ياسر الزعاترة

 

عاشت ساحة العمل الإسلامي خلال الأعوام الأخيرة ولا زالت تعيش، في حالة من الارتباك الكبير، والسبب الرئيس الذي يمكن التأشير عليه، إضافة إلى الهجمة التي تتعرض لها الظاهرة الإسلامية عموماً، من قبل دوائر رسمية، عربية محلية وخارجية، هو دخول أو لنقل صعود مجموعات جديدة تتبنى آراء حادة تتجاوز ما تم التعارف عليه طوال عقود.

 

وتتراوح تلك الآراء بين منهجين عنيفين، الأول على الصعيد المادي بتبنيه لخيار العنف المسلح من دون بوصلة سياسية مدروسة ولا موازنة عاقلة بين المفاسد والمصالح، أما الثاني فبتبنيه العنف الفكري مع المخالفين في الرأي والمنهج، وذلك من خلال الاحتكار الدائم للحقيقة والاستهداف العنيف للآخرين على نحو متواصل مقابل تجاهل واضح لقضايا الأمة وعدم تقديم أي جهد في حلبة الصراع مع أعدائها.

 

"
كان العاملون للإسلام  يحصرون جهدهم في التنافس على الوسيلة الأفضل لإعادة قطار الأمة إلى جادة الصواب، وقليلاً ما كان الأمر يتجاوز  إلى أحاديث الفرقة الناجية مقابل الفرق السبعين أو الاثنتين والسبعين الهالكة
"

في البداية لا بد من القول إن متابعة الجهد الإسلامي خلال القرن الماضي، وتحديداً منذ أن برزت المعادلة الجديدة في واقع الأمة ممثلة في تغييب الإسلام كمرجعية للدولة والمجتمع،    تشير إلى حد مقبول من التعايش بين أركان الظاهرة الإسلامية التي تشمل الجماعات والرموز والجمعيات والعلماء والوعاظ، إلى غير ذلك من أركان الظاهرة التي تشمل كل العاملين للإسلام.

 

كان العاملون للإسلام طوال الوقت يحصرون جهدهم في التنافس على الوسيلة الأفضل لإعادة قطار الأمة إلى جادة الصواب، وبناء المشروع الجديد للنهوض، وقليلاً ما كان الأمر يتجاوز الخلاف على كيفية الوصول إلى الهدف، إلى أحاديث الحق والباطل والدين الصحيح والدين الباطل، أو الفرقة الناجية مقابل الفرق السبعين أو الاثنتين والسبعين الهالكة.

 

والحال أن من تتبع أدبيات رموز العقود الماضية ومعهم الجماعات الإسلامية لا بد سيدرك ذلك. وباستثناء الجماعات الصوفية الواضحة الابتداع في شؤون الدين لم يكن أحد ليتحدث عن كونه الحق مقابل باطل الآخرين أو أنه الفرقة الناجية مقابل الآخرين الهالكين أو الفرق الأخرى الضالة.

 

نشير هنا إلى أن حديث الفرقة الناجية الذي صححه بعض العلماء فيما شكك به آخرون لأن مقدماته غير صحيحة بخصوص افتراق اليهود على سبعين فرقة والنصارى إلى واحد وسبعين فرقة، هذا الحديث لم يسحب من قبل الغالبية من العلماء على الجماعات الإسلامية التي تجتهد في خدمة الدين ومشروع الأمة بالطرق التي تراها مناسبة من دون بدع واضحة في أصول الدين كما هو حال الفرق الباطنية القديمة. 

 

كان الخلاف في جوهره قائماً حول أسئلة النهوض والوسيلة الأفضل لتحقيقه، على اعتبار أن الجميع من أهل السنة والجماعة الحريصين على إعادة الاعتبار للدين في حياة الناس والمجتمع وفي المناحي كافة.

 

بقي هذا الحال قائماً من دون أن يتطور نحو الأفضل في سياق التكاتف أو التعاون، لكنه مثل الحد الأدنى الذي لا يتجاوزه غير القلة وفي مناسبات أو أوراق محدودة، وبالطبع من دون أن يكون قادراً على شطب التنافس الحزبي أو الفئوي، وما ينطوي عليه من صراع على كسب الكوادر والأنصار، ليس من خلال دعوى الفرقة الناجية مقابل هلاك الآخرين، بل من خلال دعوى كل فريق بأنه صاحب المسار الأفضل في خدمة الدين وبناء مشروعه الأمة الجديد في التحرر والنهوض.

