توجان فيصل

بعد قيام أميركا بتحريك أكبر ترساناتها العسكرية لاحتلال العراق, عمدت إلى طريقة جديدة في إدارة مصالحها في المنطقة تتزامن مع الفترة الثانية لحكم بوش, أفضل تسمية نجدها لها هي "الريموت كنترول". فتسيير مصالحها يتم الآن عبر من تسميهم "حلفاءها" دون وجود ندية بالحد الأدنى الذي يبرر وصفهم بالحلفاء, ولكن لمجرد أنهم معروفون, مرورا "بعملائها" المعروفين كونها أتت بهم هي لمواقعهم أو أتوا بها لأوطانهم, وصولا "لعملائها" غير المعلنين.. وما بين هؤلاء تجري تهدئة الأجواء في بقعة أو الإلهاء والمماطلة في ثانية والتثوير في ثالثة.

ففي العراق تم تمرير انتخابات مفبركة إلى حد بعيد وبمعطيات وإجراءات تدفع من يحترمون أنفسهم دفعا للمقاطعة, إضافة إلى دفع أميركا وعملائها الذين صادف أن غالبيتهم من الشيعة والأكراد الجماهير السنية دفعا لمقاطعة مضمونة, باستعداء وإذلال وصل حد الإبادة والاعتقالات الجماعية والتعذيب المبرمج.

ثم غابت الأرقام الفعلية وكل وسائل ضبطها, ليتم في النهاية إعلان نسب تصويت ونتائج مريحة لمجموعة الحكم التي أتوا بها للعراق, ومناسبة لتسويقها على العالم باعتبارها نسبا مقبولة دوليا، ولكن مع إبقاء الرقم حيث يمكن إعادة قراءته أو تفسيره أو حتى التخلص من النتائج التي بنيت عليه.

"
غابت الأرقام الفعلية وكل وسائل ضبطها في الانتخابات العراقية ليتم في النهاية إعلان نسب تصويت ونتائج مريحة لمجموعة الحكم التي أتوا بها للعراق لتسويقها على العالم باعتبارها نسبا مقبولة دوليا 
"
وبعد هذا أخذ الساسة والجنرالات الأميركان استراحة وجلسوا يراقبون رجالهم الذين قيل إنهم منتخبون الآن, عن مسافة لحين, من واشنطن ومن داخل الخط الأخضر, وبعضهم في" قصور صدام" التي لم تعد دونما صدفة تشكل أخبار الصفحات الأولى بعد أن تغير قاطنوها، ومن وراء الجدران المكيفة والسيارات المحصنة ضد الرصاص يرقبون نتيجة الجرعة الأولى من الخلطة التجريبية التي جرعت للشعب العراقي قسرا أو باستقطاب داخلي يحمل الكثير من الاستغفال.

ولا يهم عدد ضحايا المقاومة العراقية أو العنف العشوائي المصاحب لغياب الأمن والدولة الحقة, فغالبية الضحايا هم من طوابير العاطلين الجياع الذين اضطروا للانخراط فيما سمي "بالحرس الوطني", ومن الجنود وصغار الضباط الأميركان والمدنيين العراقيين.

وفي فلسطين تمت تصفية عرفات وفبركة انتخابات مشابهة لصالح مرشح شبه أوحد, وتوظيف استقطابات داخلية بذات القدر من الاستغفال للأسف, وأنتجت "رئاسة سلطة" قال عنها بيريز إنها "أفضل شيء كنا نتمناه"، وهو الوصف نفسه الذي كرره أحد كبار الضباط في هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي في لقاء مع الإذاعة الإسرائيلية حين قال "أبو مازن يمثل بالضبط ما كنا نأمله منه، لهذا علينا أن نكون سخيين معه وأن نسير حسب وتيرته".

و"السخاء" اليهودي يشرحه القيادي العسكري في أنه كان يجب الاستجابة لطلب أبو مازن الشخصي إطلاق سراح ثلاثة "إرهابيين" تم اعتقالهم قبل أوسلو، ويقول "فلو أننا أعطيناه 300 أسير فقط بدلا من 900 أسير, من بينهم هؤلاء الثلاثة فسيصفقون لنا، في حين أن من بين الأسرى الـ900 ناشطون صغار من حماس من المتوقع أن يعودوا لممارسة الإرهاب".  

هكذا إذن ضمنت إسرائيل الهدنة, وقد تضمن التصفيق أيضا وأمام شارون كل الوقت الذي يريده لإتمام بناء الجدار (علينا أن نصفق لتحويل مساره في مناطق بعينها منقاة كما الأسرى في اقتراح الضابط الإسرائيلي), ومصادرة أراض جديدة, وتثبيت وتسمين مستوطنات الضفة، باختصار لرسم خريطة إسرائيل على الأرض وليس لترسيم حدود مع الدولة الفلسطينية الموعودة.

هذا إن جاز تعبير "الموعودة", فشارون لم يعد بشيء سوى المماطلة إلى ما لا نهاية في مفاوضات تشتري الوقت لصالح إتمام مشروعه. الذين وعدوا هم الأميركان, وهؤلاء دونما صدفة قرروا البقاء بعيدين, بعد أن اكتشفوا الآن, حسب ما نقلته صحيفة كريستيان وورلد مونيتور عن محللين سياسيين أميركان, أن النزاع في فلسطين "لم ينضج للحل".

"
شارون لم يعد بشيء سوى المماطلة إلى ما لا نهاية في مفاوضات تشتري الوقت لصالح إتمام مشروعه, فالذين وعدوا هم الأميركان, وهؤلاء دونما صدفة قرروا البقاء بعيدين بعد أن اكتشفوا الآن أن النزاع في فلسطين لم ينضج للحل
"
وحسب باتريك كلوسون, نائب مدير معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط, فإن إدارة بوش "غدت ثابتة القناعة بأنه يستحيل تمرير أي اتفاق على الشعبين ما لم تبرم الحكومتان اتفاقيات فيما بينهما".. وهكذا ترك الأمر بين الذئب والحمل, لحين "إنضاج" الحمل بترو وعلى نار هادئة قدر الإمكان.

ويتابع كولسون بأن الاتفاق المقدم عام 2003 (خريطة الطريق) وصف على نحو مختلف لكلا الطرفين, ولكن بيان هذه الأمور "يمكن القيام به عن طريق منسق أمني", وهو ما أسموه بالفعل مؤخرا وقد يكون وصل للأراضي المحتلة.

ومع أن المحللين الأميركان يعترفون بضرورة المشاركة الأميركية "على مستوى أعلى إذا أريد إحراز تقدم حقيقي، لكنه قبل أن يحدث هذا من المرجح أن يبرز للعيان جانب آخر من الإستراتيجية الأميركية، وهو مشاركة أكبر للبلدان المجاورة", وتورد الصحيفة قمة شرم الشيخ مثالا، تلك القمة التي استبقت وقد تكون أجهضت نتائج المشاورات الفلسطينية الداخلية, (فالأولى أن تتفق فصائل الشعب الفلسطيني الواحد قبل أن تتفق حكومته مع الحكومة الإسرائيلية) لفرض هدنة "إنضاج" ربما لأكثر من حالة إقليمية، ولكن حتما تنبه الكريستيان مونيتور إلى هذه النقلة في طريقة تعامل الإدارة الأميركية مع القضية الفلسطينية بالذات, التي يعزو فيها أحد خبراء شؤون الشرق الأوسط (يان لوسيك من جامعة بنسلفينيا) الفضل لشارون الذي، حسب لوسيك, "بالأعمال التي قام بها مؤخرا فتح للإدارة الأميركية متنفسا يمكن رؤيتها من خلاله وكأنها زادت من مشاركتها في النزاع دون أن تدفع أي ثمن سياسي".  

هذا التنبه يؤكد ما ذهبنا إليه من أن أميركا تدير جميع قضايا الشرق الوسط بالريموت كنترول وليس القضية الفلسطينية فقط, وبالترقب والإنضاج الذي يريده وييسره شارون، وصولا إلى إدارة الورقة اللبنانية. والأخيرة, حسب اعتقادنا هي الهدف من هذه التهدئة، وإن كانت هي أيضا تدار بالرموت كنترول, فإن ثبوت الحاجة والإمكانية (فالأخيرة غير مضمونة بسبب مواقف وحسابات خاصة لفرنسا) للتدخل الأميركي المباشر و"على مستوى أعلى", هي ما تتفرغ له أميركا.

ففي النهاية, ما يتمخض عن لعب الورقة اللبنانية هو ما سيحسم نوع الحل الذي ستفرضه أميركا بالنسبة للقضية الفلسطينية بالذات, وبدرجة أقل, في العراق.

فوضع أميركا في العراق ليس السبب في الضغط على سوريا, لأن مسألة المتسللين أو من تأويهم سوريا مجرد ذريعة ثبت زيفها, سواء لأغراض ادعاء عدم وجود مقاومة عراقية في الداخل أو لأغراض التحرش بسوريا.

و"قانون محاسبة سوريا" السابق على احتلال العراق والمتعلق بالذات بدور سوريا في دعم وصمود الجبهة اللبنانية وصولا إلى تحرير الجنوب اللبناني, ورفض تسويات سورية- لبنانية مذلة مع إسرائيل, يبين ما في نفس أميركا تجاه سوريا. وبقاء حزب الله بالذات في ذات القوة لا يمكن أن يتحقق إن عادت فرصة الاجتياح الإسرائيلي لتعلق على رقبة لبنان, في غياب الجيش السوري, والأهم, في غياب التنسيق السوري- اللبناني.

ولا يخفى على أحد أي رديف نفسي, ولوجستي إن لزم, يمثله حزب الله بالنسبة للشعب الفلسطيني ودوام انتفاضته, فتجربة حزب الله مثال حي قائم على إمكانية دحر جيوش الأحتلال بالمقاومة الشعبية.

كل هذا هو ما تتفرغ له أميركا الآن, بعد ترتيبات مرحلية في العراق, وانسحاب تكتيكي مزدوج المفعول, لصالحها ولصالح إسرائيل في فلسطين.

وزيارة بوش لأوروبا, ولفرنسا بالذات, من أهم أسبابها معرفة المدى الذي ستذهب إليه فرنسا في فرض تطبيق القرار 1559. وإلى ذلك الحين, وبغض النظر عما ستسمح أو لا تسمح به فرنسا, فإن خلق وإدارة أزمة في لبنان بالريموت كنترول هو أمر منطقي في سياق فهم وتحليل مجمل السياسات الأميركية- الإسرائيلية في المنطقة, وفهم تغير وسائل إدارة أميركا لهذه السياسات, حسب اعتراف المحللين الأميركان, لحين "نضوج الحالة" أو الرغبة في "إحراز تقدم حقيقي".  

"
لا يخفى على أحد أي رديف نفسي -ولوجستي إن لزم- يمثله حزب الله بالنسبة للشعب الفلسطيني ودوام انتفاضته, فتجربة حزب الله مثال حي قائم على إمكانية دحر جيوش الاحتلال بالمقاومة الشعبية
"
نربأ بأي من الأطراف اللبنانية الممثلة لما سمي بالمعارضة الآن أن تكون عن وعي منها جهاز ريموت كنترول في يد أميركا وإسرائيل, ما لم يثبت العكس, لا سمح الله، فنحن لا نتهم أي طرف عربي بعكس ما فعلته المعارضة نفسها إلا بالبينة.

ولكننا ننبه إلى ما يمكن أن ينجر إليه أي طرف بدافع مشروع أو غير مشروع. والدافع المشروع هو رغبة اللبنانيين في عتق السياسة اللبنانية من قبضة المؤسسة الأمنية الاستخباراتية أيا كان مصدرها، فأكثر ما نشكو منه كشعوب عربية هو هذه القبضة التي ما إن تحكم حتى تنسى السبب الذي بدأت به, وتصبح السلطة المطلقة هي غايتها الأولى.

ولكن لهذا الوضع في لبنان تاريخا وإرثا عمره 14 عاما, ويتجاوز الرئيسين بشار الأسد وإميل لحود, وربما كامل الحكومة الحالية. ونستذكر كيف تجاوزت سلطة المخابرات الأميركية عددا من كبار رؤساء أميركا نفسها.

ولعل مواجهة دور الأجهزة الأمنية مصدر السخط المشروع بجهود سورية لبنانية مشتركة هو الأجدى الآن وعلى المدى البعيد.. وهو حتما أفضل من استبدال قبضة استخباراتية عربية, ثبت على الأقل أنها ليست عميلة لإسرائيل وأميركا, بأخرى إسرائيلية- أميركية سبق أن دفع اللبنانيون دماء أبنائهم في دحرها من لبنان, وسجلت نصرا مؤزرا لهذا البلد الصغير الزاخر بالإنجازات الكبيرة والمفاجآت السارة..

هذا عن الدافع المشروع, أما الدافع غير المشروع فهو السلطة والكراسي. فالسلطة مفسدة، ثم إن هنالك الكثير من الكراسي في لبنان وبما يكفي الجميع.

والتداول السلمي لها وعليها, الذي يتيحه استتباب الأمن في لبنان, ولو بخسارة مقعد هنا أو هناك, خير من القفز إليها على أشلاء ودماء أحباء لا يعوض فقدهم مركزا أو نفوذا أو مالا مهما كبر وكثر.

وفي نفوس أقطاب المعارضة جراح لفقد أب أو أخ أو ابن أو أم أو أعزاء آخرين, بحيث لم ينج أي منهم من هذه المأساة.. ولهذا يجب أن يعمل الجميع على ألا تتكرر بذات التدخل الخارجي الذي طالما كتبت عنه جريدة النهار في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية، ونذكر السيد جبران تويني بها, ونأمل أن يذكر بها رفاقه, ويستكمل بذلك الدور التاريخي لهذه الصحيفة الوطنية والعربية الرائدة.
ــــــــــــــ
كاتبة أردنية

المصدر : غير معروف