مطيع الله تائب

 

- حسابات الرئيس الخاطئة

- ثورة هادئة ونتائج مذهلة

- تعقيدات وتحديات ما بعد الثورة

- تداعيات إقليمية ودولية..

 

بينما كانت" الثورة البرتقالية" تلملم أطرافها من شوارع العاصمة الأوكرانية "كييف" يوم 3/1/2005  بعد أن أوصلت زعيم المعارضة يوتشينكو إلى الرئاسة، كانت شوارع العاصمة القرغيزية "بشكيك" تشهد حركة غير معهودة بين أقطاب المعارضة المتصدعة لبلورة سياسة موحدة ضد الرئيس عسكر أكاييف في الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة.

 

يومها لم يكن يدور في خلد حكومة أكاييف ولا خلد المعارضة أن تتخذ الأحداث خطوات متسارعة خلال أقل من شهرين وتتحول إلى "ثورة بنفسجية" يوم 24/3/2005 لتجد المعارضة نفسها في القصر الرئاسي بينما كان الرئيس أكاييف يغادر البلاد متجها إلى روسيا لينجو بنفسه من غضب الجماهير التي حركتها البطالة والفقر والفساد الإداري والاستبداد السياسي في هذه الجمهورية الصغيرة بوسط آسيا.

 

حسابات الرئيس الخاطئة

"
الواقع أثبت أن حسابات أكاييف كانت خاطئة وأن التجمعات البسيطة التي حركتها قوى المعارضة على مستوى العاصمة وبعض المدن أشعلت فتيل "ثورة شعبية دراماتيكية" أذهلت جميع المراقبين بمن فيهم الحكومة والمعارضة نفسها
"
"قرغيزستان ليست أوكرانيا أو جورجيا"، هذه هي الجملة التي أكدها وزير الخارجية القرغيزي يوم 10 يناير/كانون الثاني الماضي ردا على مظاهرات نظمتها المعارضة في العاصمة بشكيك وكررها الرئيس عسكر أكاييف يوم 19 يناير الماضي حينما أكد أنه لا مكان "لثورات مخملية" في قرغيزستان واتهم المعارضة حينها بالتخطيط لثورة شعبية بمساعدة قوى خارجية.

 

غير أن الواقع أثبت أن حسابات أكاييف كانت خاطئة وأن التجمعات البسيطة التي حركتها قوى المعارضة على مستوى العاصمة وبعض المدن أشعلت فتيل "ثورة شعبية دراماتيكية" أذهلت جميع المراقبين بمن فيهم الحكومة والمعارضة نفسها.

 

لقد كان الرئيس أكاييف يعول كثيرا على عدم قدرة المعارضة علي توحيد صفوفها المشتتة، وفشلها في قيادة الجماهير، حيث يتكون قادة المعارضة من وزراء وبيروقراطيين سابقين أقصوا من مناصبهم ويفتقدون إلى ثقة شعبية تمنحهم المساحة الكافية للمناورة ضد الحكومة.


لكن الرجل الذي كان في بداية التسعينيات الأكثر ديمقراطية في آسيا الوسطى بدا أن حرصه على تجديد رئاسته لدورة رابعة ـ رغم تصريحه بعدم رغبته في ذلك ـ وضمان حصول أبنائه وأقاربه وأعوانه على مقاعد في البرلمان، وضعاه في مواجهة صريحة وواضحة مع الكثير من القيادات المحلية التي سرعان ما وجدت من يتحرك من أجلها خصوصا بين الأجيال الشابة التي أبدت نشاطا سياسيا غير مسبوق في المعترك السياسي القرغيزي مؤخرا ولا سيما في المشهد الانتخابي الأخير.

 

ومن جهة أخرى كان الرئيس أكاييف يعول كثيرا على الشمال القرغيزي الذي ينحدر منه والذي يستولي على مقاليد الحكم بشكل أساسي، في حين يشكل الجنوب مصدر قلق كبير للحكومة القرغيزية نظرا لتشابك العرقيات فيه حيث شهدت المنطقة مصادمات دامية بين الأوزبك والقرغيز في بداية التسعينيات كما أنها كانت مسرحا لعمليات المجموعات المسلحة التابعة لحركة أوزبكستان الإسلامية عامي 1999 و2000 و شهدت مصادمات دموية كذلك عام 2002 بين الشرطة وبعض المتظاهرين على خلفية تحركات سياسية.

 

ولقد دأب الرئيس أكاييف الذي حكم البلاد منذ استقلالها عن الاتحاد السوفياتي عام 1991م على توسيع صلاحياته طيلة الفترة الماضية بحجة مجابهة التحديات الأمنية التي أثارتها الأصولية الإسلامية والحرب على الإرهاب وبذلك بدأ يقترب من النموذج الاستبدادي الموجود في أوزبكستان وتركمانستان والذي بدأت ملامحه تظهر في قزاقستان كذلك.

 

كما أدى انخراط قرغيزستان في الاتفاقيات الأمنية الإقليمية إلى ترسيخ الاستبداد السياسي بطريقة غير مباشرة عبر توسيع صلاحيات الرئيس على حساب صلاحيات البرلمان والحد من الحريات السياسية في ضوء الأخطار التي أحدقت بالمنطقة بعد أحداث عامي 99 و2000 واتساع نشاط الجماعات الأصولية مثل حزب التحرير في جنوب البلاد وتحول قرغيزستان إلى قاعدة تحرك أميركية للحرب على ما يسمي بالإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

 

وبجانب الاحتقان السياسي المتزايد في البلد شكل الفساد الإداري والبطالة أسبابا كافية لتحرك قطاعات صامتة من الشعب تأييدا لشعارات أحزاب المعارضة التي يصل عددها إلى 15 حزبا وتجمعا وتضم تيارات قومية وليبرالية ويسارية.

 

ثورة هادئة ونتائج مذهلة

"
التدخل الحكومي السافر في نتائج الانتخابات لصالح الرئيس أكاييف خلق الظروف المناسبة للتحرك الشعبي الذي كان الأول في آسيا الوسطى والثالث على مستوى دول الاتحاد السوفياتي السابق "بعد جورجيا وأوكرانيا"
"
بدأت إرهاصات الثورة القرغيزية مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في 27 فبراير/شباط الماضي في مقاطعة يونج بولاية أسيك كول شرق البلاد، وجاءت ردا على قرار لمنع مرشح للمعارضة من خوض الانتخابات، وانتقلت المظاهرات إلى مدن الجنوب مثل باتكن وجلال آباد وأوش، وزادت وتيرة الاعتراضات الشعبية بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية التي قوبلت برفض قوي من المعارضة وانتقادات واسعة من المراقبين الدوليين.

 

ومع عقد الجولة الثانية من الانتخابات في 13/3/2005 طفح كيل الغضب الشعبي وأصبح المتظاهرون يعتصمون أمام مبنى البلدية في مدينتي أوش وجلال آباد في الجنوب إلى أن تحولت المظاهرات والاعتصامات إلى تقدم عملي نحو المباني الحكومية، و سقطت المدن الجنوبية الكبيرة بيد المعارضة يوم 22/3/2005م دون أي مواجهة مع الحرس أو الشرطة.

 

أما المفاجأة الأصلية فكانت تنتظر في العاصمة بشكيك التي شهدت مظاهرات محدودة لم تضم غير مئات الأشخاص صباح يوم 24/3/2005 ولكنها سرعان ما تحولت إلى مظاهرة ضخمة تضم أكثر من 10 آلاف شخص حاصروا القصر الرئاسي في لحظات وكسروا الحواجز وتخطوا صفوف الشرطة بعد مصادمات ومناوشات استمرت قرابة ساعتين من الزمان.

 

وبينما كان العالم يشهد بشيء من الذهول ما يجري في العاصمة القرغيزية، كانت الأسئلة تطرح نفسها حول حقيقة ما يجري، إذ كيف لحكومة تملك كل هذه الإمكانيات لتزوير الانتخابات وصلاحيات واسعة لدى الرئيس أن تبدو ضعيفة لهذا الحد؟ ولماذا لم يتدخل الجيش وقوى الأمن في وقف تقدم المتظاهرين؟

 

لقد صرح قادة المعارضة بوضوح بأن الاستيلاء على القصر الرئاسي لم يكن من ضمن خطتهم أبدا، وهذا في حد ذاته يبرز عفوية هذه المظاهرات ويظهر هشاشة النظام من طرف آخر.

 

ويبدو أن الرئيس القرغيزي من خلال نقاشاته مع وفد منظمة الأمن والتعاون الأوروبي اقتنع بعدم استخدام القوة ضد المتظاهرين وبالتالي آثر الفرار خوفا من حدوث أي نوع من الأعمال الانتقامية ضده.

 

ومهما كانت حسابات الحكومة والمعارضة والمراقبين فإن الانتخابات القرغيزية والأجواء المصاحبة لها والتدخل الحكومي السافر في نتائجها لصالح الرئيس أكاييف وأعوانه خلقت الظروف المناسبة للتحرك الشعبي الذي كان الأول في آسيا الوسطى والثالث على مستوى دول الاتحاد السوفياتي السابق "بعد جورجيا وأوكرانيا".

 

ويبدو أنه في كل مرة يتم فيها توجيه الضربة القاضية إلى القريبين من سياسات روسيا، يتم توجيه أصابع الاتهام من قبل البعض نحو القوى الغربية والأميركية التي تدعي نشر الديمقراطية في هذه المنطقة الإستراتيجية من العالم.

 

تعقيدات وتحديات ما بعد الثورة

"
مع أن المعارضة تبدو وقد نجحت في أول اختباراتها عبر وقف عمليات النهب وإعادة الأمن والاستقرار وكذلك تجاوز الأزمة الدستورية والسياسية، فإن الطريق لإعادة الاستقرار الكامل ما زال طويلا
"
الثورة القرغيزية التي انطلقت دون تخطيط كبير ودون شعارات واضحة ودون تركيز إعلامي عالمي، انتهت بشكل مفاجئ تاركة البلد أمام مجموعة تعقيدات دستورية وتحديات سياسية يحتاج حلها لكثير من الحنكة والتعاون بين القوى المعارضة والمجتمع الدولي الذي بدأ يتخوف من نشوب خلاف داخلي بين الجنوب والشمال وإمكانية استغلال المجموعات الأصولية المسلحة للانفلات الأمني وخلخلة الأوضاع في المنطقة.

 

ولا يستبعد المراقبون تضخيم بعض هذه المخاوف من قبل أطراف إقليمية أو دولية لحساب مصالحها الأمنية والسياسية وممارسة وصاية ونفوذ في المنطقة، لكن الواقع يؤكد وجود بعض هذه المخاوف بشكل حقيقي.

 

ويشكل الصراع الخفي بين الشمال والجنوب داخل تشكيلة المعارضة أهم المخاوف على الصعيد الداخلي والذي بدأت تظهر علاماته من الآن بين فليكس كولوف الذي يمثل الشمال وباكييف الذي يمثل الجنوب وتم إعلانه رئيسا مؤقتا ورئيسا للحكومة المؤقتة كذلك.

 

كولوف الذي كان نائبا للرئيس أكاييف حكم عليه بالسجن سبع سنوات في قضايا فساد في حين ترى المعارضة أن محاكمته كانت محاكمة سياسية، وقد أطلق المتظاهرون سراحه بعد أن حاصروا السجن إثر الاستيلاء على القصر الرئاسي، ليتم تعيينه مسؤولا عن الأمن في التشكيلة الجديدة بعد سقوط نظام أكاييف.

 

وفي الطرف الآخر يمثل كرمان بك باكييف الرجل القوي في الجنوب وكان قد تبوأ رئاسة الوزارء بين 2000م و2002 و هو رجل اقتصادي مشهور غير أنه أجبر على الاستقالة على خلفية التظاهرات الدموية في جنوب البلاد عام 2002م.

 

ويتوقع الكثير من المراقبين أن يرشح الرجلان نفسيهما للانتخابات الرئاسية القادمة، وقد شهدت مواقفهما اختلافا واضحا بالنسبة لبعض الترتيبات الأخيرة لاحتواء الأزمة السياسية بعد سقوط الحكومة.

 

فقد انتقد كولوف منح باكييف رئاسة الجمهورية والوزراء المؤقتة في نفس الوقت، واعتبر الأمر مغايرا للدستور، كما اعتبر أن أكاييف لا يزال رئيسا للدولة وأن عليه أن يأتي إلى العاصمة ويتنازل عن الرئاسة أمام جلسة البرلمان.

 

وفي اعتقاد كولوف أن البرلمان الجديد شرعي رغم كل أما أثير حول نزاهة انتخاب أعضائه، ورغم أنه كان السبب المباشرة للمظاهرات والأحداث التي أعقبها.

 

في حين يرى باكييف أن أعضاء البرلمان الجدد ليسوا شرعيين و ليس في إمكانهم أن يعقدوا جلساتهم، ويعتقد أنه على البرلمان المنتهي دورته أن يستمر في العمل لحين الانتخابات الجديدة وهو ما قررته المحكمة الدستورية كذلك.

 

ومع عقد صفقة سياسية بين الطرفين في 28/3/2005م تجاوزت الحكومة المؤقتة الجديدة أزمتها السياسية والدستورية حيث توقف البرلمان القديم بمجلسيه عن العمل على أن يبدأ البرلمان الجديد المشكل من مجلس واحد يضم 75 عضوا أعماله بعد الموافقة على زعيم المعارضة كورمانبيك باكييف رئيسا مؤقتا للوزراء وللدولة في نفس الوقت.

 

ومع أن المعارضة تبدو وقد نجحت في أول اختباراتها عبر وقف عمليات النهب وإعادة الأمن والاستقرار وكذلك تجاوز الأزمة الدستورية والسياسية، فإن الطريق لإعادة الاستقرار الكامل ما زال طويلا في ضوء ضبابية مصير الرئيس المخلوع ومدى مشروعية الاستيلاء على الحكم من قبل المعارضة والخلافات الموجودة بين قادة المعارضة الذين ينحدر معظمهم من الحرس القديم.

 

تداعيات إقليمية ودولية

"
الموقف الروسي الرسمي الذي اتسم بالغضب على مجرى الأمور بدأ يتجه نحو الواقعية منعا لمزيد من الخسارة على المائدة القرغيزية التي تعتبرها روسيا من أهم مناطق نفوذها في صراعها على آسيا الوسطى
"
لقد أرسلت الثورة الشعبية القرغيزية رسائل مختلفة للقوى الإقليمية والدولية النشطة في المنطقة أهمها تلك التي تلقتها عواصم دول آسيا الوسطى التي تعاني من استبداد سياسي بنسب متفاوتة تشكل أوزبكستان و تركمانستان أسوأ الحالات فيها.

 

ففي أوزبكستان التي يحكمها الرئيس إسلام كريموف بالقبضة الحديدية منذ استقلالها عن الاتحاد السوفياتي عام 1991م من المتوقع أن تزداد الترتيبات الأمنية وتتشدد الضغوط على أي تحركات في المجتمع المدني من شأنه تشجيع الناس على الخروج والتظاهر.

 

وفي وقت تعتبر القوى المعارضة في تلك الدول أن الحدث القرغيزي نصر لها في مواجهة الطغيان السياسي، فقد تشهد العواصم الإقليمية في آسيا الوسطى تحركات مشابهة لمنع تكرار مثل تلك الثورة.   

 

ومن غير المتوقع أن تشهد هذه الدول خصوصا أوزبكستان وتركمانستان أي تحرك جاد باتجاه الإصلاحات السياسية أو الاقتصادية والاجتماعية، غير أن الأمر وارد في الحالة القزاقية والطاجيكية حيث تنعم القوى المعارضة بمساحة بسيطة من الحريات.

 

ولعل من أهم الأبعاد الإقليمية والدولية لهذه الثورة بروز الحضور الأوروبي في هذه الدولة الصغيرة بوسط آسيا والتي تعتبر عضوا في منظمة الأمن والتعاون الإقليمي حيث انتقدت المنظمة نتائج الانتخابات أولا كما أنها قدمت المساعدات القانونية في حل الأزمة بعد سقوط حكومة الرئيس أكاييف، كما أن رئيس المنظمة يان كوبيس سافر إلى بشكيك للإشراف على الأمور بنفسه.

 

والحضور الأوروبي في حل القضايا السياسية في آسيا الوسطى رسالة واضحة لطبيعة الدور المستقبلي الذي تلعبه أوروبا في هذه المنطقة الإستراتيجية من العالم سياسيا واقتصاديا وأمنيا.

 

أما الموقف الروسي الرسمي الذي اتسم بالغضب على مجرى الأمور فقد بدأ يتجه نحو الواقعية منعا لمزيد من الخسارة على المائدة القرغيزية التي تعتبرها روسيا من أهم مناطق نفوذها في صراعها على آسيا الوسطى، حيث تتمتع بقاعدة عسكرية كبيرة هناك بجانب وجود أكثر من مليون روسي يعيشون كمواطنين قرغيزيين ويشكلون العمق الإستراتيجي الروسي في المنطقة.

 

ومن المتوقع أن تحافظ موسكو على علاقتها مع الحكومة الجديدة وتتجنب أي تصعيد من طرفها خوفا من ترك المجال لقوى دولية أخرى خصوصا الولايات المتحدة التي تملك قاعدة عسكرية في قرغيزستان وأي تصعيد في المنطقة قد يعطيها الفرصة للتمتع بمزيد من النفوذ تحت ستار حل الأزمة الداخلية هناك.

 

الصين التي لا تخفي ادعاءاتها لبعض الأراضي القرغيزية التزمت الصمت والترقب وأغلقت حدودها مع قزغيزستان مثل بقية جيرانها، غير أن قلقا كبيرا يدور في أوساط حكام بكين حول وجود ديمقراطية حقيقة في حدودهم مما قد يسبب دعم الحركات التحررية الأيغورية في إقليم تركستان الشرقية "سينكيانج" المجاور لقرغيزستان.

 

وبينما تترقب الكثير من الدول تسلسل الأحداث في هذه الجمهورية الصغيرة بوسط آسيا تعيد قوى سياسية كثيرة حساباتها في ضوء نتائج الثورات الثلاث في دول الاتحاد السوفياتي السابق خلال الـ14 شهرا الأخيرة، وتتساءل على من يقع الدور بعد قرغيزستان؟

ــــــــــــــــــ

كاتب أفغاني

المصدر : الجزيرة