 

"
بدأ التحول إلى العنف الفكري عندما حصل التيار السلفي على دعم استثنائي من جهات خليجية بعد زلزال حرب الخليج وموقف الجماعات الإسلامية الرافض لدخول القوات الأجنبية إلى المنطقة
"

بقي هذا الحال قائماً حتى سنوات ليست بالبعيدة، والحال أن التأريخ المنصف للتحول المذكور لا يمكن وضعه كمرادف لبروز ما يمكن وصفها بالظاهرة السلفية، أكان في طبعتها السعودية الوهابية، أم الألبانية "نسبة إلى الشيخ الألباني"، ذلك أن بروز هذه الظاهرة في تحولاتها الأولى لم يغير كثيراً في المنهج السائد، فقد بقي السؤال منصباً حول الجواز وعدم الجواز في سياق مناقشة قضايا الحزبية والإمارة والبيعة من دون الحديث عن الفرقة الناجية والآخرين الهالكين.

 

وكان الشيخ في أزمنة سابقة ترجع إلى منتصف الثمانينات يرى أن الخلاف حول مسائل العقيدة الفرعية لا يختلف عن الخلاف حول مسائل الفقه.

 

بدأ التحول المذكور عندما حصل التيار السلفي في طبعته الرافضة للعمل السياسي والحزبي على دعم استثنائي من جهات خليجية بعد زلزال حرب الخليج وموقف الجماعات الإسلامية الرافض لدخول القوات الأجنبية إلى المنطقة.

 

ما أن حصل ذلك حتى خرج هؤلاء من دائرة الخلاف حول الدنيا ومشروع التغيير والنهوض، إلى دائرة التفسيق والتبديع ومن ثم حديث الفرقة الناجية "أهل الحديث" مقابل الآخرين الذي لا يأخذون، لا بالعقيدة الصحيحة ولا حتى بالفقه الصحيح.


كانت البداية تركز على العقيدة الصحيحة، لكن المرحلة التالية جاءت لتشهد تحولاً أعنف، فعندما وجد القوم أن الكثيرين قد بدءوا أو كانوا في الأصل يعلنون تبني ذات المقولات العقدية من دون ترك جماعاتهم ولا مساراتهم الفكرية أو السياسية، ذهبوا هم أبعد من ذلك ومدوا شروط النجاة والانتساب إلى الفرقة الناجية نحو مسائل الفقه، أكان منها ما يتصل بالقضايا الفرعية كالموسيقى والغناء والنقاب واللحية وطول الثوب، أم ما يتجاوزها إلى الشأن السياسي كتأسيس الجماعات والأحزاب ودخول البرلمان والعلاقة مع الحكام إلى غير ذلك من القضايا التي لم تتفق الأمة عليها في زمن من الأزمنة.

 

وقد ابتدعوا لهذه الغاية ما أسموه "المنهج"، فمن لم يرق لهم قالوا عنه إنه ليس على المنهج حتى لو لم تكن لهم عليه أدنى ملاحظة في الشأن العقدي.

 

واقع الحال هو أن الروح الفئوية والحزبية التي يدعون رفضها، ومعها الشعور بالقوة في ظل دعم مالي كبير، قد دفع أولئك القوم إلى التجاوز على الآخرين ونبذ التوافق السابق في الساحة الإسلامية، وذلك عبر احتكار النجاة في الآخرة واعتبار الجماعات الإسلامية الأخرى مجرد ظواهر بدعية، لا تسير على العقيدة الصحيحة، بل ولا على السنة الصحيحة أيضاً، والخلاصة أنهم يخالفون ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه.

 

"
ما يجري الآن هو تنفيذ لرؤية أميركية نشرها مركز راند للأبحاث تقوم على محاربة الإسلام السياسي، بالإسلام التقليدي الذي تمثله  فئة سلفية تحارب التسييس وتتحدث عن طاعة ولي الأمر بصرف النظر عن مواقفه
"

لو دققنا في المشهد بعد ذلك لوجدنا أن هذه الروح الإقصائية على الصعيد العقدي والفقهي هي التي أنتجت موجة عنف التسعينات التي كانت ذات طبعة سلفية، خلافاً للعنف السابق الذي كان يكتسي لوناً فكرياً وسياسياً، والخلاصة أن روح المرحلة الجديدة من العنف المسلح هي التكفير واحتكار النجاة في الآخرة.

 

تجلى ذلك بشكل واضح في الجزائر، ففيما كان عنتر زوابري يقتل عبد الرزاق رجام ومحمد السعيد ومحمد بوبراس بتهمة أنهم أشاعرة في العقيدة، كان عبد المالك زعيم السلفية الآخر على المنهج الثاني الذي يصفه الكثيرون بأنه مرجىء مع الحكام وخارجي مع الدعاة والعوام، يمعن شتماً وتبديعاً وتفسيقاً، بل وتكفيراً إذا دققنا في النصوص، في عباد الله الآخرين من جبهة الإنقاذ والقوى الأخرى العاملة في الساحة الإسلامية الجزائرية، بل وسواها أيضاً.

 

منذ ذلك التاريخ وإلى الآن، كان العنف "الإسلامي" بطبعته السلفية يواصل العمل هنا وهناك، وفي العموم كان الأداء العام يميل إلى نوع من العنف المرفوض، ولا نعني هنا الرفض من باب الجواز وعدم الجواز، بل من باب الجدوى وموازنة المصالح والمفاسد.

 

ونؤكد مرة أخرى أننا لا نقول من باب الجواز وعدم الجواز من زاويته النظرية، لأن المسألة كانت ولا تزال خلافية، فلو قلنا إن الخروج على الحاكم الظالم ليس جائزاً لما عرفنا كيف نتصرف مع حالة الحسين رضي الله عنه، ومعه حالات أخرى كثيرة خرج فيها آل البيت على الحكام.

 

ثم لما عرفنا كيف نضع موقف الإمام مالك وأبو حنيفة عندما نزعا البيعة من أبي جعفر المنصور وانتصرا لمحمد النفس الزكية، إلى غير ذلك من القصص الكثيرة في تاريخنا.

 

ما يعنينا هنا هو العنف الفكري الذي كان يواصل فعله أيضاً ضد الآخرين تحت ذرائع واهية، وكان يضرب يميناً وشمالاً دون هوادة، إذ لم يركز على الجماعات فقط، وإنما أصاب الدعاة والعلماء من المخالفين، حتى لو كان خلافاً شكلياً أو في بعض القضايا الفقهية فضلاً عن العقدية التي يغدو معها التشدد أعنف بكثير.

 

"
من المؤكد أن تعاون تيار "السلفية الإصلاحية" الذي يصعد بشكل جيد في السعودية والخليج، ممثلاً في رموز من أمثال الشيخ سلمان العودة وسفر الحوالي، مع التيار الإخواني العريض، سيكون قادراً على إعادة التوازن إلى الظاهرة الإسلامية
"

والأسوأ أن هؤلاء حين أرادوا مطاردة العنف المسلح كما تقتضي الصفقة لم يترددوا في نسبته إلى غير عنوانه، وهنا وجدوا في سيد قطب ضالتهم، مع أن أحداً من ممارسيه الجدد لم يقرأ سيد قطب، بل إن بعضهم يشككون في عقيدته كما يفعل جماعة العنف الفكري.

 

ما نريد قوله هو أن هؤلاء قد تجاهلوا أن بنيان الصحوة الإسلامية المعاصرة هو نتاج فعل مشترك لكل الجماعات ولكل العاملين للإسلام، وأن فضاء الظاهرة الإسلامية هو أكبر من أي فرد أو جماعة أو تيار، وأن أحداً لا يمكنه احتكار الدين لصالحه، لاسيما في هذه المرحلة وحيث تتكاتف عوامل كثيرة داخلية وخارجية لاستهداف الظاهرة ومحاولة ضربها بكل الوسائل الممكنة.

 

على أن أهم من ذلك كله هو أن ما يجري ليس بريئاً بحال من الأحوال، فالذي يفسح المجال أمام هذه الفئة للسيطرة على منابر التأثير، وبخاصة المساجد، فيما يمنع أخرى بل يحاربها بكل ما أوتي من مكر وقوة، هو القرار السياسي.

 

وما يجري الآن هو تنفيذ لرؤية أميركية نشرها مركز راند للأبحاث تقوم على محاربة الإسلام السياسي، بشقيه السلمي والجهادي، بالإسلام التقليدي الذي تمثله تلك الفئة السلفية التي تحارب التسييس وتتحدث عن طاعة ولي الأمر بصرف النظر عن مواقفه. 

 

في ضوء هذه المعطيات يبدو من الضروري القول إن موازنة المصالح والمفاسد لا زالت تستدعي إعادة الحالة الإسلامية إلى سياقها القديم من حيث التعايش بين مختلف القوى والتيارات والرموز العاملة للإسلام ضمن رؤية لا تخالف ثوابت الدين، حتى لو اختلفت في الفرعيات.

 

ولنتذكر أنه لو كان الخلاف يخرج الناس من دائرة الفعل الإسلامي لشطبنا العز بن عبد السلام وابن حجر والنووي وصلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح وكل الأشاعرة والماتريدية، فكيف حين يريد هؤلاء تجاوز الخلاف في مسائل العقيدة إلى مسائل الفقه وفرعياته، ومعها وسائل التعامل مع التحديات التي تواجه الأمة في الداخل والخارج؟

 

فلا بد إذن من نهج جديد يؤسس لميثاق عدم اعتداء بين العاملين للإسلام، لاسيما في هذه المرحلة الحساسة، ولا بأس أن يرى كل فريق أنه الأصوب عملاً والأنقى عقيدة والأقرب للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه فقهاً، وإذا لم يتوفر ذلك النهج فسيضيع الجهد وتستنزف الطاقات في الصراع الداخلي.

 

"
إن أهل السنة والجماعة هم فضاء واسع من القوى والتيارات والعلماء والدعاة والرموز، وليس من حق أحد أن يدعي احتكار هذه الصفة، أو يدعي أنه وحده الفرقة الناجية
"

ولا بد من محاولات حثيثة يبذلها العاملون للإسلام من الرموز والعلماء والجماعات كي يكون التعاون هو عنوان الجهد، وإذا لم يكن، فلا أقل من الابتعاد عن الصدام والتجريح، وفي أحوال العنف الأعمى لا بد من النصيحة أيضاً حتى لا تستنزف الأمة في صراعات لا طائل منها.

 

كما أنه من المؤكد أن تعاون تيار "السلفية الإصلاحية" الذي يصعد بشكل جيد في السعودية والخليج، ممثلاً في رموزه الكبار من أمثال الشيخ سلمان العودة وسفر الحوالي ونظرائهم في الكويت والخليج، مع التيار الإخواني العريض، سيكون قادراً على إعادة التوازن إلى الظاهرة الإسلامية، وذلك من خلال إعادة بعض اللحمة إليها بعيداً عن الخلافات الجانبية في هذه المرحلة البالغة الدقة من تاريخ الأمة، وقد يشكل منبر الحملة العالمية لمقاومة العدوان الذي يتزعمه الشيخ سفر خطوة على هذا الصعيد.

 

إن أهل السنة والجماعة هم فضاء واسع من القوى والتيارات والعلماء والدعاة والرموز، وليس من حق أحد أن يدعي احتكار هذه الصفة، أو إدعاء أنه وحده الفرقة الناجية، وإلا فإن النزيف الداخلي سيتواصل كما قلنا، وسيكون هؤلاء كمن يضع الحب في طاحونة عدوه.

 

بل إن ما يطمح إليه الكثيرون هو تجاوز الحوار والتعاون بين أهل السنة والجماعة ليطال الشيعة أيضاً، لأن الصراع هاهنا أيضاً لا يفيد سوى الأعداء، فيما يبقى من حق أي أحد أن يبشر بفكرته ولا يخشى عليها ما دام يعتقد أنها الأكثر صواباً والأقرب إلى روح الدين كما أراده الله عز وجل، ولكن من دون الوقوع في مطب الإقصاء والتكفير المباشر وغير المباشر.




ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة