كمال حبيب

  

سؤال اللحظة الراهنة في مصر هو الإصلاح والتغيير، فالفكرة التي تمثل معتقداً عاماً ينتشر بين الناس كالنار في الهشيم هي ضرورة التغيير، ضرورة الخروج من لحظة الأزمة الراهنة التي تبدو مستحكمة، ضرورة تغيير الوجوه التي تعمل بالسياسة وتقرر مصائر الناس منذ قامت ثورة يوليو عام 1952م، حيث إن كثيرا ممن كانوا أعضاء في التنظيم الواحد  أيام عبد الناصر هم أنفسهم المتحكمون في القرار السياسي المصري اليوم.

 

والفكرة لها في ذاتها قوة وفاعلية خاصة، ذلك أن العالم المعاصر لم يعد يقبل بحكام يمارسون القهر علي شعوبهم مددا طويلة تنوء بحملها الجبال، ونظام مبارك منذ عام 1981، أي منذ ربع قرن يكرس لفكرة الاستقرار التي تعني التمسك بمنطق الجمود واستمرار الأوضاع الراهنة وعدم الاندفاع إلى قرارات تعزز فكرة التغيير.

"
يعيش المصريون حالة طوارئ مزمنة خيمت بطابعها الأمني على الحياة الاجتماعية والسياسية وأثارت الرعب والخوف في نفوس الناس خاصة وكانت الدعامة الرئيسية لتكريس الجمود والاستبداد باسم الاستقرار
"

 

ولو حاولنا رصد الأشخاص الذين دفع بهم النظام السياسي المصري للعمل السياسي لوجدنا دورانا للنخبة السياسية والاقتصادية في دائرة جامدة تقضي علي الإبداع والتجدد فيما يطلق عليه عادة في النظم الشمولية "الأوليغاركية الحديدية".

 

ورغم وجود نظام للتعدد الحزبي منذ عام 1976 فإن هذا النظام عرف بأنه تعددية مقيدة وذات طابع شكلي يختصر الحياة السياسية في الحزب الحاكم الذي يرأسه رئيس الدولة المصرية، الأمر الذي يجعل الدولة أداة للحزب وأعضائه رغم أنها دولة الجميع.

  

ويعيش المصريون حالة طوارئ مزمنة خيمت بطابعها الأمني على الحياة الاجتماعية والسياسية وأثارت الرعب والخوف في نفوس الناس خاصة أنها كانت الدعامة الرئيسية لتكريس الجمود والاستبداد باسم الاستقرار، ووصف النظام المصري منذ وقت مبكر وقبل بروز فكرة التوريث بأنه نوع من "الملكية الرئاسية" فالرئيس مستمر في الحكم كما لو كان ملكا، وليس للناس حق اختياره مباشرة، أو للقوى السياسية حق تغييره والتنافس معه.

 

وتبدو ظاهرة الفرعونية السياسية واضحة للعيان حتى لو اتخذت أسماء عصرية، حيث يمثل حكم مبارك أكثر العهود الجمهورية تعبيرا عن الجمود والتحفظ المبالغ فيه، كما أنه أطول هذه العصور وأقلها حظا من الأحداث السياسية الكبيرة التي تعطي شرعية وشخصية للنظام.

   

ورغم أن السنوات الأولى لعهد مبارك عرفت نوعا من الانفراج السياسي لكنها انتهت بنوع من الأوتوقراطية المرعبة التي جعلت من النظام السياسي عبئا على مواطنيه بدلا من أن يكون عونا لهم، وتضاءلت شرعية النظام بفشله الذر يع في تحقيق نهوض اقتصادي راهن عليه كثيراً.

 

وقد روج لصورة مصر كنمر اقتصادي باقتحام مشروعات كبيرة أثبت الواقع أنها لم تكن مدروسة، وذهبت باحتياطي مصر المهم من العملة الصعبة، وكان النظام يراهن على أولوية الإصلاح الاقتصادي التي دفع الفقراء والمستورون الفاتورة الصعبة لها من أجل تأميم السياسة، وانتظر الناس نتائج الإصلاح الاقتصادي ولكنها ذهبت قبض الريح.

 

"
تم الترويج لصورة مصر كنمر اقتصادي باقتحام مشروعات كبيرة أثبت الواقع أنها لم تكن مدروسة وذهبت باحتياطي العملة الصعبة، وكان النظام يراهن على الإصلاح الاقتصادي الذي دفع الفقراء والمستورون الفاتورة الصعبة له
"

ومن هنا ثبت فشل نظرية أولوية الإصلاح الاقتصادي التي روج لها النظام المصري، وبدأ الناس يتساءلون عن ضرورة الإصلاح السياسي وحقهم في المشاركة السياسية والمعرفة بما يجري في بلدهم ومراقبته، خاصة أن الفساد أصبح يصل الرُّكَبَ في جميع المجالات أفقيا ورأسيا بحيث صارت قوى الفساد هي المتحكمة في اللعبة السياسية وتحرك أطرافها بما يحقق مكاسبها ومصالحها.

 

ولم يحدث في التاريخ المصري كله أن أصبحت مافيا الفساد بهذا  الحجم وبهذا القدر من النفوذ والهيمنة، ومع المواجهة الكبرى للنظام مع الحركة الإسلامية الجهادية في التسعينيات ترسخت تقاليد التعذيب واقتحام المنازل واختفاء المعتقلين القسري وإذلال الخصوم السياسيين، وعقد المحاكم العسكرية التي حكمت بإعدام أكثر من مائة  شخص وهو نوع من القتل باسم القانون، وظل آلاف المعتقلين السياسيين لعشرات السنين بلا محاكمة ولايزالون حتى اليوم.

 

ولقد تواكب مع ذلك اقتحام الحياة السياسية السلمية فأغلقت أحزاب كانت فاعلة مثل حزب العمل بسبب توجهه الإسلامي، واخترقت أحزاب أخري ليبرالية ويسارية، وسمح لأحزاب هشة وورقية بالوجود عن طريق لجنة الأحزاب الحكومية بينما رفضت أحزاب تيارات لها قوة حقيقية في الشارع، أما أكبر القوى السياسية الممثلة في الإخوان المسلمين فإنها محجوبة عن الشرعية.

 

ورغم أن الحزب الوطني الذي يتحكم في الحياة السياسية المصرية واجه نكسة كبيرة في الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2000 حيث لم يجاوز نسبة الـ30% إلا قليلا، لكنه لم يقتحم معركة إصلاح حقيقية وإنما اعتمد أسلوب الدعاية في السياسة كما اعتمدها من قبل في الاقتصاد، وظل يحتكر اللعبة السياسية ويتحكم في قواعدها كما يحلو له مصراً على تكريس الاستبداد والفرعونية والفساد.

 

كما ظهرت قصة التوريث بوضوح أزعج الناس خاصة النخب المثقفة، ويبقى إصرار الرئيس مبارك على بقاء منصب نائب الرئيس موضعاً للتساؤل وتأكيداً للغموض الذي صار سمة للحياة السياسية المصرية.

 

ومع مجيء المحافظين الجدد إلى السلطة ظهرت أجندة جديدة ترى أن النظم السياسية العربية فقدت شرعيتها، وأن دعم الاستبداد في الشرق الأوسط الكبير بالمفهوم الأميركي قاد إلى ظهور أجيال إسلامية عنيفة صدرت انتحارييها إلى قلب أميركا لأول مرة في تاريخها فيما عرف باسم الحادي عشر من سبتمبر 2001.

 

وفكرة الأجيال هي فكرة قوية جدا في التحليل الغربي خاصة الأميركي، ومن ثم فهناك قناعة بأنه لابد من تغيير شخصية الأجيال العربية الإسلامية القادمة حتى لا يتحول عنفها إلى العالم الغربي.

 

"
كما هو معلوم فإن اليابان وألمانيا تعرضتا لأخطر عملية تسميم سياسي في التاريخ قادت لتطويع الشخصية اليابانية والألمانية للمطالب السياسية الأميركية، ولعل الدور الآن قد وصل إلى شعوب المنطقة العربية
"

وكما هو معلوم فإن اليابان وألمانيا تعرضتا لأخطر عملية تسميم سياسي في التاريخ قادت لتطويع الشخصية اليابانية والألمانية للمطالب السياسية الأميركية، والدور الآن على شعوب المنطقة العربية خاصة الأجيال الجديدة، والديمقراطية هي الأداة الأميركية السحرية التي ستسهم في تنفيذ الرؤية الأميركية للمحافظين الجدد.

 

ومن هنا لم يعد أمر بقاء النظم المستبدة واستمرارها مقبولا، ولابد من تغيير هذه النظم، وما روجته هذه النظم لدى الأميركان والغرب من أنها حامية المصالح الأميركية وأن البديل لها هم الأصوليون الإسلاميون لم يعد موضع تقدير أو اعتبار، خاصة أن النموذج التركي والمغربي بشكل خاص عبرا عن قدرة عالية على التعامل مع المتغيرات السياسية بمسؤولية واقتدار من جانب الإسلاميين أو من لهم خلفية إسلامية.

 

الآن حدث تغير في اللعبة السياسية سواء بالنسبة للنظام المصري أو المعارضة السياسية والحركات الاجتماعية جميعاً، ومن مؤشرات الاستجابة لهذا التغير في قواعد اللعبة إعلان الرئيس المصري تعديل المادة 76 من الدستور المصري وهو تعديل يتيح للمصريين لأول مرة في تاريخهم اختيار حاكمهم بشكل مباشر من بين متنافسين عدة، وهو يتيح من الناحية النظرية إمكان مجيء رئيس غير الذي يحكم مصر، وهو ما يعني تداول السلطة حتى لا تكون دولة في يد الفرعون وحده.

 

وهذه فرصة تاريخية كبرى لم يكن أحد يصدقها أو يتخيلها، وتم إعلانها بشكل مفاجئ ومربك وهو ما أعطى القوى الاجتماعية والسياسية المطالبة بالتغيير الأمل في النزول للشارع والتظاهر والدعوة للعصيان المدني، وبدت حركة "كفاية " هي القادرة على التحدي، ثم كان نزول الإخوان المسلمين إلى الشارع لحسم خيار المطالبة بالإصلاح والدعوة إلى التغيير خاصة أن تصريحات أطلقت من المرشد العام ونائبه أعطت الانطباع بأن الحركة مع استمرار مبارك في الحكم، فمن المؤكد أن العام الحالي سيشهد تحولات تاريخية كبيرة في إصلاح النظام السياسي المصري قبل الانتخابات الرئاسية القادمة في شهر أكتوبر.

 

لكن هذه التحولات تحتاج لنضال وطني حقيقي من قوى المعارضة ممثلة في حركة كفاية والإخوان، ولابد من القول هنا إن المتابع لحركة النظام وقوى التغيير معا يلاحظ أنهما يمارسان ما يمكن أن نطلق عليه "الاقتراب المحسوب والمتردد من مطالب التغيير"، فالنظام يحاول الالتفاف على مطالب الإصلاح والتغيير، والقوى الاجتماعية والسياسية هي الأخرى لاتزال لم تحسم أمرها بشكل واضح لا خفاء فيه، ويبدو أنها تنظر إلى الفرصة السياسية التي منحت لها فجأة دون أن تكون قادرة على استغلالها لتحقيق نقلة نوعية في الضغط على النظام وتحديه كما فعلت الجماهير الأوكرانية والقرغيزية. 

 

"
لا شك في أنه لدى مصر فرصة سياسية كبيرة للتحول السلمي ناحية الديمقراطية لو أعلى النظام السياسي مصلحة الوطن على مصالحه الخاصة واستجاب لمطالب التغيير العارمة بعيدا عن ضغوط الخارج
"

ولتحويل ما أعلن من تعديل المادة 76 من الدستور إلى فرصة سياسية لاستكمال مطالب الإصلاح والتغيير من جانب القوى الاجتماعية والسياسية المطالبة به يبدو ضروريا النزول إلى الشارع والنفاذ إلى القطاع الأوسع من الجماهير المصرية لإقناعها بأن عصراً جديدا قد بدأ وأنه لابد من مشاركتها فيه، فالناس لاتزال غير مصدقة أن هناك إمكانية للتغيير.

 

وما سيعطي هذه الجماهير الثقة في ذلك هو تقديم الحركات الاجتماعية المطالبة بالتغيير نفسها كرمز حقيقي بتحول معتقد التغيير العام إلى وجود ملموس عن طريق النضال في الشوارع بعيدا عن الغرف المغلقة والمباني المكيفة، ولا بأس من دفع تكاليف النضال الحقيقي والاستعداد لها فلا توجد حركة تغيير في العالم لم تدفع ثمن مطالبتها بالتغيير.

 

وللإدارة في مصر أساليبها التي يمكن أن تمتص مطالب التغيير عن طريق إبداء التنازل والاستجابة لمطالب الحركة الاجتماعية من الناحية الشكلية دون حدوث انتقال حقيقي إلى بناء عالم جديد وتقاليد جديدة في الممارسة والسلوك السياسي.

 

ولعله بإمكان حركة "كفاية" أن تكون وعاءً سياسيا لكل المطالبين بالتغيير في اللحظة المصرية الراهنة لو امتلكت القدرة والإرادة على الانتقال من مرحلة جس النبض الحذرة إلى الممارسة الحقيقية للنضال من أجل التغيير.

 

ولا شك أنه لدى مصر فرصة سياسية كبيرة للتحول السلمي ناحية بناء  تقاليد عصرية ذات طابع مدني تحترم الدين وقدسيته وتقدر الإنسان وكرامته لو أعلى النظام السياسي مصلحة الوطن على مصالحه الخاصة واستجاب لمطالب التغيير العارمة بعيدا عن ضغوط الخارج.

 

إن أكثر من 75 مليون مصري يستحقون احترام حقهم في المشاركة السياسية والعيش بدون طوارئ وبناء دولة القانون والحرية التي تتيح لهم تداولا سلميا للسلطة ومحاسبة المسؤولين ومراقبتهم واختيارهم.

 

واليوم فإنه لم يعد من الممكن مقاومة مطلب التغيير أو الالتفاف عليه في الحياة السياسية المصرية، فقد أصبحت له قوة معنوية ورمزية تنتظر من يحولها إلى حياة معاشة، ويا سعد من تقدر له قيادة المشاركة في تحويل حلم التغيير في مصر إلى واقع حقيقي ملموس، سواء أكان النظام الحاكم أوالحركات الاجتماعية المطالبة بالتغيير.

 

ورغم أن البعض يتحدث عن الاحتجاج السلبي للمصريين والإصلاح من داخل النظام، لكن المصريين يتحولون، ومتغيرات عديدة وكثيرة تجعل الإصلاح من خارج النظام ممكنا أيضا، والمهم هو الوعي بالمتغيرات الجديدة لدى كل من النظام وقوى التغيير، فهو الذي سيجعلهم يرتفعون للدخول إلى العصر والخروج من تيه الأساليب القديمة، فالدولة المصرية ضاقت على مجتمعها وإعادة ترتيبها لتتناسب معه والتأسيس لعقد اجتماعي جديد يأخذ في الحسبان المتغيرات الجديدة أمر لا مفر منه، فليكن بأيدينا لا بأيدي غيرنا.
ــــــــــــــ
كاتب مصري  

المصدر : الجزيرة