صالح محمد النعامي

 

أصغر الأجهزة الاستخبارية وأكثرها فاعلية

يوجه بوصلة الدولة

قادته ذوو توجهات يمينية متطرفة

اختيار مهندس عمليات التصفية

تنصيب متعهد التصفيات يكمل الدائرة

 

نادراً ما تبدي وسائل الإعلام الإسرائيلية اهتماماً يوازي الاهتمام الذي قابلت به مؤخراً تعيين الرئيس الجديد لجهاز المخابرات الداخلية " الشاباك" يوفال ديسكين الذي من المقرر أن يخلف الرئيس الحالي للجهاز افي ديختر، وباهتمام أقل تم التعاطي مع تعيين الرئيس الجديد لهيئة أركان الجيش دان حلوتس الذي سيخلف موشيه يعلون.

 

النفوذ الواسع والتأثير الهائل الذي يحظى به "الشاباك" على دائرة صنع القرار في الدولة العبرية جعل التغييرات في رأس هرمه تكتسب أهمية خاصة لما لها من دلالات وتداعيات تعكس التوجهات الحقيقية لقيادة الدولة العبرية.

 

ونحن هنا بصدد مناقشة مظاهر النفوذ الواسع لجهاز "الشاباك" على دائرة صنع القرار في الدولة العبرية، ورصد الأسباب التي تكمن خلف هذا تأثير، وتداعياته على توجيه مسار الأمور في إسرائيل إلى جانب دلالات اختيار ديسكين الذي يوصف بأنه "مهندس عمليات الاغتيال" ضد قادة وعناصر حركات المقاومة، تحديداً ليكون على رأس هذا الجهاز، وأثر ذلك على مستقبل الصراع مع الشعب الفلسطيني، فضلاً عن ذلك سنرصد دلالات تعيين حلوتس، الذي يوصف بأنه "متعهد" عمليات الاغتيال، على رأس الجيش الإسرائيلي.

 

"
رغم أن "الشاباك" هو أصغر الأجهزة الاستخبارية في إسرائيل فإنه يعتبر أكثرها حضوراً وتأثيراً على عملية صنع القرار السياسي والعسكري في الدولة
"
أصغر الأجهزة الاستخبارية وأكثرها فاعلية

تملك الدولة العبرية ثلاثة أجهزة استخبارية أولها شعبة الاستخبارات العسكرية المعروفة باسم "أمان" التابعة لهيئة أركان الجيش، وهي أكبر الأجهزة الاستخبارية وأكثرها كلفة لموازنة الدولة.

 

وحسب القانون فإن جهاز "أمان" مسؤول بشكل أساسي عن تزويد الحكومة بالتقييمات الإستراتيجية التي على أساسها تتم صياغة السياسات العامة للدولة، بالذات على صعيد الصراع مع الأطراف العربية.

 

وتعتمد "أمان" على التقنيات المتقدمة إلى جانب المصادر البشرية في الحصول على معلوماتها الاستخبارية التي توظفها في صياغة تقييماتها الإستراتيجية.

 

وثانيها جهاز الموساد وهو جهاز الاستخبارات للعمليات الخارجية، وله العديد من المهام، أهمها التجسس على الدول العربية، ويعتبر ثاني الأجهزة الاستخبارية من حيث الحجم والكلفة المالية.

 

وثالثها جهاز "الشاباك" الذي يعتبر أصغر الأجهزة الاستخبارية ويتكون من بضعة آلاف من العناصر، ويتخصص في محاربة حركات المقاومة الفلسطينية والسعي لإحباط عملياتها ضد إسرائيل.

 

ويشار إلى أن كلا من "الموساد" و"الشاباك" يتبعان مباشرة مكتب رئيس الوزراء، وهو صاحب صلاحية تعيين رئيس كل جهاز منهما.

 

لكن على الرغم من أن "الشاباك"، هو أصغر الأجهزة الاستخبارية، فإنه يعتبر أكثر الأجهزة الأمنية حضوراً وتأثيراً على عملية صنع القرار السياسي والعسكري في الدولة، ولا يمكن مقارنة تأثيره الطاغي بتأثير أي جهاز أمني آخر في الدولة العبرية.

 

لا يختلف اثنان على أن الذي رفع أسهم جهاز "الشاباك" مقابل الجيش والأجهزة الاستخبارية الأخرى هو اندلاع انتفاضة الأقصى، وإدراك الكثير من الإسرائيليين أن هذه الانتفاضة باتت تمثل خطراً وجودياً على الدولة العبرية.

 

"الشاباك" تولى منذ اندلاع الانتفاضة مهمة إحباط عمليات المقاومة، وجمع المعلومات الاستخبارية التي تم توظيفها في شن عمليات التصفية والاعتقال بحق قادة ونشطاء حركة المقاومة.

 

وكان هناك إجماع يندر تحقيقه بين المستوى السياسي، ومنافسي "الشاباك" من بين الأجهزة الأمنية، فضلاً عن وسائل الإعلام الإسرائيلية على أن ما حققه "الشاباك" من إنجازات في مجال إحباط عمليات المقاومة فاق كل التصورات.

 

قدرة "الشاباك" على التغلغل في المجتمع الفلسطيني التي راكمها عن طريق التجنيد الكثيف للعملاء والجواسيس ساعد على توفير المعلومات الاستخبارية التي قادت إلى إحباط عمليات المقاومة عن طريق اعتقال خلاياها وتفكيكها والزج بعناصرها في غياهب السجون، أو تصفيتهم.

 

وانخفاض عمليات المقاومة الفلسطينية داخل الضفة الغربية خلال العام الماضي والعام الجاري بشكل حاد، لم يكن ليتسنى بدون المعلومات الدقيقة التي وفرها "الشاباك"، مع العلم أنه لا تفوت رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون ووزراءه أي مناسبة دون الإشادة بالجهود التي يبذلها "الشاباك" لمنع عمليات المقاومة وإحباطها قبل أن تأخذ طريقها إلى مراكز المدن الإسرائيلية.

 

من ناحيتهم يجمع المعلقون العسكريون في الدولة العبرية على أن "الشاباك" هو أكثر الأجهزة الاستخبارية في العالم قدرة على إحباط ما يسمونه "عمليات الإرهاب".

 

"
نفوذ "الشاباك" لم يتوقف عند حد رفع سقف القمع ضد الفلسطينيين، بل تعداه أيضا إلى التمتع بحق الفيتو ضد أي خطوة سياسية تقدم عليها الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين
"
يوجه بوصلة الدولة

"الإنجازات" التي حققها "الشاباك" جعلت منه الذراع الاستخباري الأكثر تأثيراً على دائرة صنع القرار، إذ أن الحكومة لا يمكنها أن تتخذ قراراً يتعلق بالنزاع مع الشعب الفلسطيني دون الحصول على موافقة قيادة "الشاباك".

 

كل وسائل الإعلام الإسرائيلية تجمع على أن الحكومة تضرب بعرض الحائط توصيات بقية الأجهزة الأمنية الأخرى إذا كانت تتعارض مع التوصيات التي يقدمها "الشاباك"، وقد دلت التسريبات التي ترد من المداولات الأمنية السرية التي عقدتها الحكومة الإسرائيلية منذ انطلاق انتفاضة الأقصى بشكل لا يقبل التأويل على أن "الشاباك" هو الذي رسم سياسات القمع التي مارستها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وهو الذي كان ينجح دائما في رفع سقف هذا القمع مستغلاً "إنجازاته" لتبرير مطالبته الحكومة بتبني توصياته.

 

احتكار "الشاباك" للمعلومات الاستخبارية المتعلقة بالفلسطينيين مس بقدرة أعضاء الحكومة وبقية الأجهزة الأمنية على تقديم تصورات مغايرة، وهذا الاحتكار ساعد "الشاباك" على تضخيم المعلومات من أجل تكثيف عمليات الاغتيال والقمع بشكل عام.

 

لكن نفوذ "الشاباك" لم يتوقف عند حد رفع سقف القمع ضد الفلسطينيين، بل تعداه أيضا إلى التمتع بحق "الفيتو" ضد أي خطوة سياسية تقدم عليها الحكومة تجاه الفلسطينيين، كما أنه نجح دائما في إقناع الحكومة بالتعامل ببخل شديد في كل ما يتعلق بـ"بوادر حسن النية" تجاه السلطة ونحو رئيسها الجديد محمود عباس.

 

على الرغم من أن الأجهزة الأمنية الأخرى كان لها رأي آخر، فإن "الشاباك" نجح في رفض تقديم مثل هذه البوادر على اعتبار أنها تضعف قدرة الدولة على إحباط العمليات.

 

وهذا النفوذ الواسع الذي يحظى به "الشاباك" هو الذي جعل ناحوم برنيع كبير معلقي صحيفة يديعوت آحرنوت الإسرائيلية يعتبر رئيس "الشاباك" هو الحاكم الحقيقي للدولة.

 

قادته ذوو توجهات يمينية متطرفة

الذي يجعل تأثير "الشاباك" خطير بشكل خاص هو حقيقة أن قادته وكبار الضباط فيه من الذين يتبنون المواقف اليمينية المتطرفة، ويدل على ذلك توجه هؤلاء القادة بعد تسريحهم من الخدمة للانضمام لحركات اليمين، فوزير الأمن الداخلي العنصري جدعون عيزرا، كان نائبا لرئيس جهاز "الشاباك"، وانضم لليكود فور تسريحه منه، وحذا حذوه أيهو ياتوم الذي كان يشغل قسم العمليات في الجهاز، وهو الآن نائب عن الحزب في البرلمان.

 

وهناك من كبار قادة الجهاز من انضم لحزب "المفدال" الديني القومي الذي يعتبر الذراع السياسي للمستوطنين، كما أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تؤكد أن معظم قادة الأقسام في الجهاز حاليا هم من ذوي التوجهات اليمينية، وعلى رأسهم رئيس الجهاز الحالي افي ديختر.

 

وتجدر الإشارة إلى أن التوجهات اليمينية المتطرفة تؤثر كثيراً على التقييمات والتوصيات التي يقدمها الجهاز للحكومة، مع العلم أنه يفترض أن هذه التقييمات تقدم على أساس مهني بدون التأثر بالموقف الأيديولوجي لهذا القائد أو ذاك.

 

اختيار مهندس عمليات التصفية

قرار شارون مؤخرا باختيار يوفال ديسكين ليكون رئيسا جديداً  لجهاز "الشاباك" له دلالات خاصة، إذ أن ديسكين الذي تولى في الفترة بين العامين 2001 و2003 منصب نائب رئيس "الشاباك" يعتبر "مهندس" عمليات التصفية التي قامت بها الدولة العبرية ضد قادة وكوادر حركات المقاومة.

 

وديسكين أخذ على عاتقه تنسيق عمليات التصفية، وهو الذي حول المعلومات الاستخبارية المتوفرة لديه عن المقاومين الفلسطينيين إلى قذائف وصواريخ تغتالهم أثناء استقلالهم سياراتهم أو وجودهم في مكاتبهم ومنازلهم، وقد نجح في إقناع المستوى السياسي برفع مستوى عمليات الاغتيالات لتطال في البداية القيادات السياسية لحركات المقاومة، وبعد ذلك طالت القيادات والمرجعيات الروحية.

 

الكثير من المراقبين يرون أن اختيار ديسكين تحديدا ليكون على رأس الجهاز الأمني الأكثر أهمية يعكس في الحقيقة توجهات شارون المستقبلية تجاه الفلسطينيين، فشارون الذي يريد أن يجمد مشروع التسوية إلى أجل غير مسمى بعد تنفيذ خطة "فك الارتباط"، يرى أن هناك الكثير من الأسباب التي ستدفع الفلسطينيين آجلاً أم عاجلاً إلى استئناف عمليات المقاومة وعلى نطاق واسع.

 

لذا يرى شارون أنه من الأهمية بمكان الاحتياط لهذا السيناريو عن طريق إعداد خطط أمنية جاهزة يمكن سحبها من الدرج وقت الحاجة وتطبيقها، ومن هنا كان تنصيب ديسكين –الذي خبر شارون قدراته الخاصة- على رأس هذا الجهاز.     

 

"
النفوذ الطاغي الذي يحظى به "الشاباك" لدى مراكز صنع القرار في إسرائيل يدل على الإشكاليات التي تعاني منها ديمقراطية إسرائيل كما يؤكد أن أساس اختيار الأجهزة والقادة في إسرائيل هو القدرة على  إلحاق الأذى بالشعب الفلسطيني
"
تنصيب متعهد التصفيات يكمل الدائرة

الذي يعزز دلالات اختيار ديسكين، هو أيضا اختيار شارون لدان حلوتس ليخلف موشيه يعلون في رئاسة أركان الجيش، لأنه إن كان ديسكين هو مهندس عمليات التصفية، فإن حلوتس يوصف على نطاق واسع بأنه متعهد هذه العمليات.

 

فمن خلال موقعه السابق كقائد سلاح الجو أشرف حلوتس على جميع عمليات التصفية التي تمت عن طريق الجو، مع العلم أن معظم عمليات التصفية تمت بواسطة القصف بمروحيات الاباتشي الأميركية الصنع، وفي حالات نادرة تمت بواسطة طائرات "الأف 16".

 

من هنا فإن تعيين حلوتس يكمل دائرة التصور الشاروني لمرحلة ما بعد تطبيق خطة "فك الارتباط"، وهو تصور يستند إلى الافتراض بأنه لا مناص من تفجر عمليات المقاومة مجددا آجلا أو عاجلاً.

 

خلاصة

يمكن القول بشكل جلي إن النفوذ الطاغي الذي يحظى به "الشاباك" لدى دائرة صنع القرار في الدولة العبرية يدل من ناحية، على الإشكاليات التي تعاني منها الديمقراطية الإسرائيلية، ومن ناحية ثانية يؤكد أن الأساس الذي عليه يتم اصطفاء الأجهزة والقادة في إسرائيل هو القدرة على إلحاق الأذى بالشعب الفلسطيني والمس بمعنوياته.

______________________

كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة