو عدم توافر إحصاءات رسمية للمعتقلين لدى أجهزة الاحتلال، فضلاً عن أن أرقام المعتقلين تتغير كل يوم وتزداد بمعدلات كبيرة لا سيما خلال العام الماضي.

والمعلومات المتوفرة عن المعتقلين غالباً ما تتصل بالأوضاع السيئة التي يعيشونها والتي يوفرها محامون ومؤسسات حقوق الإنسان، إضافة إلى ما ينقله المعتقلون أنفسهم لأهاليهم سواء مباشرة أم من خلال الاتصالات الهاتفية عبر هواتف نقالة يتم تهريبها إلى داخل السجون بأساليب معقدة.

وقد ساءت أوضاع المعتقلين على نحو واضح أثناء انتفاضة الأقصى، وكان السبب المباشر لهذه الحالة -إضافة إلى محاولة إذلال المعتقلين وكسر إرادتهم وإرادة أهاليهم والشعب عموماً- هو الازدحام الشديد في السجون، ذلك أن السعة الطبيعية لمعتقلات العدو لا تزيد عن 1500 سجين، في حين وصل عدد المعتقلين في بعض الأحيان إلى عشرة آلاف، وانخفض في المرحلة الماضية إلى حدود الثمانية آلاف حسب أرقام فلسطينية وأكثر من ستة آلاف وفق أرقام إسرائيلية.

وحسب معلومات فلسطينية متوافرة من وزارة شؤون الأسرى ومؤسسات ذات صلة بحقوق الأسرى مثل نادي الأسير، فإن في سجون الاحتلال نحو 8000 أسير بينهم 72 امرأة و200 فتى دون الثامنة عشرة. ومن بين هؤلاء حوالي 450 أسيرا موجودين في السجون قبل عام 1994، وحوالي 1200 جاؤوا بعد ذلك وقبل انتفاضة الأقصى ومعظمهم من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، أما البقية فاعتقلوا خلال انتفاضة الأقصى.

ويتوزع المعتقلون على 12 معتقلاً منها أربعة معتقلات جديدة هي عبارة عن معسكرات للجيش زودت بخيام يجري تكديس المعتقلين داخلها في ظروف بالغة السوء.

يتوزع المعتقلون الآن على مختلف الفصائل، حيث تحظى حركة فتح بالجزء الأكبر أي حوالي نصف السجناء، تليها حركة حماس التي لها حوالي 35% من المعتقلين، ثم هناك من تبقى من الفصائل وعلى رأسها الجهاد الإسلامي التي تأتي في المرحلة التالية من حيث العدد.

هناك أيضاً بضع عشرات من السجناء العرب اللبنانيين والأردنيين ومن جنسيات أخرى، وقد مضى على بعض هؤلاء سنوات طويلة في الأسر مثل اللبناني سمير قنطار المعتقل منذ 22 عاماً، والشيخ عبد الكريم عبيد والشيخ مصطفى الديراني، وعدد من الأسرى الأردنيين مثل الأسير سلطان العجلوني.

المعلومات الإسرائيلية تتحدث عن حوالي 6000 إلى 6500 سجين يتكدس حوالي نصفهم في معتقلي كتسيعوت (النقب) ومجدو ومعسكر عوفر. وقد نقلت صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن محافل الأمن قولها إن عدد المعتقلين بلغ حتى الخامس من يوليو/ تموز الجاري 6043 معتقلاً، منهم حوالي 2600 في مصلحة السجون، والباقي في معسكرات الجيش باستثناء بضع مئات موجودين في التحقيق لدى المخابرات الإسرائيلية.


لن يفرج عن أعضاء حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية أو عن سجناء كان لهم ضلع في "الإرهاب"

الأسرى والهدنة
قد لا تكون قضية الأسرى أفرزت الهدنة إلا أنها ساهمت في دفعها قدماً إلى الأمام، فحين كان الشارع الفلسطيني يتحدث عن الهدنة كان الإجماع منعقداً على ضرورة وضع قضية المعتقلين في سلم الاشتراطات لتنفيذها، وهو الأمر الذي تحقق بالفعل حين خصص لها بند من نقطتين، في حين تم وضع كافة الاشتراطات الأخرى من وقف الاغتيالات والاجتياحات وهدم البيوت وسوى ذلك من الانتهاكات في بند واحد، في إشارة تظهر أهمية القضية.

ففصائل المقاومة تعيش قضية المعتقلين بشكل يومي حيث خسرت خلال انتفاضة الأقصى خيرة أبنائها. ولعل مثال حركة حماس هو الأكثر وضوحاً، فقد خسرت الحركة خلال انتفاضة الأقصى الغالبية الساحقة من قادتها السياسيين بالاغتيال والاعتقال، حتى إنها لا تملك حاليا ناطقاً باسمها في الضفة الغربية، وهو الأمر الذي يختلف بالطبع في قطاع غزة بالنسبة للجميع نظراً لأن القطاع لم يتعرض للاجتياح الشامل الذي غالباُ ما يؤدي إلى اعتقال المئات وربما الآلاف.

ولعل من الضروري الإشارة هنا إلى مسألة النزيف المالي الذي تنطوي عليه مسألة الاعتقال بالنسبة للفصائل، خاصة بالنسبة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي.

وعود الإفراج وشروطه
من الواضح أن سلطات الاحتلال مازالت غير جادة في مسألة الإفراج عن المعتقلين وإن حاولت إظهار شيء من المرونة على هذا الصعيد، وقد تأكد ذلك من خلال الإخراج المتقن لقرار الإفراج عن حوالي 350 أسيراً جميعهم من المعتقلين الإداريين أو ممن شارفت مدة اعتقالهم على الانتهاء.

وقد نقلت الدوائر الإسرائيلية تفاصيل ذلك "المخاض الصعب" لإخراج القرار، حيث فشل شارون في جلسة المجلس الوزاري في الحصول إلا على عشرة أصوات من أصل 20 بعدما امتنع أحد وزراء حزب شينوي" عن التصويت، في حين جرت مفاوضات عسيرة أدت إلى تأييده لاحقاً للقرار ومعه نتنياهو ليحصل على 11 صوتاً من أصل 20.

قد ينطوي هذا "الإخراج الصعب" للقرار على رسالة إلى الولايات المتحدة بأن هذه المسألة بالغة الحساسية، خاصة عندما بادر المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية إلياكيم روبنشتاين بإرسال رسالة إلى شارون يطالبه بضرورة تحديد معايير الإفراج عن السجناء، وضرورة الإعلان عن أسمائهم قبل 48 ساعة حتى يتسنى لمن شاء الاعتراض من الإسرائيليين أن يفعل أمام المحكمة.

من هنا قام الإسرائيليون بتحديد معايير صارمة للإفراج عن السجناء قد تعني أن قلة قليلة منهم سوف يفرج عنهم. أما المعايير المذكورة فهي حسب صحيفة يديعوت أحرونوت كالتالي:

  • لن يفرج عن سجناء ملطخة أيديهم بالدماء وكان لهم ضلع في تخطيط أو تنفيذ العمليات.
  • لن يفرج عن سجناء أعضاء حماس أو الجهاد الإسلامي أو الجبهة الشعبية.
  • لن يفرج عن سجناء تقدر المخابرات بأنهم سيعودون فوراً إلى العمل في "الإرهاب".
  • في المرحلة الأولى يفرج عن معتقلين إداريين لم يدانوا ومعتقلين لستة أشهر.
  • يفرج عن سجناء لم يكن لهم ضلع في "الإرهاب" وحكم عليهم بفترات سجن قصيرة.
  • يفرج عن سجناء مرضى وقاصرين.
  • سيطالب كل السجناء بالتوقيع على تعهد للكف عن العمل في "الإرهاب".
  • يفرج أيضاً عن أولئك الذين اعتقلوا في الانتفاضة الحالية وليس فقط قبل اتفاق أوسلو في العام 1993.


شروط الإفراج الإسرائيلية الصعبة ستضع حكومة محمود عباس في موقف حرج خاصة أنها أعطت ضمانات كبيرة بعدم العودة إلى العمل العسكري

موقف قوى المقاومة
تبدو قوى المقاومة في حالة من الحرج الشديد إزاء قضية المعتقلين، فرغم وضعها الإفراج شرطا أساسيا بل واحداً من شرطين للهدنة، فإن معرفتها بالاحتلال تجعلها محدودة الأمل بالإفراج عن أكثرية المعتقلين.

وينطبق هذا الأمر على القوتين الأساسيتين اللتين أعلنتا الهدنة وهما حماس والجهاد، فشروط الإفراج تستثني معتقليها على نحو واضح، مما يزيد من حرج الحركتين أمام قواعدهما، لا سيما وأنهما لا تبديان رغبة بالتراجع عن الهدنة في الوقت الراهن.

وإذا ما استمر الحال على هذا المنوال، فستضطر الحركتان للعودة إلى العمل المسلح أو نوع منه على الأقل، كأن يكون داخل الأراضي المحتلة عام 1967 ضد الجنود والمستوطنين، مع محاولة اختطاف جنود لمبادلتهم بالأسرى، وهو الأمر الذي ثبت أنه صعب جداً حتى عندما كانت السلطة بلا دور أمني، فكيف حين تقوى شوكتها الأمنية ويبدأ وزير الدولة لشؤون الأمن الفلسطيني محمد دحلان بتطبيق أحكامه الخاصة على الأرض.

أما حركة فتح -وهي صاحبة العدد الأكبر من السجناء- فأملها أفضل من ذلك، إذ يتوقع أن تكون الغالبية الساحقة من المفرج عنهم من كوادرها.

ويصل عدد الذين تقول الدوائر الأمنية الإسرائيلية إن أيديهم ملطخة بالدماء نحو 2000 أسير، ثلاثة أرباعهم من حماس وفتح بالتساوي، أما الجزء الأكبر من الباقي فللجهاد ثم الجبهة الشعبية.

من المؤكد أن شروط الإفراج الإسرائيلية الصعبة ستضع -بل وضعت- حكومة عباس في موقف حرج، لاسيما وأنها أعطت ضمانات كبيرة بعدم العودة إلى العمل العسكري. وقد يحاول عباس إقناع الأميركيين والإسرائيليين بأن مسألة إعادة اعتقال الناس لو غدت مطلوبة فلن تكون صعبة بدليل أن اجتياح أي مدينة سيؤدي إلى اعتقال المئات كما حصل مع الخليل قبل ثلاثة أسابيع رغم أن موجات اعتقال سابقة طالت المدينة ذاتها.

في ضوء ذلك كله يمكن القول إن قضية الأسرى قد تشهد قدراً ما من الانفراج وإن على صعيد محدود، حيث يتوقع أن يتراجع عددهم خلال الشهور القادمة إلى الثلثين أو النصف، سواء بسبب انتهاء الأحكام أو بقرارات الإفراج تبعاً للمصلحة الإسرائيلية.

خلاصة القول أن ما لا يقل عن نصف المعتقلين -أي حوالي 3000- سيظلون رهن الاعتقال، ما يعني بقاء قضيتهم من القضايا الحية في الوعي الفلسطيني، وهو ما قد يهدد مسار التهدئة ويجعله بلا أفق حقيقي حتى لو مضى على الأرض لبعض الوقت ريثما ينجلي غبار الموقف العربي والإقليمي، سيما في العراق الذي لاحت بوادر مقاومته على نحو أسرع من المتوقع.
__________________
* كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة