صالح محمد النعامي

 

- الخطر الإيراني كما تراه إسرائيل
- محاذير إسرائيلية من استخدام القوة ضد إيران

- ضغوط سياسية واقتصادية

- جهود استخبارية
- محور أمني إقليمي لمواجهة المخاطر النووية

- خلاصة

 

منذ عقد من الزمان ينشغل المستوى السياسي الحاكم والنخب العسكرية فضلا عن المؤسسات البحثية ووسائل الإعلام الإسرائيلية بالبحث فيما يسمونه مخاطر البرنامج النووي الإيراني على الدولة العبرية. وتحرص مراكز صنع القرار السياسي والعسكري في إسرائيل على إبراز قلقها الشديد من البرنامج الإيراني.

 

ويتبارى الساسة وجنرالات الجيش وقادة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في التركيز على ما يعتبرونه مكامن الخطر في هذا البرنامج. وكثيرا ما يلوح قادة الدولة العبرية بالخيارات العسكرية العملية التي من الممكن أن يلجؤوا من أجل منع إيران من تطوير برنامجها النووي إلى حد يمكنها من صناعة قنابل ورؤوس نووية.

 

رئيس جهاز الموساد مائير دغان وصف التهديد الإيراني بأنه الخطر "الأكبر على دولة إسرائيل منذ نشوئها"، ووزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز كان الأكثر صراحة من بين زملائه في عرضه للخيارات المتاحة أمام الدولة العبرية من أجل منع إيران من إنتاج الأسلحة النووية، عندما قال "إذا كانت هناك حاجة لتدمير القدرة النووية الإيرانية فإن إسرائيل لن تتردد في ذلك، وهي ستحرص على عدم المس بالمدنيين الإيرانيين".

 

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل يعتقد الإسرائيليون حقا في قرارة أنفسهم أنهم أكثر المتضررين من تطور البرنامج النووي لدرجة تدفعهم للمبادرة بالعمل العسكري ضد هذا البرنامج؟، وحتى لو كان الرد على هذا السؤال إيجابيا هل يرى الإسرائيليون أنه من الحكمة العمل بشكل عسكري ضد البرنامج النووي الإيراني، وما البدائل غير العسكرية التي تراها إسرائيل متاحة أمامها.

 

"
إيران لا ترى في إسرائيل العدو الأول لها ولا حتى أبرز أعدائها.. لذلك لا ترى الدولة العبرية في البرنامج النووي الإيراني خطرا يقينيا آنيا
"
الخطر الإيراني كما تراه إسرائيل
لدى الدوائر البحثية الهامة التي تعمل لصالح وزارة الدفاع الإسرائيلية بشكل خاص لا يوجد هناك شك في أن إيران –وبخلاف الانطباع السائد – لا ترى في إسرائيل العدو الأول لها، ولا حتى أبرز أعدائها.

 

فقد أصدرت وزارة الدفاع الإسرائيلية مؤخرا دراسة لتحليل الدوافع الكامنة خلف الإستراتيجية الإيرانية في المنطقة، جاء فيها "أن الاعتبارات التي تحكم الإستراتيجية الإيرانية ترتبط بمصالحها ووضعها في الخليج العربي، أولا وقبل كل شيء".

 

ويضيف معد الدراسة البرفيسور أفرايم كام خبير الاستخبارات والباحث الإستراتيجي البارز أن إيران تبدي حساسية كبيرة إزاء ما يحدث في دول الجوار، أكثر من أهتمامها بما يجري بين إسرائيل والفلسطينيين على الرغم من الخطاب السياسي الإيراني المناكف لإسرائيل إعلاميا.

 

ويضيف كام الذي تحظى أبحاثه حول إيران باهتمام خاص لدى دوائر صنع القرار في إسرائيل أن طبيعة الإستراتيجية الإيرانية "دفاعية فقط"، معتمدا في وصوله إلى استنتاجه هذا على آلاف الوثائق السرية التي وفرتها له وزارة الدفاع الإسرائيلية.

 

لكن على الرغم من ذلك لا يستبعد كام مستقبلا استخدام إيران أسلحتها التقليدية وغير التقليدية في هجوم على إسرائيل.

 

ويضيف أنه حتى لو لم تستخدم إيران قدراتها النووية في المستقبل ضد إسرائيل، فإن هذه القدرات بشكل غير مباشر ستمثل "دعما إستراتيجياً للقوى الأصولية" التي تناصب إسرائيل العداء.

 

رغم تشديد تقييمات وزارة الدفاع الإسرائيلية على الحسابات "الباردة" للقيادة الايرانية فإنها في المقابل تأخذ بعين الاعتبار تأثير أدبيات الخطاب الإيراني المعادي لإسرائيل الذي يتمثل في العداء لإسرائيل ورفض شرعية وجودها لدوافع دينية وأيديولوجية.

 

لكن كل ذلك لا يلغي حقيقة أن الدولة العبرية لا ترى في البرنامج النووي الإيراني خطرا يقينيا آنيا.

 

محاذير إسرائيلية من استخدام القوة ضد إيران
رغم تهديد موفاز باستخدام القوة العسكرية من أجل تدمير المنشآت النووية الإيرانية، فإن هناك العديد من الأسباب التي تدفع الدولة العبرية لعدم القيام بهذه الخطوة:

 

1- في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المعروفة بـ"أمان" يؤكدون أنه بعد 24 عاما على قيام إسرائيل بضرب المفاعل الذري العراقي فإن الإيرانيين تعلموا الدرس.

 

وتؤكد تقييمات "أمان" أن إيران قامت بتدشين العديد من المنشآت النووية المحصنة جدا أسفل الأرض وفي مناطق متباعدة وبشكل مضلل، ما يجعل من المستحيل على سلاح الجو الإسرائيلي ضرب جميع هذه المنشآت النووية.

 

من ناحية ثانية هناك صعوبة في حصول الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية على معلومات دقيقة حول أي من المنشآت التي يشهد فيها البرنامج النووي تطورا بشكل خاص.

 

"
رغم تهديد موفاز باستخدام القوة العسكرية من أجل تدمير المنشآت النووية الإيرانية فإن هناك العديد من الأسباب التي تدفع الدولة العبرية لعدم القيام بهذه الخطوة
"
2- رغم التوافق الكبير بين كل من إسرائيل والإدارة الأميركية حول خطورة البرنامج النووي الإيراني، تدرك تل أبيب أن الولايات المتحدة لا ترغب في إظهار إسرائيل كمن يلعب دور الشرطي في المنطقة سيما في ظل الجهود التي تبذلها واشنطن من أجل إعادة رسم المنطقة بما يخدم مصالحها، وبشكل يسمح لدول المنطقة بالتساوق مع المخطط الأميركي بأقل قدر من الحرج.

 

في الوقت نفسه تبدي إدارة بوش حساسية خاصة تجاه الاتهامات التي توجهها لها الكثير من النخب الأميركية بأن حملتها ضد إيران وسوريا تأتي فقط لخدمة المصالح الإسرائيلية.

 

إلى جانب ذلك فالأميركيون يخشون أن يؤثر أي عمل عسكري إسرائيلي ضد إيران على فرص انتقال السلطة للإصلاحيين كما ترغب واشنطن، حيث يعتقد الأميركيون أن الهجوم الإسرائيلي سيعزز من قبضة المحافظين في إيران على الحكم.

 

إلى جانب ذلك سيعزز مثل هذا الهجوم جهود إيران للمس بجهود أميركا لاستتباب الأوضاع في العراق.

 

3- لا يساور الدوائر الأمنية الإسرائيلية شك بقيام إيران والجماعات التي تدعي أنها مرتبطة بها بالرد على أي هجوم إسرائيلي على المفاعل الذري الإيراني، ويتوقعون في تل أبيب أن تتعرض المصالح الإسرائيلية واليهودية داخل الدولة العبرية وخارجها إلى موجة من العمليات التي توقع الكثير من القتلى.

 

4- يحذر الكثير من الإستراتيجيين في إسرائيل من المخاطرة بشن عمل عسكري ضد إيران بسبب برنامجها النووي، في الوقت الذي أصبح فيه الحصول على التقنية النووية أكثر سهولة.

 

ويشيرون في الدولة العبرية إلى ما تم الكشف عنه مؤخرا من قيام أبي المشروع الذري الباكستاني عبد القادر خان ببيع التقنية النووية لـ20 دولة وشركة في العالم.

 

الذين يعارضون العمل العسكري ضد إيران يتساءلون عن الطائل من هذا العمل في الوقت الذي يسود فيه خطر حصول منظمات إسلامية وفلسطينية على مثل هذه التقنية وإمكانية استخدامها ضد إسرائيل.

 

ضغوط سياسية واقتصادية
إزاء المحاذير التي تسجلها قبل شن أي عمل عسكري ضد إيران، ترى تل أبيب أن هناك إمكانية لمنع تطور البرنامج النووي الإيراني عبر ممارسة الضغوط الاقتصادية والسياسية على إيران.

 

في هذا السياق ترى إسرائيل أنه يتوجب الاعتماد على واشنطن في تجنيد الضغط اللازم على الدول التي تمد إيران بالأجهزة والمعدات اللازمة لمنشآتها النووية.

 

إلى جانب ذلك هناك توافق بين تل أبيب وواشنطن لإقناع الدول الأعضاء في لجنة الطاقة الذرية العالمية برفع ملف البرنامج النووي الإيراني لمجلس الأمن الدولي، بحيث يتم هناك فرض عقوبات صارمة على إيران من أجل التخلي عن برنامجها النووي، ولا يستبعدون الحصول على تفويض دولي بشن عمل عسكري ضد طهران.

