عادل لطيفي

- معوقات فهم الإسلام في فرنسا
- إشكالية فهم المسلمين للعلمانية
- العلمانية فرصة للمسلمين

تعود فكرة هذا المقال إلى ما قرأته ضمن خبر مقتضب في إحدى الصحف الباريسية حول وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. فقد ذكر صاحب المقال كيف طالب الطبيب الخاص لعرفات بتقرير التشريح الطبي لرفع اللبس عن وفاته، وعقب على ذلك بقوله إن هذا التشريح لم يتم لأنه مخالف لتعاليم الإسلام.

لست أدري من أين استقى الصحفي هذا الموقف الشرعي، فقد فاته أن التشريح الطبي معمول به في أغلب البلدان الإسلامية. هذه عينة مما نجده في بعض الصحف التي تعكس فكرة متداولة يشوبها خلط كبير بين الإسلام كثقافة والإسلام كدين والمسلمين كفاعلين اجتماعيين.

بهذا الشكل احتل الإسلام مكانة بارزة في الفضاء الإعلامي لهذا البلد، وذلك بعد تعدد الأحداث المؤشرة على نوع من العلاقة الإشكالية بين هذا الدين بمختلف أبعاده، ومؤسسات وقوانين وثقافة هذا المجتمع المضيف.

فمن إشكالية الحجاب في المدارس إلى الشكوك التي تحوم حول المساجد بعد توسع فضاء نشاط الحركات الإسلامية في أوروبا وصولا إلى تشكيل مجلس تمثيلي للمسلمين في فرنسا، كلها أحداث مؤشرة على علاقة غير عادية بين الطرفين.

غير أن السجال حول قضية الإسلام في فرنسا يتجاوز الجوانب القانونية والإجرائية المرتبطة بالهجرة ليطرح مسألة أشمل تدور حول قدرة الإسلام على التعايش مع المؤسسات والقوانين في البلدان العلمانية.

هنا حصل الخلط من جانب وسائل الإعلام الفرنسية وكذلك من جانب الإسلاميين في فرنسا، ففي كلتا الحالتين كان الإسلام مركز التساؤل الأول باعتباره عقبة أمام المسلمين بالنسبة للإعلام وضحية للسياسة الفرنسية العدوانية بالنسبة للإسلاميين. إنها نظرة مقزمة في الحقيقة للأبعاد الحقيقية لهذا الإشكال.

معوقات فهم الإسلام في فرنسا

"
الخلط وسوء فهم الإسلام بالنسبة للجانب الفرنسي يعود إلى بعض من الرواسب التاريخية التي طبعت علاقة الإسلام بأوروبا منذ العصور الوسطى، والتي لا تزال حاضرة
"
أقر هنا بوجود مشكل ما في فهم الإسلام بفرنسا، لكن السؤال يظل قائما، فعن أي إسلام نتحدث؟ هل نتحدث عن الإسلام الدين، أم عن الإسلام الثقافة والتاريخ، أم عن الإسلام كسياق اجتماعي ما؟ هنا مكمن الخلط سواء بالنسبة للمسلمين في فرنسا أو للمهتمين بالإسلام فيها، أي الإدارة والصحفيين والكتاب.

وعلى أساس هذا الخلط شهدت الساحة الفرنسية بالذات والأوروبية بدرجة أقل تضخما في الكتابات حول الإسلام، ورغم جدية العديد من الدراسات فإن الطابع الاستهلاكي لأغلب القراء جعلهم يتوجهون إلى الكتب السريعة المطالعة وغير المتعبة، أي تلك التي لا تترك أثرا فاعلا على عقليتهم.

لكن لا بد من التأكيد هنا على أن معوقات فهم الإسلام لا تتعلق بالطرف الفرنسي فقط، بل أعتقد أن الإسلام غير مفهوم حتى بالنسبة للمسلمين أنفسهم. 

يعود هذا الخلط وسوء الفهم بالنسبة للجانب الفرنسي إلى بعض من الرواسب التاريخية التي طبعت علاقة الإسلام بأوروبا منذ العصور الوسطى، والتي لا تزال حاضرة من خلال ما يكتب وما يقال حول الإسلام.

يلاحظ المتتبع وجود نوع من الارتياب في الإسلام، وحتى وجود نوع من التخوف، فهناك حيطة ما نلاحظها حتى على صعيد الحياة اليومية والعلاقة بين الأفراد أو حتى على صعيد أشمل.

فقد وفر لنا النقاش حول موقع الدين في الدستور الأوروبي مؤشرات مهمة على مثل هذه النظرة الحذرة نحو الإسلام. وقد بدا أن المقصود ليس التأكيد على المحتوى المسيحي لأوروبا بقدر ما كان وضع حدود أمام الآخر، أي الإسلام الذي تجسده الرغبة التركية في الالتحاق بالبناء الأوروبي الموحد.

هذا هو المقصود في حقيقة الأمر من تصريحات فاليري جسكار دستان، المشرف على كتابة الدستور الأوروبي، عندما قال يجب أن تبقى أوروبا ناديا مسيحيا.

هذا الإسلام الآخر والخارج وغير المعروف وغير المفهوم يمكننا أن نلحظه من خلال وسائل الإعلام. فالإسلام يجسد عادة من خلال رموزه المرئية، مثل الحجاب واللحى أو صفوف المصلين المتجهين نحو وجهة غير معلومة (القبلة).

أي أنه يشار إليه أكثر مما يتعامل معه، كما أنه يبقى ذلك المعطى الصامت غير الناطق وغير المعبر، أي الذي لا يمكن التخاطب أو التواصل معه.

وراء هذه النظرة توجد رواسب تاريخية تعود إلى الفترة التي بدأت تتشكل فيها صورة الإسلام لدى عامة الشعب في أوروبا، وبالتحديد في أوروبا الجنوبية منذ القرن الثاني عشر للميلاد.

ما يلاحظ هنا هو أن هذه الصورة تشكلت أكثر على خلفية الصراع بين أوروبا المسيحية وبلاد الإسلام والذي انتقل من القسطنطينية إلى الحروب الصليبية إلى إعادة إسبانيا إلى الحظيرة البابوية ليتواصل مع الدولة العثمانية حول السيطرة على بلاد البلقان وعلى حوض البحر المتوسط وينتهي بالاستعمار وما ترتب عنه في التاريخ المعاصر.

في خضم هذا التاريخ المشحون بالصراع وبنفي الآخر تشكلت تلك الصورة الحذرة عن الإسلام، وذلك الوعي به كآخر أزلي. في هذا السياق يمكننا أن نفهم توجه الغرب لفهم كل ما يتعلق بالمسلمين من خلال الإسلام، في حين لا يعدو الإسلام أن يكون سوى مدخل من ضمن مداخل أخرى لفهم المسلمين.

هنا يلتقي بعض من الغرب مع الإسلاميين والتقليديين من خلال تركيزهم على الصبغة الإطلاقية والشمولية للإسلام.

لكن الحديث عن سوء فهم الإسلام لا يجب حصره في الجانب الفرنسي، فمعوقات فهمه تنطبق على المسلمين في فرنسا أنفسهم. فالإسلام في هذه الحالة كذلك غير مأخوذ لذاته بل لما يوفره من إمكانيات الدفاع عن الذات أمام الآخر، أي أمام الطرف الفرنسي والغربي عموما.

أي ذلك الإسلام المكون على خلفية العاطفة والوجدان أكثر من كونه نتاجا لنظرة عقلانية أو براغماتية اجتماعية. فالإشكالية الأساسية لا تدور حول الإسلام بل حول كيفية الوعي بالآخر سواء بالنسبة لهذا الطرف أو لذاك وكذلك حول كيفية الوعي بالذات في سياق علاقتها بالآخر.

إشكالية فهم المسلمين للعلمانية 

"
لا أعتقد أن المشكل في علاقة أوروبا بالإسلام وكذلك في علاقة الإسلام بالغرب هو مجرد مشكل سوء تفاهم ولبس يمكن رفعه عبر الحوار، وإنما هو خيارات إستراتيجية في سياق الصراع أو التواصل
"
مثلما تحدثنا عن معوقات فهم الإسلام في السياق الفرنسي يمكننا كذلك الحديث عن معوقات فهم العلمانية في سياق الإسلام بفرنسا. لكن ذلك لا يجب أن يبرر مقولة سوء الفهم التي تقف وراء علاقة الطرفين.

إذ لا أعتقد أن المشكل في علاقة أوروبا بالإسلام وكذلك في علاقة الإسلام بالغرب، وبالتالي بالعلمانية، هو مجرد مشكل سوء تفاهم ولبس ما يمكن رفعه من خلال الحوار.

بل أرى على النقيض من ذلك أن المشكل مرتبط بخيارات واعية على ضوء ما توفره الأحداث والمصالح. إنها خيارات إستراتيجية في سياق الصراع أو التواصل، تحدد ضمنها الظروف الموضوعية لبلورة صورة الآخر. هذا ما يبرز من خلال فهم المسلمين في فرنسا للعلمانية وطريقة تصورهم لها.

أنطلق هنا من نماذج من الأحداث التي عايشتها مع وعيي بالخصوصية الذاتية لهذه التجارب، أي أنها لا تمكننا من بناء رؤية معرفية كما تقتضيه صرامة هذا المفهوم.

لكنها في الوقت نفسه تؤشر إلى وجود مشكل ما، طالما أن المواقف التي عايشتها لا تبدو لي معزولة، ولن أسهب كذلك في تحليل الأمثلة التي أذكرها، بل سأترك للقارئ تخيل امتدادات ما عايشته.

خلال انعقاد المنتدى الاجتماعي الأوروبي سنة 2004 الذي توافق تاريخه مع شهر رمضان الماضي, وعند مغادرتي إحدى القاعات التي احتضنت بعض الأنشطة في حي من ضواحي باريس يسكنه العديد من المهاجرين المغاربة، سألني أحد الشباب بلهجة عربية مغاربية عن سبب كل هذه الحركة في الحي، فأجبته بأنه لقاء أوروبي.

ثم فاجأني بسؤاله "ألا يستحي أبناء عيسى وهم يأكلون ويشربون علنا في حين أن المسلمين في حالة صوم"؟ لم أتمكن من الرد على سؤاله الإنكاري هذا، فقد ولد لدي العديد من التساؤلات، لعل أولها يتعلق بشرعية السؤال نفسه، فأنا لم أفهم من أي منطلق كان يتحدث هذا الشاب.

أما السؤال الثاني فيتعلق بالحجم الحقيقي لخطر سؤاله، فكم من شخص مثله يشترك معه في هذا التصور؟ أعتقد أن الحالة ليست معزولة، وحتى وإن كانت كذلك فلها من الخطورة ما يغني عن أي انتشار.

وفي مناسبة أخرى كنت مع مجموعة من الأصدقاء نحتسي الشاي الأخضر استحضارا منا لأجواء التواصل المغاربية، وكان من بين من معنا كهل على أبواب الشيخوخة، واحد من ذلك الجيل الذي افتتح مواسم "الهجرة نحو الشمال".

لم يكن للمواضيع التي طفنا حولها أي علاقة بالهجرة أو بالإسلام، فتحدث هذا الكهل ساردا تجربته مع أحد المستشفيات الفرنسية حيث تطلبت حالته إجراء عملية جراحية. وقد ذكر من بين ما سرد أن الطبيب الجراح الذي قام بالعملية هو طبيب مغربي وقال بنبرة تنم عن فخر إنه لم يلمس جسمه أي طبيب كافر.

فوجئت في هذه الحالة كذلك من تلك الإضافة المأساوية لقصته لأنني رأيت أن قصده الأساسي لم يكن استعراض حدث طبي بقدر ما كان الإشارة إلى نوع من النجاح الإسلامي في أسلمة الطب الفرنسي.

إنه نموذج مصغر يلخص جوانب مهمة تعوق المسلم عن فهم الآخر وعلمانيته، ولعل أبرزها ذلك الخلط الكبير بين معطيات الإيمان الديني، أي ذاتية الأنا، وبين عقلانية التسيير المؤسساتي والمجتمعي. هذه نماذج لبعض من المواقف التي تغذي الخطابات المعادية للإسلام في سياق الهجرة.

العلمانية فرصة للمسلمين 

"
الإشكال الحقيقي في فهم المسلمين للعلمانية بفرنسا يكمن في تفسيرها تفسيرا دينيا يظل مهما كان ذكاؤه غير قادر على استيعاب أبعادها العقلانية والإجرائية
"
على الرغم من خصوصية الأمثلة التي أوردتها -لأنها لا تعكس تنوع الحضور الإسلامي في فرنسا- فإنها تعد مؤشرا على وجود عقلية معينة تجمع حولها فئة لا يقاس تأثيرها بالعدد بل بفاعليتها.

ويلاحظ أن هذه الأفكار توجد أكثر في أوساط المهاجرين الذين قدموا من بلدانهم في حين لا نجد لها وجودا لافتا لدى أبنائهم الذين ولدوا وعاشوا على التراب الفرنسي.

هذا ما نلمسه في قضية ارتداء الحجاب في المدارس الحكومية الفرنسية، فالعديد من الفتيات دفعهن أولياؤهن أو محيطهن العائلي المسؤول، أي من عاشوا على ضفتي المتوسط. 

هذه نقطة مهمة لأنها تؤشر إلى بعد مركزي في قضية علاقة المسلم بالمؤسسات والأنظمة العلمانية، ألا وهو البعد الثقافي.

لقد نشأت هذه الفئة في ظل ثقافتها الأصلية وهي اليوم تعايش ثقافة أخرى لا يمكن الوقوف أمام تأثيرها. ولمواجهة هذا التأثير تحاول بعض الفئات من مسلمي فرنسا إثبات وجودها من خلال خلق جغرافيا مسلمة، أي خلق فضاء يبني وجوده على أساس التميز الإسلامي.

وبطبيعة الحال فإن من بين المهام الرئيسية لهذا الفضاء التصدي لتأثير الثقافة العقلانية، سواء الصادرة عن النظام العلماني أو عن المثقفين المهاجرين أنفسهم.

لهذا أقول إن الإشكال الحقيقي في فهم المسلمين للعلمانية بفرنسا يكمن في تفسيرها تفسيرا دينيا يظل مهما كان ذكاؤه غير قادر على استيعاب أبعادها العقلانية والإجرائية.

لقد درج الإعلام العربي على ربط العلمانية في فرنسا بالنظام السياسي، أي اعتبارها خيارا سياسيا هدفه ضرب الإسلام، وتم اختزال القانون حول العلمانية بمنع ارتداء الحجاب، في حين أن القانون يمنع ارتداء الرموز الدينية أيا كانت في المدارس الحكومية.

كما يتناسى هذا الإعلام وكذلك بعض الإسلاميين في فرنسا أن تبنّي العلمانية سنة 1905 كان نتيجة صراع ضار بين مكونات وتوجهات عدة في المجتمع الفرنسي ومن أبرزها المثقفون ورجال التعليم، أي الطبقة الوسطى عموما.

أي أن هذا المجتمع دفع ثمنا لتبني مثل هذا الخيار وعلي مسلمي فرنسا احترام مثل هذا الخيار. نضيف إلى ذلك أن العلمانية عموما ليست شكلا من أشكال محاربة الأديان بل إنها تبحث عن السبل المثلى لضمان التسيير العقلاني لحياة المجتمع، وذلك من خلال ضبط هوية محايدة للإنسان تضمن بدورها سهولة انخراطه في الحياة العامة، إنها هوية المواطن.

إن العلمانية في عمقها تأكيد للمواطنة أي تحديد موقع للإنسان من خلال ضوابط القانون المتعالي على الفوارق الدينية. ولهذا السبب يمكننا القول إن العلمانية تعد فرصة للأديان بما فيها الإسلام، لأنها تضمن استقلالية الدين عن هيمنة السياسة.
ـــــــــــــــ
كاتب تونسي

المصدر : غير معروف