أحمد الريسوني

 

- كل شيء بقدر الله

- القدر كله رحمة وحكمة

- نموذج قوم لوط

- حركة الشذوذ العالمية

- تسونامي عقاب أم لا؟

- المصائب بين ذكي وغبي

- نعم للتفسيرات المادية، ولكن

 

على إثر الزلزال والطوفان اللذين أصابا عددا من سواحل جنوب شرق آسيا اختلفت التفسيرات، وثار جدل حول  أسباب هذه الكارثة الكبرى ودلالاتها، حيث ذهب الكثيرون إلى ربط ما وقع في هذه السواحل بالذات، مع ما اشتهر عن هذه المناطق من ممارسات علنية وعمومية لعدد من أنماط الفاحشة والشذوذ والمخدرات واستغلال الأطفال وتجارة النساء، فاعتبروا ما حدث بمثابة عقاب وتحذير من كل تلك المنكرات.

 

ويصر آخرون على أن الأمر مجرد تفاعلات ميكانيكية طبيعية لا علاقة لها بالغيب، ولا علاقة لها بما يجري على وجه الأرض، فهي في أحسن الحالات نوع من غضب الطبيعة، وليست من غضب الله.

 

وفي ظل هذا النقاش تأتي هذه التوضيحات المبدئية في الموضوع في إطار المبادئ العقدية الإسلامية.

 

"
ما ينسب إلى القدر ويجري فيه من خير وشر لا يكون دائما في مجمله ومقصوده وعاقبة أمره وبالنسبة لعموم الناس وعموم الكائنات إلا خيرا ورحمة
"

كل شيء بقدر الله

من المبادئ الأولية والبدهية في الإسلام، الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن كل شيء يقع في هذا الكون يقع بقدره وبإذنه سبحانه، وأن لا شيء يقع خارج قدر الله وإرادته، وأن ما يقدره الله فيه دائما حكمة ورحمة وعبرة.

 

قال تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون) آخر سورة يس.

 

وقد بين هذا المعنى العلامة ابن القيم رحمه الله في قوله "وكون الرب سبحانه حيا فاعلا مختارا مريدا، مما اتفقت عليه الرسل والكتب، ودل عليه العقل والفطرة، وشهدت به الموجودات ناطقها وصامتها، جمادها وحيوانها، علويها وسفليها، فمن أنكر فعل الرب الواقع بمشيئته واختياره، فقد جحد ربه وفاطره، وأنكر أن يكون للعالم رب".

 

القدر كله رحمة وحكمة

ومن بدهيات العقيدة الإسلامية كذلك، أن الله تعالى يبتلي عباده بما شاء مما تقتضيه إرادته وحكمته، من شتى صنوف الابتلاءات، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وأنه بصفة خاصة قد يبتليهم بالمصائب والمحن، إما ليطهرهم وإما ليرفع درجتهم، وإما ليقبضهم إليه غير مفتونين، وإما ليوقف بغيهم وفسادهم، وإما لينبههم ويحذرهم ويصلح حالهم، وإما ليعاقبهم ويجعلهم عبرة لغيرهم..

 

ومعنى هذا أن المصائب قد تصيب الصالح والطالح والمحسن والمسيء، وقد تختص بأحد الصنفين، حسب كل حالة وحكمة الله فيها. وكثير من النقم تحمل في طياتها نعما، (وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) سورة النساء 19.

 

ومن هنا، فإن ما ينسب إلى القدر ويجري فيه من خير وشر وحلو ومر، إنما شره ومره، بالنسبة إلى لحظته وحالته وظاهره، وبالنسبة لمن يتأذى به أو يتألم منه في حينه، ولكنه دائما، وفي مجمله ومقصوده وعاقبة أمره، وبالنسبة إلى عموم الناس وعموم الكائنات وعموم الحالات والمآلات، لا يكون إلا خيرا ورحمة.

 

نموذج قوم لوط

نصوص القرآن والسنة غنية بمختلف الحالات والأمثلة على ذلك كله، ولعل أقرب مثال إلى المناسبة التي نحن فيها، هو مثال قوم لوط، الذين تمادوا وأسرفوا في انحرافهم وشذوذهم على نحو غير مسبوق في التاريخ.

 

وقد تطرق القرآن الكريم إلى حالتهم في مواضع عديدة من سوره، منها قوله جل وعلا على لسان نبيه لوط عليه السلام (أتأتون الذكران من العالمين، وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم، بل أنتم قوم عادون. قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين. قال إني لعملكم من القالين. رب نجني وأهلي مما يعملون. فنجيناه وأهله أجمعين. إلا عجوزا في الغابرين. ثم دمرنا الآخرين. وأمطرنا عليهم مطرا، فساء مطر المنذرين. إن في ذلك لآية، وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم) سورة الشعراء.

 

وفي سورة أخرى نقرأ (ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين. أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر...) سورة العنكبوت.

 

وواضح أن ممارسة المنكرات والفواحش هنا لم تعد عملا فرديا منعزلا متخفيا في الأماكن الخاصة، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية تتحدى كل القيم والأعراف والأذواق، وأصبحت تقطع الطريق على الناس وتمارس في ممراتهم وملتقياتهم ونواديهم العامة، وهذا بالذات هو ما استوجب الردع والعقاب.

 

يقول ابن القيم "عقوبات الذنوب نوعان شرعية وقدرية، فإذا أقيمت الشرعية رفعت القدرية أو خففتها .. وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية .. ولكنها تعم والشرعية تخص .. فإن المعصية إذا خفيت لا تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت ضرت الخاصة والعامة، وإذا رأى الناس المنكر فاشتركوا في ترك إنكاره أوشك أن يعمهم الله بعقابه".

 

"
ممارسة المنكرات والفواحش لم تعد عملا فرديا بل أصبحت ظاهرة اجتماعية تتحدى كل القيم والأعراف وتقطع الطريق على الناس وتمارس في ممراتهم وملتقياتهم ونواديهم العامة، وهذا هو ما استوجب الردع والعقاب
"

حركة الشذوذ العالمية

إن النشاطات القذرة التي اشتهرت بها المناطق التي ضربها الطوفان البحري (تسونامي) تشبه إلى حد كبير- بل تتجاوز بكثير- ما ذكره القرآن الكريم عن قوم لوط. وهي النشاطات التي تسمى بعد التهذيب والتلطيف باسم "السياحة الجنسية".

 

وكانت هذه المناطق- قبل الطوفان- تمثل قبلة للمستثمرين والمستهلكين من جميع أنحاء العالم، وتمثل عندهم "مناطق محررة " أو"مناطق متحررة " لممارسة الرذائل الأكثر خسة وقذارة، مما لا يسمح به حتى في أكثر الدول الغربية إباحية.

 

وإذا كان القرآن الكريم قد وصف قوم لوط وفعالهم بقوله (ما سبقكم بها من أحد من العالمين)، فإن هذا الوصف ينطبق تماما على عدد من المناطق والمدن التي أغرقها الطوفان، مع تفوق كمي وكيفي لفائدة حركة الشذوذ العالمية الجديدة.

 

إن أبشع ما يجري في هذه الحركة الجديدة، هو الاستغلال المفرط للأطفال, استغلال جهلهم وفقرهم وانعدام حصانتهم، وقد بلغ الأمر بتجار الشذوذ الجنسي حد التعمية والتمويه على أنشطتهم بإنشاء مؤسسات وإقامات، على أساس أنها مخصصة لرعاية الأيتام، وما هي إلا مستودعات للمتاجرة بهم وتهييء أماكن لتدريبهم وعرضهم على شواذ العالم.

 

وقد نقل الأستاذ حسن السرات في جريدة التجديد المغربية شهادة حية أدلت بها رون أوغريدي - صاحبة كتاب "الأطفال في العالم" والمناضلة ضد استغلال الأطفال - من عين المكان سجلتها في كتابها، وقالت فيها "في شاطئ جميل شمال بانكوك، جلس مجموعة من الأوروبيين على الأرائك يشربون الجعة (البيرة)، وبين الفينة والأخرى، يغادرون الظل الظليل للغطس في المياه الدافئة لخليج سيام. ولاحظنا ونحن نتجول على طول الشاطئ، أن اللغات المستعملة هنا متنوعة، فالمجموعة الأهم هنا هي الألمانية، ولكن توجد مجموعات تتحدث لغات أخرى مثل الفرنسية والسويدية والهولندية والإنجليزية والإيطالية والإسبانية. والمثير أن السياح من الجنس المؤنث لم يكن موجودات، وتساءلنا عن سبب ذلك، وعندما جلسنا، اكتشفنا لماذا يسيطر الذكور على الشاطئ، فبسرعة جاءنا أطفال وجلسوا على الرمال بجانبنا، وتحدثوا معنا لغتنا بسهولة، وفاتحونا حول رغبتهم في إقامة علاقات جنسية معنا.

 

إنه الشاطئ الذي يقصده البيدوفيليون (المائلون لإقامة علاقات جنسية مع القاصرين) وكل باحث عن الجنس، لأننا رأينا أطفالا بأعداد كبيرة وعلى استعداد دائم".

 

"
إيماننا بقدر الله وإرادته لا ينفي إيماننا بالتفسيرات المادية للأحداث والكوارث الطبيعية لأنها إذا كانت علمية قطعية فهي صحيحة بدون شك
"

تسونامي عقاب أم لا؟

رغم هذا كله فإن  إيماننا بالله وبمشيئته وحكمته لا يسمح لنا كذلك أن نجزم أن كل ما يقع من مصائب، ومنها كارثة تسونامي على وجه التحديد، هي بالضرورة عقاب من الله، لأن الأعلم بذلك على الحقيقة هو الله تعالى نفسه (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب).

 

لكننا نقول إن من ذهب إلى ذلك ورجحه، فقد ذهب إلى احتمال له من الكتاب والسنة والتاريخ ألف دليل، وأما من ينفي ذلك على الإطلاق فهو يقول على الله بغير علم.

 

المصائب بين ذكي وغبي

المصائب العقابية قد تنزل بقوم وبجماعة وتصيب الصالح والطالح، فتكون عقابا للطالح وثوابا للصالح (والله يعلم المفسد من المصلح) سورة البقرة 220، وقال تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)، وجاء في الحديث عن أم سلمة رضي الله عنها "فقلت يا رسول الله أما فيهم صالحون؟ قال بلى، قلت فكيف يصنع بأولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان" رواه الإمام أحمد.

 

الموت - إن جاء ضمن كارثة أو عقوبة إلهية عامة - لا يعد عقوبة ولا نقمة في حد ذاته، لأنه – من جهة - إنما هو موت في الأجل لمن انتهى عمره المقدر له، ولأننا - من جهة أخرى- لا ندري ما إن كان الموت أفضل أو الحياة، فكثير من الناس في موتهم راحة ونعمة ونجاة، في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.

 

وهذا ينطبق أول ما ينطبق على الأطفال الأبرياء الذين يصيرون بعد موتهم -يقينا- إلى رحمة الله وإلى جنته: فليس من نجا و بقي من الأطفال بأسعد حظا - بالضرورة – ممن مات. ونعم الله على عباده لا تنحصر في نعمة الحياة الدنيا وما فيها، بل نعم الله الكبرى إنما هي في الآخرة وما فيها.

 

إن العقوبات الدنيوية للطغاة والمنحرفين، لا تكون دائما جماعية وعامة، بل هي في أكثر الحالات فردية، يصرفها الله تعالى بعدله وحكمته ورحمته، بما نعلمه وبما لا نعلمه.

 

بل إن العقوبة الدنيوية فردية كانت أو جماعية قد يكون فيها لطف ونعمة على من تناله، أو على غيره ممن يعتبر بها. وهذا هو الإنذار المبكر الحقيقي، وليس هو الجهاز الذي ينبهك قبل ساعات أو أيام. فما من أحد إلا ويرسل الله إليه إنذارات مبكرة في نفسه أو من خلال غيره.

 

وما قصه علينا القرآن الكريم من هذه الحالات الضاربة في القدم، هو أول إنذار مبكر لنا، علينا أن نقرأه ونتفهم إشاراته وتنبيهاته، فالذكي من اعتبر واتعظ، والغبي من أنكر وجحد (إن في ذلك لآية لكل عبد منيب) سورة سبأ، وقد عقد ابن القيم فصلا قيما مطولا عن العقوبات التي تستوجبها الذنوب والمعاصي في "الداء والدواء".

 

"
التفسيرات الطبيعية القائمة على السنن والتفاعلات الميكانيكية ما علمنا منها وما لم نعلم هي جزء من قدر الله وإرادته لكنها لا توقف قدر الله ولا تحتم عليه شيئا إلا بإرادة منه
"

نعم للتفسيرات المادية و لكن

إن إيماننا بقدر الله وإرادته لا ينفي إيماننا بالتفسيرات المادية للأحداث والكوارث الطبيعية، لأنها إذا كانت علمية قطعية، فهي صحيحة ومقبولة بدون شك. مع أن ما يعرف منها إنما هو نزر يسير بالنسبة لما لا يعرف.

 

فهذه التفسيرات الطبيعية القائمة على السنن والتفاعلات الميكانيكية ما علمنا منها وما لم نعلم هي جزء من قدر الله وإرادته، لكنها لا توقف قدر الله ولا تحتم عليه شيئا إلا بإرادة الله، بل هي أداة من أدوات القدر ووسيلة من وسائله.

 

فالمؤمن يؤمن تمام الإيمان بالسنن والقوانين الطبيعية، ولا يجحدها ولا ينكرها، بل يتعامل معها ويأخذها بالحسبان ويخضع لها ويحترمها، ولكنه يجعلها ضمن إرادة الله وتقديره.

 

أما غيره فيثبت هذه القوانين، ولكنه يقف عندها و ينفي غيرها مما لا دليل له على نفيه وإبطاله، إلا أن هؤلاء النافين لإرادة الله وقدره لا يترددون في الحديث عن قوانين الطبيعة، وعن غضب الطبيعة، ولله في خلقه شؤون!

_______________

كاتب مغربي

المصدر : الجزيرة