رغم النواقص الكثيرة التي طبعت الانتخابات العراقية الأخيرة سواء في ما تعلق بمناخ الإعداد لها أو بظروف إجرائها السياسية والأمنية أو بعمليات المراقبة والإشراف الدولية المحدودة أو بغياب المرشحين أنفسهم عن حلبة النقاش الوطني وتغييبهم، من الصعب على أي محلل سياسي مع ذلك أن ينكر الأهمية أو المدلولات السياسية والرمزية التي تنطوي عليها مشاركة نسبة كبيرة من الناخبين قد تتجاوز 60% في أول انتخابات تشريعية عراقية منذ نصف قرن.
 
فلا شك في أن هذه المشاركة الواسعة قد عبرت عن رغبة عميقة عند غالبية العراقيين في الخروج من نفق الحرب والفوضى والعودة إلى الحالة الطبيعية، أي إلى حالة السلم الأهلي والعمل السياسي والصراع بوسائل سلمية إن لم نقل ديمقراطية تتيح لجميع الأفراد المشاركة في تقرير مصير بلادهم.
 
وحصول ذلك في ظروف الاحتلال لا يقلل من شرعية هذا التطلع العراقي نحو العودة إلى الوضع الطبيعي ولكنه يعكس عمقه وسعة انتشاره معا.
 
وبالمثل، لا يمس إجراء الانتخابات تحت ضغط القنابل البشرية المتفجرة وانعدام الأمن صدقية نتائجها بقدر ما يعبر عن إصرار الناخبين على المشاركة فيها. إن مشاركة قسم كبير من الناخبين وقبولهم المغامرة بأرواحهم في سبيل الإدلاء بأصواتهم من جهة وامتناع قسم آخر مهم منهم عن المشاركة وتحملهم نتائج الوقوف ضدها يعطي العملية قدرا كبيرا من الدلالات السياسية.
 
"
من الواضح أن الذي يمزق العراق اليوم في مرحلة ما بعد صدام وإعادة بناء العراق الجديد هو وجود جدولي أعمال لتحقيق البرنامج الوطني لا يختلفان ربما في الجوهر ولكنهما يتباينان في تحديد الأولويات
"
من هذه الدلالات المهمة أن الرأي العام العراقي منقسم بالفعل حول الإستراتيجية التي ينبغي اتباعها في تحقيق الأجندة الوطنية العراقية للحقبة الراهنة أي الجواب عن المسألتين الرئيسيتين اللتين يواجههما العراق اليوم: إعادة إعمار البلاد وإخراج القوات المحتلة منه.
 
ومن هذه الدلالات المهمة أيضا أن القسم الأكبر من الرأي العام العراقي يميل إلى أو يأخذ بأطروحة القوى التي دفعت إليها وساهمت في تنظيمها والتخطيط لها، أعني الأطروحة التي تعطي الأولوية في الأجندة الوطنية العراقية لمسألة البناء الداخلي، وفي مقدمه البناء السياسي، والتي تعتقد انطلاقا من ذلك أن من غير الممكن ولا المفيد للعراق رفع شعار إخراج قوات الاحتلال قبل تحقيق هذا البناء.
 
بل أكثر من ذلك، إن السعي لإخراج القوات الأميركية من العراق قبل استكمال بناء مؤسساته السياسية لا بد أن يقود إلى الفوضى والاقتتال الأهلي، كما صرح بذلك رئيس الدولة ورئيس الوزراء العراقيين معا. لكن هذا الاعتقاد نفسه هو الذي يفسر أيضا رفض القيادات الدينية الشيعية دعم العمليات القتالية وتحبيذها خيار المفاوضات وأساليب الضغط السياسية لتحقيق هدف الاستقلال.
 
فمن الواضح أن الذي يمزق العراق اليوم في مرحلة ما بعد صدام حسين وإعادة بناء العراق الجديد هو وجود جدولي أعمال لتحقيق البرنامج الوطني لا يختلفان ربما في الجوهر، ولكنهما يتباينان في تحديد الأولويات.
 
جدول الأعمال الذي تتمسك به قوى قومية وإسلامية بعضها كان على علاقة قوية بالنظام السابق وبعضها الآخر كان يشكل جزءا منه وبعضها كان يقف ضده تماما، وهو الجدول الذي  يجعل من إخراج الاحتلال بالقوة المسلحة المدخل إلى أي تفكير في إعادة بناء العراق السياسي والاقتصادي والثقافي.
 
وهو يستند إلى فكرة أساسية هي أهمية انتزاع السيادة الوطنية وحتمية الانطلاق منها لإضفاء الشرعية على أي مشروع إعادة بناء داخلي وطني.
 
وجدول الأعمال الثاني الذي تبنته قوى عديدة محسوبة على الجماعات الشيعية والكردية وممثلة لهما ويقوم على الاعتقاد بأن إعادة بناء العراق السياسي ينبغي أن تبدأ منذ الآن، وهي بالتالي سابقة على طرد الاحتلال، وربما كانت مقدمة له، وبالتالي فإن تعديل الموازنة السياسية عن طريق إجراء انتخابات ديمقراطية تمثيلية هو سابق على انتزاع الاستقلال وشرط له.
 
ويعبر جدول الأعمال هذا في الواقع بشكل واضح عن مصالح تلك الطوائف والجماعات التي تعتقد أن انقلاب الموازين الراهنة على ضوء الاحتلال الأميركي يفتح فرصا أفضل لإعادة التوازنات الوطنية العراقية الداخلية بشكل يضمن لها موقعا ودورا كانت تفتقر إليهما في تاريخ العراق الحديث، منذ نشوئه على أرضية التفاهم بين زعماء العشائر والاحتلال البريطاني.
 
ولا تريد هذه الجماعات أن تضحي بهذه الفرصة لصالح إستراتيجية مقاومة ليس هناك أي ضمانة كي لا تفضي إلى تكريس المعادلة التاريخية التقليدية، أو في أحسن الأحوال إلى النزاع الدائم.
 
ومن هنا يبدو وكأن هناك انفصالا بين أجندة وطنية وأجندة ديمقراطية، تركز الأولى على طرد الاحتلال قبل أي نقاش آخر وتركز الثانية على تعديل الموازنة السياسية قبل أي حديث عن الاستقلال.
 
"
كما أن أحدا لا يستطيع أن ينكر حق المجتمع السني في الدفاع ضد مخاطر التهميش, لا أحد يستطيع أن ينكر أيضا حق الشيعة والأكراد في تعديل صيغة دستور الحكم في العراق القادم حتى تعبر بشكل أفضل عن وزنهم وخصوصيتهم الدينية والثقافية
"
هذه حقائق السياسة العراقية اليوم. فالمقاومة المسلحة التي يراهن عليها عموما أغلب الساسة المنحدرين من المجموعة السنية والانخراط في عملية البناء السياسي الذي يراهن عليه عموما أغلب الساسة الشيعة والأكراد اليوم في العراق، هما إستراتيجيتان اجتماعيتان تخفيان الصراع بين مكونات العراق السكانية على بناء صيغة أو معادلة وطنية جديدة بما تعنيه من توزيع للسلطة وتقاسم للثروة المادية والمعنوية.
 
وكما أن أحدا لا يستطيع أن ينكر حق المجتمع السني في الدفاع ضد مخاطر التهميش السياسي والاجتماعي الذي يهدده، فلا أحد يستطيع أن ينكر أيضا حق مجتمع شيعة العراق وأكراده في تعديل صيغة دستور الحكم في العراق القادم حتى تعبر بشكل أفضل عن وزنهم وخصوصيتهم الدينية والثقافية.
 
وهذا هو في نظري التحدي الرئيسي الذي يواجهه مشروع إعادة بناء الوطنية والوطن العراقيين أيضا. أعني القدرة على التوفيق بين مطالب السنة في تجنب التهميش المقبل الواضح، ومطالب الشيعة والأكراد في تجاوز الإجحاف التاريخي ورفض الاعتراف بالوزن والخصوصية أيضا.
 
ومن هذا المنظور لا يبدو أن الانتخابات التي جرت في العراق يوم 30 يناير/ كانون الثاني 2005 سوف تساهم أو يمكن أن تساهم في فتح آفاق أفضل لحل هذا النزاع الحقيقي الذي يمزق الشعب العراقي بالفعل ويغذي التنافس بين السنة والشيعة على تكريس معادلة قوة جديدة على طريق بناء العراق القادم، ومن وراء ذلك على طريق إرساء قواعد بناء عقد وطني عراقي جديد يعترف فيه كل طرف للطرف الآخر بحقوقه.
 
فمن جهة أولى كرس إجراء الانتخابات في ظروف الانقسام التي ذكرت -وما سينجم عنها من تكوين برلمان تمثيلي يحظى بحد كبير من الشرعية عند قسم واسع من الشعب العراقي- فوز أولوية إعادة البناء وما يعنيه من إعطاء دفعة أكبر للأولويات الشيعية والكردية.
 
وقد عكس هذا الفوز من دون شك الوزن المتزايد للشيعة والأكراد في السياسة العراقية لحقبة ما بعد صدام، كما عبر عن تقاطع المصالح بين برنامج هؤلاء من أجل تعديل الصيغة السياسية الداخلية ورغبة قوات التحالف في التغطية على أزمة الاحتلال.
 
لكن من جهة ثانية وضعت الانتخابات التي جرت من دون موافقة المجتمع السني وضد رأي ممثليه سنة العراق أكثر من أي فترة سابقة أمام خيارين لا ثالث لهما: الالتحاق بعملية البناء السياسي التي يقودها التآلف العراقي الشيعي الكردي الحاكم والقبول بموقع الأقلية أو الاستمرار بل والتوسع في استخدام العنف ضد الحكومة العراقية القادمة وقوات التحالف في سبيل تعطيل عملية إعادة البناء بأكملها.
 
وفي الحالتين تهدد الانتخابات الجديدة بدفع العراق نحو تفاقم الشرخ بين مكوناته الشيعية والسنية، وبموازاة ذلك نحو احتمال تكوين دولة منفصلة ومستقلة في الشمال الكردي.
 
وهكذا بدل أن تفتح الانتخابات آفاقا جديدة لحل مشاكل العراق يمكن أن تزيد في تعقيد الوضع واحتمالات انفجاره. وفي هذه الحالة سيكون المستفيد الأكبر منها إدارة الرئيس جورج بوش اليمينية وليس الطوائف الشيعية أو السنية أو الكردية.
 
الخطأ الرئيسي الذي قاد الحكومة العراقية المؤقتة وسلطات الاحتلال إلى هذا المأزق هو رفضهما مواجهة المشكلة الحقيقية، أي واقع الانقسام داخل الرأي العام حول الوضع العراقي بعد الاحتلال وتوفير وسائل العمل السياسي الضرورية والملائمة لتجاوزه كمقدمة لإجراء انتخابات تمثيلية بالفعل وشرط لها.
 
فبدل أن تجعلا من الانتخابات وسيلة لتكريس التفاهم بين العراقيين حولتاها إلى أداة للهرب من المشكلة وتحميل القطاعات السنية من الرأي العام ثمن هذا الانقسام ومسؤولية استمراره.
 
باختصار ومنذ اللحظة التي رفضت فيها التفاوض والتفاهم مع الأطراف السنية، جعلت الحكومة المؤقتة من الانتخابات مناسبة لإجبار طرف من الأطراف على الإذعان والالتحاق. وهكذا عوضا عن أن تأتي الانتخابات لتعبر فعلا عن جميع السكان وتكرس تفاهمهم وتبني وحدة إرادتهم، استخدمت بالعكس من ذلك في سبيل نزع الشرعية عن قضية أحد الأطراف الرئيسية فيهم.
 
"
إذا لم يسع ممثلو الرأي العام العراقي إلى تحقيق تفاهم يعيد تأسيس عقد الوطنية فلن يكون من الممكن تحقيق أي من أهداف الوطنية العراقية، لا في ما يتعلق بإقامة حياة ديمقراطية ولا في تحرير البلاد من السيطرة الأجنبية
"
وما لم تدرك الحكومة القادمة وسلطات الاحتلال معا ضرورة معالجة أسباب الأزمة الفعلية ودفع العراقيين إلى الحوار في ما بينهم في سبيل مناقشة عقد جديد يعيد بناء الوطنية العراقية على أسس قوية متوازنة -ولا يمكن أن تكون متوازنة إلا إذا قامت على مبادئ إنسانية عمومية غير طائفية وغير عرقية، أي على أساس المواطنية الواحدة، مع الاعتراف بالخصوصيات المذهبية والإتنية- فلن يخرج من انتخابات يناير إلا أوضاع أكثر مأساوية من الأوضاع التي سبقتها.
 
لكن مسؤولية الحكومة العراقية المؤقتة وقوات الاحتلال لا ينبغي أن تخفي أيضا مسؤولية النخب العراقية السياسية والثقافية والدينية.
 
فبسبب تجاهل الحقائق السياسية الخاصة بالجماعات المنافسة وانكفاء كل جماعة على منطق الربح المباشر واقتناص فرصة انهيار الدولة العراقية لتحقيق أقصى المكاسب الخاصة بكل جماعة، لم تكف الوطنية العراقية عن التفكك ولم تقف العلاقات بين الجماعات الدينية والأقوامية في مواكبتها عن التدهور أيضا ومعها تفاقم الشرخ داخل الجماعة الوطنية.
 
وكما أصبح استهداف مواقع شيعية جزءا من حرب المواجهة للاحتلال عند بعض الفرق المتطرفة الدينية أصبح قبول تهميش المجتمع السني أو استسهال استبعاده، انطلاقا من تصور خاطئ عن حجم تأييده للعهد السابق من عملية إعادة بناء الوطنية العراقية، أمرا مقبولا عند قطاعات واسعة من الرأي العام العراقي.
 
وإذا لم يضع ممثلو الرأي العام العراقي على مختلف مذاهبهم وشيعهم الدينية والثقافية حدا لهذا التدهور وما لم يسعوا بأسرع وقت لتجاوز الانقسام والتوصل إلى تفاهم يعيد تأسيس عقد الوطنية الذي يجمع بينهم ويوحد إرادتهم، فلن يكون من الممكن تحقيق أي من أهداف الوطنية العراقية، لا في ما يتعلق بإقامة حياة ديمقراطية فعلية ولا في تحرير البلاد من السيطرة الأجنبية ولا في إطلاق عملية إعمار وتنمية جدية تضع العراق على سكة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية والعلمية التي ينتظرها الشعب العراقي الذي حرم من مستقبله لعقود طويلة.
ـــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : غير معروف