إبراهيم غرايبة

           

اهتمام متزايد بالفساد

الديمقراطية كآلية لمكافحة الفساد
هل من سبيل لمكافحة الفساد


ربما تكون الندوة التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية والمعهد السويدي بالإسكندرية عن "الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية" والتي عقدت في سبتمبر/أيلول 2004 هي الأولى من نوعها في الوطن العربي، وعلى هذا المستوى من المشاركة الواسعة للأكاديميين والخبراء، فقد ظل الفساد ينظر إليه في برامج الإصلاح والمعارضة على أنه تحصيل حاصل، وأن الأولوية للإصلاح السياسي، ثم تبين أن مكافحة الفساد هي المدخل الأساس والأول لتحقيق الإصلاح السياسي والديمقراطية والتنمية.

 

حيث يرجع الأمر إلى كون الإصلاح والاستبداد يقومان على منظومة من المصالح التي يتعاقد الناس عليها، وبدون مصالح يتجمع الناس لتحقيقها لن تكون هناك عدالة أو استبداد أو حرية أو تخلف أو تنمية، فالمسألة هي أولا وأخيرا صراع وتحالف المصالح، مصالح المجتمع ومصالح النخب الحاكمة والمتنفذة، المصالح الخاصة والمصالح العامة، مصالح الفقراء ومصالح الأغنياء، مصالح الطبقات والفئات المختلفة المكونة للمجتمع والدولة.

 

اهتمام متزايد بالفساد

"
يحدث الفساد الكبير عادة على المستويين السياسي والبيروقراطي، وعادة ما يرتبط الأول بالفساد المالي حين تتحول الوظائف البيروقراطية العليا إلى أدوات للإثراء الشخصي المتصاعد
"
بدأ الفساد يحتل مساحة واسعة في الاهتمام السياسي والإعلامي، ولكن هذا لا يعني أنه ظاهرة جديدة، فالفساد ظاهرة عرفتها كافة المجتمعات في كل الأزمنة والعصور، ويمكن القول إنه ظاهرة عالمية ومستمرة، لا تخص مجتمعا بذاته أو مرحلة تاريخية بعينها.

 

لكن الجديد في مسألة الفساد هو أن حجم الظاهرة آخذ في التفاقم إلى درجة أصبحت تهدد مجتمعات كثيرة بالجمود وربما بالانهيار.

 

لقد ظل المجتمع الدولي فترة طويلة في الواقع يعتبر أن كل ما يتعلق بنظام الحكم وظاهرة الفساد شأن داخلي بحت لا يجوز للدول الأخرى أو المؤسسات الدولية أن تقترب منه أو تحاول إقحام نفسها فيه.

 

ويعرف البنك الدولي الفساد وفق مؤشرات وآليات متبعة، مثل دفع الرشوة و العمولة المباشرة إلى الموظفين والمسؤولين في الحكومة، وفي القطاعين العام والخاص لتسهيل عقد الصفقات، وتسهيل الأمور لرجال الأعمال والشركات، ووضع اليد على المال العام والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي وفي القطاع العام والخاص.

 

هذا النوع من الفساد يمكن تسميته بالفساد الصغير وهو مختلف تماما عما يمكن تسميته بالفساد الكبير المرتبط بالصفقات الكبرى في عالم المقاولات، وتجارة السلاح والحصول على التوكيلات التجارية للشركـات الدوليـة الكبرى المتعـددة الجنسيات.

 

هذا "الفساد الكبير" يحدث عادة على المستويين السياسي والبيروقراطي، مع ملاحظة أن الأول يمكن أن يكون مستقلا بدرجة أو بأخرى عن الثاني أو يمكن أن تكون بينهما درجة عالية من التداخل والتشابك، إذ عادة ما يرتبط الفساد السياسي بالفساد المالي حين تتحول الوظائف البيروقراطية العليا إلى أدوات للإثراء الشخصي المتصاعد.

 

فكيف السبيل إذن لمواجهة الفساد وتعميم الحكم الصالح؟ إنه سؤال أزلي، ولا شك أن نقطة البداية في الإجابة عليه هي تقييم وتفكيك ما هو شائع وموجود وإعادة تركيبه على أسس تضمن العدالة، وتحقق مصلحة الأمة.

ولا شك أيضا أن عملية الرصد والمتابعة للظروف التي تستفحل فيها ظاهرة الفساد، ستشكل خطوة أخرى في احتواء الظاهرة، وستساعد على إيجاد فهم أعمق لأسبابها.

 

يعتبر الفساد في الوطن العربي ظاهرة مركبة، يدخل فيها، بالضد من إرادتنا ورغباتنا، عامل خارجي، فحين وضع لنا هذا الأجنبي، في نهاية الحرب العالمية الأولى، حدود أقاليمنا ومواطئ أقدامنا، بشكل منع عنا قيام الدولة الحديثة ومؤسساتها، ساهم بشكل حاد في تحقيق اختلالات في التشكيل الديموغرافي وتوزيع الثروة، وهي قضية مهمة جدا وجديرة إلى جانب، قضايا أخرى مهمة، بالمناقشة.

 

وكمثال على الإجراءات المتخذة في هذا الموضوع، فإنه تنصب جهود مبادرة العدالة لمكافحة الفساد بالدرجة الأولى على تعزيز دور المجتمع المدني في مكافحة الفساد وبناء قدراته في هذا المجال.

 

إذن فثمة مؤشرات متنامية على أن جهود بعض المنظمات غير الحكومية في رصد حالات الفساد والدفاع عن المجتمع إزاءها قد بدأت تؤتي أكلها من حيث فضح الممارسات الفاسدة وتعبئة الرأي العام للضغط في سبيل وضع سياساتٍ قوية لمكافحة الفساد.

 

وتسعى مبادرة العدالة إلى توثيق ومنهجة هذه المساعي الحميدة الناشئة في شتى أنحاء العالم، وصوغ المبادئ التي سارت على هديها، وذلك في صورة دليل للمنظمات غير الحكومية يحتوي على أنشطة المراقبة المتصلة بمكافحة الفساد "NGO Anticorruption Monitoring Handbook" يشرح ويعمم المبادرات الناجحة في هذا المجال.

 

إن الفساد الاقتصادي منتشر في المجتمعات المتقدمة والنامية وليس قاصرا على الدول العربية فحسب إلا أنه أكثر شيوعا في الدول النامية لما تتسم به من خصائص معينة كضعف الرقابة والمؤسسات وغيرها.

ولا يسلم القطاع الخاص من الفساد الاقتصادي مثله في ذلك كالقطاع العام على حد سواء إلا أن الموظف في القطاع العام أكثر عرضة للفساد من غيره لبعده عن المساءلة وأمنه من الرقابة بخلاف الموظف في القطاع الخاص الأكثر مساءلة إما من مديره مباشرة أو من مالك المشروع أو من مجلس الإدارة ونحو ذلك .

 

وعلاج الفساد في الأنظمة الاقتصادية الوضعية يكون بتقليل الفرص المتاحة لجني الريع وذلك باتخاذ مجموعة من الإجراءات والإصلاحات الاقتصادية والسياسية ونحوها، تشدد على أهمية دور الإرادة الصادقة في مكافحة الفساد مع مجموعة من الإجراءات والإصلاحات السياسية والاقتصادية المختلفة للمعالجة .

 

الديمقراطية كآلية لمكافحة الفساد

"
الشواهد كلها تتضافر لتؤكد أن الديمقراطية وحدها لا تقضي على الفساد بل إنها كآلية حكم توفر منظومة سياسية متكاملة قادرة على إطباق الخناق عليه وحصره في أضيق نطاق
"
يرى النائب الكويتي الإسلامي الدكتور إسماعيل الشطي أن الإفراط في الاعتقاد بأن الديمقراطية تقدم حلولا لكافة المشاكل الاٌقتصادية هو نوع من الاندفاع المتعجل، فالديمقراطية آلية حكم لا تعتمد مخرجاتها ونتائجها على كفاءة الاستخدام فحسب، بل على نوعية المدخلات أيضا، من قرارات جيدة، وخطط مدروسة، وبرامج عملية، فضلا عن أن الفساد ليس مشكلة سياسية اقتصادية فحسب، بل إنه في الصميم مشكلة أخلاقية.

 

إن الشواهد كلها تتضافر لتؤكد أن الديمقراطية وحدها لا تقضي على الفساد بل إنها كآلية حكم توفر منظومة سياسية متكاملة قادرة على إطباق الخناق عليه وحصره في أضيق نطاق.

 

إن الديمقراطية كفيلة بتوفير الشفافية والمحاسبة والنشر في مواجهة الفساد غير أن ذلك ليس بالأمر اليسير.

 

ويؤكد الشطي أن الديمقراطية تلقى معوقات وعراقيل جمة على أرض الواقع، فالفساد كما يتبين لا يدع آليات الديمقراطية تعمل بكامل كفاءتها، بل يسعى بهمة بالغة إلى تفريغ الآليات من مضامينها.

 

ففيما يتعلق بموضوع الانتخابات على سبيل المثال، والذي يمثل رمز الديمقراطية في كل الدول، فإنه من السهل الالتفاف على سلطة البرلمان الرقابية بخطوة استباقية تهدف إلى التحكم في تشكيل رجال هذه السلطة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال توزيع الدوائر الانتخابية بشكل يصب في مصلحة المفسدين كتوزيع يفتت أنصار الإصلاح ويكتل أنصار الفساد، أو كتجزئة أصوات الناخبين على دوائر انتخابية صغيرة يمكن التحكم فيها، أو كإغراق الدائرة الانتخابية بأعداد كبيرة من المرشحين لمصلحة مرشح يدعمه المفسدون، أو حصر الانتخابات بحزبين كبيرين يمكن التفاهم معهما، أو إغراق الساحة بأحزاب تفتت الأغلبية فتصبح المناصب البرلمانية خاضعة للتفاهمات والتنازلات، وفي كل هذه الحالات يلعب المال دورا أساسيا في شراء الأصوات أو في دعم الحملة الانتخابية.

 

إن سلك القضاء نفسه لا يسلم من مشكلة الفساد عندما ينتقص من استقلاليته، وذلك عندما تقوم السلطة التنفيذية بالتحكم في التعيينات و الترقيات والرواتب والمكافآت، فهنا يكون القضاة خاضعين لها مهما دبجت من عبارات حول نزاهة واستقلال القضاء  كما يمكن تجنب النزعة الاستقلالية لأي قاض بالتلاعب في توزيع القضايا.

 

وبالتالي فالديمقراطية لا يمكنها وحدها توفير الحكم الصالح والتصدي للفساد، فهي عبارة عن منظومة وآليات يمكن للمفسدين أن يعطلوا من مفعولها الحقيقي أو يحركوه في الاتجاه المعاكس.

 

كما أن إفساد الديمقراطية من شأنه زعزعة ثقة الناس وإيمانهم بجدواها وصلاحها، كما لا يمكن للنخب المحلية المناضلة من أجل الديمقراطية مواجهة خصوم الديمقراطيات وحدهم، فالخصوم غالبا ما يكونون مسلحين بالمال والإعلام والنفوذ، ويكونون على درجة من الفساد يتخطى استقامة الضمير والسلوك.

 

والخيار الوحيد كما يرى الشطي، هو تكوين حركة عالمية تضم شبكة من مؤسسات المجتمع المدني المهتمة بالحريات وحقوق الإنسان ومناهضة الفساد، والداعية إلى الحكم الصالح، على أن يكون لهذه الحركة خطاب واحد مشترك للدفاع عن الإصلاح يحترم الخصوصيات الثقافية لأمم الأرض، ولا يفرض مفاهيم الدول الغربية القوية على الأمم الضعيفة.

 

وعلي هذه الشبكات أن تنشئ مقياسا مرجعيا متفقا عليه لتقويم تقدم أو تراجع الفساد في العالم، وأن تسعى مع الإعلام الحر للتشهير المستمر والدائم بأي تقدم للفساد في البلاد التي تحكمها نظم ديمقراطية، وأن تترابط فيما بينها بشكل يومي من خلال وسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة، و أن تشكل جماعات ضغط فاعلة داخل المؤسسات الدولية الرسمية كالأمم المتحدة.

 

هل من سبيل لمكافحة الفساد
تتطلب مكافحة الفساد تجاوب المعنيين من الفاعلين الدوليين مع الجهود الدولية المبذولة في هذا الشأن، والتزامهم باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لتفعيل هذه المكافحة على كافة المستويات العالمية والإقليمية و المحلية، ويقترح د. حسن نافعة إجراءات عدة منها تجريم الأنشطة و السلوك الفاسد أو المحرض أو المشجع على الفساد أيا كان مصدره، وكذلك تقديم الحماية القانونية اللازمة للأفراد المتعاونين مع أجهزة مكافحة الفساد.

 

كما ينصح بتقنين وتنظيم الإجراءات القانونية السليمة التي تكفل أكبر قدر من الشفافية عند إجراء العطاءات أو المناقصات الحكومية، وضمان وكفالة حرية الحصول على المعلومات الصحيحة.

 

"
ينصح في سبيل مكافحة الفساد بتقنين وتنظيم الإجراءات القانونية السليمة التي تكفل أكبر قدر من الشفافية عند إجراء العطاءات أو المناقصات الحكومية 
"
 

ويضيف إلي كل ذلك ضرورة تحديد قواعد وإجراءات تكفل انضباط عملية اتخاذ القرارات وإعلام الجمهور العام والخاص بها، ضمانا لأكبر قدر من الشفافية.

 

ويذكر هنا أن المنظمات الدولية المعنية تقوم من خلال خبرائها أو عن طريق تكليف هيئات بحثية متخصصة، بإجراء عدد هائل من البحوث والدراسات المتعلقة بأبعاد ظاهرة الفساد ومقومات الحكم الصالح، كل في مجال تخصصه، أو الإشراف عليها أو تمويلها، ويمكن التمييز في هذا الصدد بين نوعين من البحوث والدراسات:

 

النوع الأول: يتعلق بالبحوث والدراسات التي تجريها المنظمات الدولية، بناء على طلب الدول الأعضاء لدعم جهود هذه الأخيرة في مجال مكافحة الفساد، وتحسين أداء مؤسساتها المحلية في هذا المجال، وتشكل هذه البحوث نماذج من دراسات الحالة أو الدراسة الميدانية التي تغني المعارف النظرية العامة عن الظاهرة موضوع البحث من ناحية وتساعد من ناحية أخرى على التشخيص الدقيق للواقع واقتراح حلول عملية وواقعية تتناسب مع حجم وطبيعة المشكلات القائمة.

 

النوع الثاني: يتمثل في البحوث والدراسات العامة التي تجريها المنظمات الدولية كل في إطار سلطاتها وصلاحياتها العامة للاضطلاع بالوظائف المنوطة بها.

 

وعادة ما تشمل هذه الدراسات والبحوث قضايا نظرية ومنهجية تتعلق بتأصيل المفاهيم والمصطلحات المستخدمة، وتحديد العوامل والمتغيرات الرئيسية والفرعية ومناهج ومعايير وأدوات قياس هذه العوامل والمتغيرات... وتسهم المنظمات الدولية بقسط كبير من هذه الدراسات لاسيما المتعلقة بتحديد مؤشرات قياس الفساد.

 

إضافة إلى ذلك تشمل أيضا دراسات وبحوثا تتعلق بإستراتيجيات وسياسات وبرامج المنظمات المعنية نفسها في مجال مكافحة الفساد و الترويج للحكم الصالح، كل في نطاق تخصصه.

 

وفي هذا السياق ولد العديد من المنظمات الدولية العالمية والإقليمية، وهي منظمات تنتهج السعي لبلورة العديد من الآليات القانونية لمكافحة الفساد، ونذكر منها على سبيل المثال:

 

معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي لم تدخل حيز التنفيذ بعد، ومعاهدة الإتحاد الأفريقي الإقليمية لمكافحة الفساد، التي يتعين التصديق عليها من قبل خمس عشرة دولة على الأقل قبل أن تدخل حيز التنفيذ، وبروتوكول جماعة التنمية الأفريقية الجنوبية لمكافحة الفساد، وكذلك معاهدة منظمة الدول الأميركية لمكافحة الفساد ولم تدخل أيضا حيز التنفيذ بعد، وأخيرا معاهدات القانون المدني والجنائي لمجلس أوروبا حول الفساد.
ــــــــــــ
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة