خليل العناني

ـ فحوى التعديل الدستوري ودلالاته
ـ رد فعل المعارضة
ـ خيارات المعارضة
ـ مسؤولية النظام عن ضعف خيارات المعارضة

لم يكن وقع المفاجأة التي أحدثها الرئيس المصري حسني مبارك بإعلانه تعديل إحدى مواد الدستور المصري قوياً ومدوياً كما كان لدى قوى المعارضة المصرية، التي لم تتوقع يوماً أن يتم أي تعديل للدستور أو إحدى مواده بهذه السرعة والبساطة، أو على الأقل خلال هذا العام، عام الاستحقاق الرئاسي الذي سيتم فيه اختيار رئيس للجمهورية في أكتوبر/تشرين المقبل، لذا لم يكن غريباً أن تسري حالة من القلق والتردد لدى قوى المعارضة الرئيسية وصلت أحياناً إلي حد التخبط وعدم القدرة على التعاطي مع الحدث بنفس قدر مفاجأته.

فحوى التعديل الدستوري ودلالاته

"
تعديل الدستور المصري سعى إلى تغيير النظرة الشعبية لمؤسسة الرئاسة، وذلك بنزع وشاح القداسة عنها، حيث بات الوصول لسدة الحكم أمراً ممكناً بعد أن ظل لفترة طويلة حلماً بعيد المنال
"
يحتوي تعديل المادة 76 من الدستور على أكثر من دلالة، فهي قد عدلت لكي تتاح إمكانية اختيار الرئيس المصري بين أكثر من مرشح بالانتخاب الحر المباشر، بعد أن ظل الأمر حكراً على شخص واحد يختاره البرلمان (مجلس الشعب) ثم يطرح اسمه للاستفتاء الشعبي، لذا فقد ألغى هذا التعديل عملياً نظام الاستفتاء الذي ظل العمل به سارياً منذ وضع الدستور الحالي عام 1971 والذي نجح النظام المصري من خلاله في احتكار المنصب طيلة أكثر من ثلاثين عاماً بين حكمي الرئيس الراحل أنور السادات والرئيس الحالي حسني مبارك.

وقد وضع هذا التعديل حداً لمسألة احتكار رئاسة الدولة من قبل طرف وحيد، علي الأقل من الناحية النظرية، وأفسح المجال أمام إمكانية حدوث تداول سلمي للسلطة في مصر،  وهو أمر كثيراً ما افتقدته الحياة السياسية المصرية.

من ناحية أخرى سعى التعديل إلي تغيير النظرة الشعبية لمؤسسة الرئاسة، وذلك بنزع وشاح القداسة عنها حيث بات الوصول لسدة الحكم في مصر أمراً ممكناً بعد أن ظل لفترة طويلة حلماً بعيد المنال.

وأخيرا فقد بدد التعديل نظرياً سيناريو التوريث الذي تحدثت عنه أطراف عديدة في مصر وعلى رأسها المعارضة، وأجهض حلم بعض الرابضين خلف كراسي السلطة في إمكانية استمرار أوضاعهم وامتيازاتهم كما هي، وبعث برسالة لهم مفادها "لقد ولي زمن التوريث".

ولكن في المقابل، وضع الرئيس مبارك مجموعة من الضمانات "الشروط" التي تصل إلى حد تفريغ التعديل من محتواه، حسب رأي المعارضة، منها على سبيل المثال اشتراط أن يكون المرشح عضواً قيادياً في أحد الأحزاب، وأن يكون قد مر على تأسيس الحزب برهة من الزمن مارس خلالها العمل السياسي.

وكذلك أن يحصل أي مرشح للرئاسة على عدد من التوقيعات الشعبية "يروج البعض لأن تكون 100 ألف توقيع" فضلاً عن ضرورة نيل تأييد عدد من أعضاء المجالس المنتخبة "البرلمان والمحليات" أو "ما يقرب من 20 بالمائة" حسب التوقعات، وهو ما يراه البعض صعباً في ظل احتكار الحزب الحاكم "الحزب الوطني الديمقراطي" لأغلب المقاعد النيابية، مما يقلل عملياً من فرص أي مرشح في منافسة مرشح الحزب الحاكم.

ورغم أن هذه الاشتراطات لا تزال طور البحث والدراسة ومن المقرر أن يبت فيها مجلس الشعب المصري أواخر شهر يونيو/ حزيران المقبل، فإن فحواها دفع لإثارة القلق لدي العديد من أحزاب المعارضة، والتخوف من أن تتحول هذه الانتخابات إلى مجرد استفتاء "مقنن" يعزز من الوضع القائم، ويفرغ التعديل الدستوري من مضمونه.

رد فعل المعارضة

"
حالة التخبط والتردد التي تسري بين أحزاب المعارضة المصرية تكشف إلى حد بعيد مدى الجمود والوهن الذي أصاب الحياة السياسية في مصر
"
كشأن بقية أطياف الشعب المصري فوجئت أحزاب المعارضة المصرية بإقدام الرئيس مبارك علي خطوة تعديل الدستور خصوصاً في ظل التأكيد المسبق علي "بطلان" الحديث عن هذا التعديل، فضلاً عن تيقن المعارضة من صعوبة إنجاز مثل هذا التعديل خلال الفترة المتبقية من الولاية الرابعة لحكم الرئيس مبارك والتي تنتهي بحلول أكتوبر المقبل.

كما شاع الحديث مؤخراً عن "رضى" المعارضة عن التمديد للرئيس مقابل تعهده بتعديل الدستور بعد التجديد له، وهو ما أفرزته جولات الحوار الدائرة بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة الرئيسية.

بيد أن إقدام الرئيس على تعديل الدستور أربك خيال المعارضة ودفعها إلي إعادة تقييم حساباتها من جديد، فجزء من الحلم قد تحقق، وعليها الاستعداد لمواجهة استحقاقاته.

ورغم ترحيب أحزاب المعارضة بالتعديل فإنها رأته تعديلاً منقوصاً ومن شأنه تشويه مطالبها للإصلاح الذي تنشده، ذلك أنه قد يوهم بحدوث تغيير إلا أنه في الواقع مجرد تحايل على ضغوط الإصلاح.

وتبرهن المعارضة على ذلك بكون التعديل لم يمس مواد أخرى تمثل عائقاً رئيسياً في وجه الإصلاح الحقيقي منها المادة 77 التي لا تضع مدة محددة لتولي الرئاسة وتتركها مفتوحة للأبد، كذلك المواد الخاصة بسلطات وصلاحيات رئيس الجمهورية والتي تقترب من 20 بالمائة من مواد الدستور جميعها "35 مادة من أصل 193 مادة دستورية".

ورغم ذلك فقد انبرت أحزاب المعارضة الرئيسية – الوفد، العربي الناصري، التجمع- لإعادة ترتيب أوراقها من جديد، وبحث كيفية الاستفادة من هذه الانفراجة الدستورية، وشاع الحديث عن احتمالات تأييد المعارضة لمرشح واحد في مواجهة مرشح الحزب الحاكم.

ولكن سرعان ما حدث الخلاف وتباينت ردود الفعل بين هذه الأحزاب، وابتعدت بينها المسافات، فالحزب العربي الناصري وعلى لسان رئيسه ضياء الدين داود أعلن رفضه المشاركة في الانتخابات حتى لا يعطي الانتخابات شرعية قد تفيد مرشح الحزب الحاكم، رافضاً أن يلعب دور "الكومبارس" في انتخابات معروفة نتيجتها سلفاً على حد تعبيره.

أما حزب الوفد فيستعد لإعلان ترشيحه للدكتور نعمان جمعة رئيس الحزب، لخوض انتخابات الرئاسة، بعد أن رفض في البداية التعديل الدستوري وأعلن استنكاره له.

في حين رفض الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع الحديث عن إمكانية ترشحه للانتخابات الرئاسية.

ويمكن القول إن حالة التخبط والتردد التي تسري بين أحزاب المعارضة المصرية تكشف إلى حد بعيد مدى الجمود والوهن الذي أصاب الحياة السياسية في مصر، فمن أحزاب تطالب بالإصلاح والتعديل وتضغط باتجاه إنجازه إلى أحزاب تقف عاجزة عن ممارسة دورها في إدارة المعركة السياسية مع الحزب الحاكم.

لقد كان الحزب الحاكم من الذكاء بحيث ألقى بالكرة في ملعب الأحزاب وهو يدرك جيداً ضعف قدرتها على لملمة أوراقها خلال الفترة القليلة المتبقية قبل الانتخابات، ويراهن على ضعف موقفها في الشارع المصري.

وحتى الآن لم تستقر المعارضة على نهج محدد للتعاطي مع النظام، وهو وضع شاذ، يفرض عليها تحديات كبيرة فيما يخص ضرورة تعاطيها بإيجابية وجدية مع الاستحقاق الرئاسي.

ومما لفت الانتباه مدى الخلاف الذي يسيطر على أذهان قادة المعارضة بين مؤيد ومعارض لمسألة التعديل، وهو موقف غريب. فقبل أيام قليلة من حدوث التعديل كانت هذه الأحزاب تبارك استمرار الوضع على ما هو عليه إلى انتهاء الاستفتاء المقبل، ولكن ما إن أعلن عن التعديل حتى تناثرت مواقف المعارضة وتضاربت بدرجة تعطي النظام أكثر مما تأخذ منه.

وبعد طول انتظار خطف النظام زمام المبادرة وألقى بالتبعة على أحزاب المعارضة من أجل البحث عن دور لها في مجابهة مرشح الحزب الحاكم، وزاد من وطأة الأمر أن عجز الأحزاب قد ولد ظهور أحد الأحزاب الحديثة النشأة، "حزب الغد" الخارج عن الخط التقليدي للمعارضة، وهذا الحزب يحاول الآن أخذ زمام المبادرة كي يشكل نداً للحزب الحاكم على أمل المنافسة على المقعد الرئاسي، على الرغم من ضآلة حجمه السياسي وضعف موقف مرشحه، وهو ما يمثل امتهاناً للتاريخ النضالي لأحزاب المعارضة الرئيسية.

خيارات المعارضة

"
على جميع أحزاب المعارضة أن تعلن -دون صفقات أو تنازلات أو استثناءات- مقاطعة الانتخابات الرئاسية المقبلة والمطالبة بالاستجابة لتعديل بقية مواد الدستور ذات الصلة بالمعادلة السياسية
"
رغم مساوئ التعديل الدستوري، والتي قد تتضح أكثر بعد إقرار ضماناته وشروطه، يظل على المعارضة أن تتعاطى معه كما هو باعتباره أمراً واقعاً، فهو من الناحية العملية قد فتح الباب أمام إمكانية حدوث التغيير، وما يستتبع ذلك يصبح على المعارضة إنجازه.

ولكي تكسر المعارضة هذه المعادلة الصعبة عليها أن تختار بين أمرين لا ثالث لهما:
الأول: الرضى بما حدث باعتباره أفضل المتاح، والتعاطي معه رغم محاذيره، والاستفادة منه بأكبر قدر ممكن وذلك من خلال المساهمة في الانتخابات المقبلة.

لكن من الواجب أن تتفق المعارضة على صيغة موحدة لخوض هذه الانتخابات، وفي تصورنا أنه من الأفضل أن يكون هناك ائتلاف معارض يتفق على مرشح واحد للمنافسة على الرئاسة يكون مدعوماً ببرنامج "جماهيري" للإصلاح والتغيير.  

على أن تدشن على الفور حملة دعائية ضخمة في قرى مصر ونجوعها، ووقتها لن يقوى النظام على الوقوف في مواجهتها.

والمعارضة بذلك ستقطع الطريق على طرفين هامين في المعادلة السياسية أولهما النظام الذي لن يستطيع أن يوقف هذا الزحف الجماهيري وإلا جاءته اللعنات من الخارج قبل الداخل وهو يدرك ذلك جيداً، والطرف الثاني هو ذلك المتمثل في طالبي اللجوء والاستقواء بالخارج في معادلة الرئاسة المقبلة والذي يتستر بعباءة الحرية والليبرالية ويخطط لتدشين ثورة "مخملية" في الشرق الأوسط على غرار ما حدث في أوكرانيا وجورجيا من قبل.

الثاني: أن تعلن جميع أحزاب المعارضة، ودون صفقات أو تنازلات أو استثناءات، مقاطعة الانتخابات الرئاسية المقبلة والمطالبة بتأجيلها وتأجيل الانتخابات التشريعية أيضا حتى تتم الاستجابة لتعديل بقية مواد الدستور ذات الصلة بالمعادلة السياسية.

و تشرع في تدشين حملات دعائية لحث الجماهير على عدم المشاركة في الانتخابات، وحينئذ سيزداد مأزق النظام ولن يصبح أمامه سوى الانصياع لإرادة الجماهير.

وفي كلا الخيارين يمكن للمعارضة الاستفادة من الزخم الشعبي الذي وفرته "الحركة المصرية من أجل التغيير" أو ما يطلق عليها حركة "كفاية"، وهي التي تخطت في تأثيرها ما حققته المعارضة المصرية طيلة عقدين من الزمن من خلال صمودها ووضوح مطالبها.

وبدون أحد هذين الخيارين، سيظل الوضع على ما هو عليه، وسيستفيد النظام من الوضع القائم، وقد يتم سيناريو الانتخابات الرئاسية المقبلة على النحو التالي: يقوم الحزب الوطني بترشيح أحد أعضائه "ليس شرطاً أن يكون الرئيس الحالي"، ثم تتقدم بعض الأحزاب الناشئة والصغيرة بمرشحها، بالإضافة إلى فرقعات بعض المرشحين المستقلين، في ظل إحجام الحزبين الكبيرين "الناصري والتجمع" عن ترشيح ممثلين عنهما، وحينئذ سيفوز مرشح الحزب الحاكم بكل تأكيد، ويحصل على ما بين 70و90 % في انتخابات هزيلة، لم يخسرها سوى المواطن.

مسؤولية النظام عن ضعف خيارات المعارضة

"
تعيش مصر وضعا صعبا ساهم النظام في إفراز كثير من قسماته، وذلك حين أمم الحياة السياسية لصالح حزبه، وجعل المثقفين والمسيسين يهرولون باتجاه "الحزب الوطني" من أجل حصد المكاسب والامتيازات
"
يتحمل النظام جزءاً كبيراً من ضعف وجمود الحياة السياسية في مصر بوجه عام، كما يتحمل تفريغ المعارضة من مضمونها بوجه خاص، وذلك حين أصر على احتكار الحياة السياسية لمصلحته دون أدني مشاركة حقيقية، فضلاً عن إحداثه قطيعة شبه تامة بين أحزاب المعارضة ومؤيديها على المستويات القاعدية، وذلك حين حرم الأحزاب من ممارسة نشاطها المشروع في الدعاية والإعلان عن نفسها واستخدام وسائل الإعلام وعقد المؤتمرات الجماهيرية لشرح برامجها، والحيلولة دون تنظيم التظاهرات السياسية، ومنعها من التواصل مع الجماهير بحيث تشكل رصيداً يمكن استعادته وقت الضرورة وما أحوجها له الآن.

وتعيش مصر وضعا صعبا ساهم النظام في إفراز كثير من قسماته، وذلك حين "أمم" الحياة السياسية لصالح حزبه، وجعل المثقفين والمسيسين يهرولون باتجاه "الحزب الوطني" من أجل حصد مكاسب وامتيازات يصعب على من هو خارج الحزب تحقيقها، فقد اختزلت الدولة في الحزب، وبات هذا الأخير ضمانة للترقي السياسي والمجتمعي على بقية الأحزاب.

وتعديل الدستور، رغم أهميته مقارنة بما سبق، يظل عقبة أمام مطالب الإصلاح الحقيقية والجادة، فهو من ناحية يشي بحدوث تغيير، ولكنه من جهة أخرى يقف بهذا التغيير عند حده الأدنى ويصادر أي مطالب أخرى من شأنها حلحلة المعادلة السياسية وجعلها أكثر تكافؤاً وعدالة بين أطراف اللعبة السياسية.

ولئن كان هذا التعديل قد ألقى الكرة في ملعب المعارضة فإنه احتفظ لنفسه بدور الحكم الذي يحدد في النهاية الفائز من الخاسر.
 
وخلاصة القول أن أمام المعارضة المصرية فرصة جيدة لتعويض ما فاتها، وهي بالفعل أمام مرحلة فاصلة في تاريخها النضالي، فها هو "التابو" قد انكسر ولم يبق سوى ممارسة السباق، والغلبة لمن يطول نفسه.
ــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة