عاطف معتمد عبد الحميد

 

- البعد التاريخي

- البعد الإستراتيجي

- روسيا والحرب الباردة بين العرب وإيران

 

أدرك الخبراء مبكرا أن زيارة الرئيس الإيراني لروسيا في مارس/آذار 2001 لم تكن احتفالية كغيرها من زيارات زعماء العالم الثالث، فقد كان المفاعل النووي بمدينة سان بطرسبرغ الهدف الأساسي الذي توجه إليه وفد الرئيس محمد خاتمي الذي رأى في المفاعل النموذج الواجب نقله إلى إيران.

 

"
التخلي الروسي عن دعم المشروع النووي الإيراني يعني أكثر من مجرد التنازل عن صفقة تسليح يمكن أن تحل فيها محل روسيا أي دولة نووية كالصين أو ألمانيا أو الهند أو حتى الولايات المتحدة
"
البعد التاريخي

منذ الثورة الإيرانية عام 1979 مثل السلاح السوفياتي ومن بعده الروسي أكبر مصدر لتسليح إيران.

 

ورغم اتفاقية عام 1995 الشهيرة التي وقعها نائب الرئيس الأميركي آل غور ورئيس الوزراء الروسي فيكتور تشرنومردين والتي نصت على عدم بيع أية أسلحة روسية لإيران، فإن التحالف الروسي الإيراني قد دفع بموسكو في نهاية عام 2000 إلى التخلي عن هذا الاتفاق.

 

وتكاتف هذا التحالف بتوقيع عدة اتفاقات علنية وسرية تم بموجبها تطوير الأسلحة الإيرانية -بما فيها صواريخ شهاب- وبيع موسكو طهران أسلحة جديدة وتدريب كبار الضباط الإيرانيين في المؤسسات العسكرية الروسية. وتدريجيا تحولت إيران إلى أكبر مشتر للأسلحة الروسية بعد الصين والهند.

 

لم تكن روسيا أول من ساعد إيران في برنامجها النووي، ففي عام 1974 كانت التقنية الألمانية تضع اللبنات الأولى للمشروع في مدينة بوشهر على الساحل الإيراني من الخليج العربي.

 

وكاد المفاعل أن يصل إلى التجهيز الأولي للتشغيل محققا نسبة 80% من الخطة الألمانية في السنين الأخيرة من عقد السبعينيات، غير أن الاضطرابات التي رافقت الثورة الإيرانية جمدت المشروع بعدما أنفق عليه نحو خمسة مليارات دولار.

 

ولم تفلح محاولات إيران الثورة لاستئناف العمل في المشروع، إذ سرعان ما اشتبكت مع العراق في حرب كان المفاعل فيها أحد المواقع التي استهدفتها النيران العراقية.

 

وبعدما انكسر العراق بعيد عاصفة الصحراء، سمحت الظروف لإيران باستعادة العمل في مفاعلها النووي وبشكل جاد منذ عام 1995، بمساعدة روسية هذه المرة مقابل عقد بلغت قيمته نحو مليار دولار.

 

وتقوم الخطط الروسية لمساعدة إيران على استغلاله في الأغراض السلمية بطاقة إنتاجية مقدارها 1000 ميغاوات، على أن تزيد إلى ستة آلاف ميغاوات عند اكتمال المشروع في العام 2020.

 

وكان منطقيا حينئذٍ أن يتم الترحيب بروسيا في الاقتصاد الإيراني، ويسير التبادل التجاري بين البلدين اليوم نحو الاقتراب من الهدف المرجو بقيمة ثلاثة مليارات دولار سنويا.

 

البعد الإستراتيجي

حينما تعثر الاتفاق الروسي الإيراني يوم 26/02/2005 حبس الكثيرون أنفاسهم متسائلين: هل تتخلى روسيا عن إتمام التعاون مع إيران؟ جاءت الإجابة سريعة، وتم التوقيع بين البلدين في اليوم التالي.

 

كان التخلي الروسي عن دعم المشروع النووي الإيراني يعني أكبر من مجرد التنازل عن صفقة تسليح يمكن أن تحل فيها محل روسيا أي دولة نووية كالصين أو ألمانيا أو الهند، أو حتى الولايات المتحدة التي دعتها طهران منذ عامين إلى المشاركة في استثمارات المشروع للتأكد من أغراضه السلمية.

 

"
إيران بالنسبة للأمن الإستراتيجي الروسي أصبحت أهم منها في  أي وقت مضى، فهي متنفس لا غنى عنه لإيقاف تآكل خريطة روسيا الجيوسياسية منذ الحرب على أفغانستان
"
إن سقوط ورقة دعم المفاعل النووي لإيران تعني التخلي عن مكاسب إستراتيجية تحققت مع طهران خلال السنوات الـ15 الماضية وأهمها:

 

1- التحالف الإيراني الروسي أمام التحالف الأميركي الأذربيجاني حول الصراع مع أرمينيا وما يرتبط به من توتر الوضع في القوقاز الجنوبي الذي يشهد تسللا أميركيا وإسرائيليا.

 

2- ابتعاد إيران طواعية عن لعب دور المنافس لموسكو على التخوم الجنوبية لروسيا رغم البعد التاريخي الكبير لإيران في إقليمي آسيا الوسطى والقوقاز.

 

3- كانت إيران من أوائل الدول التي أعلنت رسميا أن الشيشان جزء من الجسد الروسي وليس أكثر من مشكلة داخلية رغم الشعارات الواعدة التي ترفع في إيران لنصرة القضايا الإسلامية سواء في بعدها الرمزي أو السياسي، وهو ما يعتبره أحد الأكاديميين الروس "براغماتية مدهشة" من قبل دولة إسلامية بامتياز.

 

ولا ينبغي أن يفوتنا أن الأحداث التي جرت في أوكرانيا وجورجيا ويخطط لتكرارها في روسيا البيضاء وكذا الحماية الأوروأميركية لدول البلطيق، قد حولت مناطق الجار القريب -وهو المصطلح الذي يطلق على دول الاتحاد السوفياتي السابق المجاورة لروسيا- إلى جار دولي بحدود ساخنة، وهو ما يعني أن الوزن الذي تمثله إيران في الأمن الإستراتيجي لروسيا أصبح أكبر من أي وقت مضى، وهي متنفس لا غنى عنه لإيقاف تآكل خريطة روسيا الجيوسياسية منذ الحرب على أفغانستان والتغلغل العسكري والسياسي للولايات المتحدة على حساب مناطق نفوذها السابقة.

 

تُعلمنا دراسة التاريخ الروسي أنه كلما وصلت روسيا إلى مرحلة من الاختناق فإنها تعود أكثر جوعا إلى التوسع الإقليمي، وما تشهده روسيا الآن من انكماش خارجي يمكن أن يصل بها إلى نفس النتيجة.

 

ويبدو أن التحرك الروسي عند مستواه الإستراتيجي في المسألة الإيرانية  يتم بقدرة واعية لاستهلاك الوقت حتى تتغير المعطيات الدولية، وليس من المنتظر هنا أن تعلن إيران التحاقها بالنادي النووي خلال عام أو اثنين، فهذه قصة قديمة ثبت كذبها.

 

وهكذا هول شارون الأمر داعيا العالم إلى عقاب إيران حينما أعلن منذ سنوات أن عام 2003 سيكون عام امتلاك طهران القنبلة النووية.

 

ويجب ألا تشغلنا الأخبار الساخنة باقتراب انطلاق القنبلة النووية الإيرانية عن معرفة أن كل ما قدمته موسكو لإيران لم يزد عن 500 وحدة من معالجات الطرد المركزي بينما يحتاج المفاعل لاكتماله وبلوغه مرحلة المفاعل العسكري إلى 300 ألف وحدة، الأمر الذي ربما يحتاج عقدا أو عقدين من الزمن ليصبح المفاعل على خطى مفاعل ديمونة الإسرائيلي، ومن ثم فالمشروع ما زال في مهده.

 

هنا تستمر موسكو تتحرك في مساحة الاستخدامات السلمية على أن تترك مرحلة التحول من السلمي إلى العسكري لوسطاء آخرين أو خبراء محليين أو ربما تتجرأ بمرور الزمن واستعادة عافيتها التاريخية لتكمل مسيرتها مع إيران.

 

كما أن موسكو بدعمها المشروع النووي الإيراني تؤكد أنها مستعدة للوقوف إلى جانب الشركاء "الجادين" حتى اللحظة الأخيرة، وأنها لم تعد تكترث بالتصريحات والتهديدات الأميركية التي أطلقت مؤخرا وأدت إلى خلط بوش بين إعطاء نصيحة بعدم التعاون مع إيران وإعطاء درس في الديمقراطية لرئيس دولة بحجم روسيا، محرجا إياه أمام أعين العالم في برتسلافا.

 

"
موسكو بدعمها للمشروع النووي الإيراني تؤكد أنها مستعدة للوقوف إلى جانب الشركاء "الجادين" حتى اللحظة الأخيرة وأنها لم تعد تكترث بالتصريحات والتهديدات الأميركية
"
إن الإفلات من التعثر الأخير الذي رافق توقيع الاتفاق النهائي بشأن إعادة الوقود المستنفذ إلى روسيا وترتيب موعد تشغيل مفاعل بوشهر، يؤكد أن إصرارا مدروسا تمارسه كل من روسيا وإيران لإكمال تعاونهما رغم التحديات الخطيرة.

 

ومع هذا، لن يؤدي الإصرار الروسي والمثابرة الإيرانية إلى كتابة كلمة النهاية في مصير المشروع النووي، فستبقى احتمالات التعرض له ضربا بأيدي إسرائيل أو الولايات المتحدة قائمة، كما سيبقى التزام موسكو بعدم الوصول بالتقنية التي توفرها لإيران إلى درجة إنتاج القنبلة النووية رهنا بما ستصل إليه أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية.

 

روسيا والحرب الباردة بين العرب وإيران

إضافة إلى الاعتراضات الأوروبية والإسرائيلية والأميركية تدخل دول الخليج العربي على خط الاعتراض، وإن كان اعتراضها ما زال يموج في أروقة السياسة المحلية ولم يصل بعد إلى تصريحات رسمية.

 

ولعل عشرات المقالات التي تكتب في صحف خليجية خير شاهد على اقتراب صدور مثل هذه التصريحات، إذ إن في هذه المقالات يناقش بعض الكتاب السعي الإيراني لبناء المفاعل النووي بطريقة نجحت في تخويف القراء والمتابعين من أن المفاعل النووي هدفه ابتزاز الدول الخليجية بل والهيمنة عليها أو على الأقل تدعيم النزعات الانفصالية لمناطق التركز الشيعي فيها.

 

ورغم أن رئيس جهاز الموساد مائير دغان قد صرح بأن المفاعل الإيراني يمثل الخطر الأكبر على دولة إسرائيل منذ نشوئها، فإن عبد الرحمن الراشد يحذر قراءه في صحيفة الشرق الأوسط بالقول "إذا أردت أن تكون مغفلا فعليك أن تصدق أن إيران تصنع قنابلها الذرية من أجل ضرب إسرائيل.. إنهم يخصبون اليورانيوم من أجل بناء سلاح ذري هدفه باكستان والسعودية وعمان والعراق وأفغانستان وتركمانستان وأذربيجان".

 

كان إيريل كوهين –منذ أربع سنوات مضت– في دراسة قدمها لمعهد الدراسات الأوراسية قد نادى الحكومة الأميركية بضرورة الإسراع بتسليح دول مجلس التعاون لمواجهة الخطر الإيراني على الخليج.

 

قد لا تكون الصورة هنا مختلفة عما أسماه محمد حسنين هيكل بعيد حرب عاصفة الصحراء بثنائية التخويف والمتاجرة بالخوف، تلك الثنائية التي لعب فيها العراق أمام إيران حارس البيت الذي يحميه من اللصوص.

 

في هذا القياس فإن الولايات المتحدة إذا شرعت اليوم في ضرب المفاعل النووي الإيراني –أو أوكلت ذلك إلى إسرائيل- فلابد أن تبقى في الخليج لحمايته من ضربة شيعية انتقامية، وإذا لم تضرب المفاعل فعليها أن تبقى أيضا لحماية الخليج من الخطر الشيعي الذي سيضع قنابله النووية على صواريخ شهاب القادرة على الوصول إلى أي نقطة في الخليج.

 

بهذا المفهوم تتبدد آمال الرومانسيين المنتظرين رحيل القوات الأجنبية عن الخليج، وفي المقابل تتحقق نبوءات القائلين بأن الخليج حتى لو تحرر العراق لن يعود عربيا ولا فارسيا فقد صار أميركيا بلا رجعة.

 

وبهذا المفهوم ليس من المبالغة القول إن روسيا تعود اليوم بدعمها إيران إلى أجواء الحرب الباردة من جديد، وهي تعود اليوم بزيها التقليدي تمد السلاح وتدرب الرجال، ولكنه سلاح هائل لم تقدمه لحلفائها في الشرق من قبل، غير أنها تبدو اليوم مضطرة إلى ذلك حتى تعيد توازنات القوى في تلك المنطقة المهمة من العالم.

 

الآن تتزاحم أمامنا الأسئلة، هل تقصد روسيا مزاحمة الولايات المتحدة ردا على إقصائها تماما من أية شراكة حقيقية في اقتصاديات المنطقة؟ أم ردا على إزاحتها  نهائيا عن العراق؟

 

ومن جهة ثانية يظل الرأي العام العربي حائرا بين قنبلة إيران "الإسلامية" التي ستردع إسرائيل وتكف أيديها عن سفك دماء الفلسطينيين، وبين قنبلة إيران "الشيعية" المرعبة المروعة لأمن الخليج.

 

"
الرأي العام العربي حائر بين قنبلة إيران الإسلامية التي ستردع إسرائيل وتكف أيديها عن سفك دماء الفلسطينيين وبين قنبلة إيران الشيعية المرعبة المروعة لأمن الخليج
"
ولن تتوقف تلك التفسيرات في الداخل الروسي التي يطلقها بعض الباحثين معتبرين أن بلادهم حينما تقدم التقنية النووية لإيران ترتكب حماقة كبرى بمساهمتها في ظهور قوة إسلامية نووية على تخومها الجنوبية، وعلى طول خطوط التماس مع منطقتين تعتبران الأكثر اشتعالا وتهديدا للأمن القومي الروسي وفيهما مشاريع تحت الأرض للحركات الإسلامية، في كل من القوقاز وآسيا الوسطى.

 

يبدو أن حبات العقد قد انفرطت، وما هو آت من تطورات أكبر مما يمكن استشرافه، وإذا ما نجحت روسيا في تجاوز آلام المخاض العسير للفترة الانتقالية في تاريخها الجيوسياسي، فنحن أمام عودة روسية إلى الخليج العربي لمنافسة القوى الغربية.

 

وستتوارى إسرائيل عن المشهد، لتصنع أخبار الساعة مشكلات جيل ستكون مصطلحاته حرب الخليج الثالثة والرابعة بين إيران والعرب هذه المرة، في وقت يتم فيه تعايش إسرائيل مع جيرانها العرب الطيبين، سواء كانوا هناك على خط الطوق أو في الشمال الأفريقي أو حتى هنا على ضفاف الخليج الذي كان يوما يُختلف على تسميته بالخليج العربي أم الفارسي.

_________

كاتب مصري

المصدر : غير معروف