 

"
الإدارة الأميركية تعتمد الابتزاز من أجل تجنيد الدول الأوروبية لدعم مطالبها برفع الملف النووي الإيراني لمجلس الأمن
"
الإدارة الأميركية تعتمد الابتزاز من أجل تجنيد الدول الأوروبية لدعم مطالبها برفع الملف النووي الإيراني لمجلس الأمن.

 

وقد حذر نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني بأنه إذا لم يتحرك العالم من أجل وقف البرنامج النووي الإيراني فإن إسرائيل من الممكن أن توجه ضربة لهذا البرنامج.

 

وقد أقر مئير دجان رئيس "الموساد" بأن تهديد تشيني للأوروبيين يندرج في إطار الضغوط السياسية التي تمارسها واشنطن على أوروبا من أجل الانضمام لها في الحملة ضد البرنامج الإيراني.

 

جهود استخبارية
في إسرائيل يؤكدون أنه تم الاتفاق مع إدارة بوش على ضرورة التعاون من أجل جمع أكبر قدر من المعلومات الاستخبارية التي يمكن تقديمها أثناء مداولات لجنة الطاقة الذرية للتدليل على الطابع العسكري للبرنامج النووي الإيراني.

 

ومن أجل الحصول على هذه المعلومات طالب جهاز الموساد بمضاعفة ميزانيته لمساعدته في توفير كل الإمكانيات التي تساعده على تعقب البرنامج النووي الإيراني.

 

والمطالبة بمضاعفة الميزانية جاءت من أجل السماح بتوفير قوى بشرية وتجنيد عملاء جدد للحصول على المعلومات الاستخبارية الحيوية لمتابعة النشاط داخل المنشآت النووية الإيرانية.

 

دجان وصف العام الجاري بالنسبة لجهاز الموساد بأنه "عام تعقب ورصد البرنامج النووي الإيراني".

 

وإلى جانب الجهود الاستخبارية تشن تل أبيب حملة دعائية لدحض مزاعم إيران بأن برنامجها النووي ذو طبيعة سلمية، وتدعي هذه الحملة أنه لا يوجد في الحقيقة اتجاهان نوويان لأهداف سلمية من جهة ولأهداف حربية من جهة أخرى.

 

وحسب المنطق الإسرائيلي، يمكن للدولة الموقعة على ميثاق حظر الأسلحة النووية أن تصل إلى مرحلة قريبة جدا من القدرة على إنتاج القنبلة دون إنتاجها حقا فيما هي تخصب اليورانيوم وتستكمل "الدائرة النووية" وتشطب البلوتونيوم.

 

"
طالما تواصل العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني والأمة العربية فلن يعجز الفلسطينيون والعرب عاجلا أم آجلا عن الحصول على كل ما يقنع الدولة العبرية ببؤس رهانها على خيار القوة العارية
"
محور أمني إقليمي لمواجهة المخاطر النووية
عدم اقتصار الخطر النووي على إيران ومخاوف إسرائيل من إمكانية حصول الحركات الإسلامية الجهادية وقوى المقاومة الفلسطينية على سلاح ذري دفع الحكومة الإسرائيلية للعمل على بلورة محور أمني إقليمي يكون قادرا على مواجهة هذه المخاطر.

 

تدرك الدولة العبرية أنه ليس بوسعها ووسع واشنطن وحدهما ضمان القضاء على هذه المخاطر، وأن هناك حاجة لتشكيل نظام إقليمي يضم العديد من الدول التي ترى في الأصولية الإسلامية خطرا عليها.

 

إسرائيل ترى أن على الدول المنضوية تحت هذا المحور أن تتعاون في مجال تبادل المعلومات الاستخبارية، وتتكامل بعضها مع بعض في مجال إحباط جهود الدول "الآبقة" والمنظمات الجهادية للحصول على التقنية النووية.



 

تل أبيب كانت تراهن على موسكو تحديدا في التضييق على المشروع الإيراني، على اعتبار أن الروس هم مصدر التقنية النووية بالنسبة لإيران، لكن موسكو لم تظهر حماسا في الاستجابة للمطالب الإسرائيلية.

 

خلاصة

أيا كانت الجهود التي تقوم بها تل أبيب، أو ستقوم بها من أجل منع حصول الدول العربية والقوى الإقليمية الإسلامية على السلاح النووي –وبإقرار شمعون بيريز مساعد رئيس الوزراء الإسرائيلي- فإن هذه الجهود ستبوء بالفشل الذريع.

 

من هنا كان الأجدر بقادة تل أبيب أن يدركوا أنه طالما تواصل العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني والأمة العربية فلن يعجز الفلسطينيون والعرب عاجلاُ أم آجلا عن الحصول على كل ما يقنع الدولة العبرية ببؤس رهانها على خيار القوة العارية.
_________________
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف