لا أعلم مرحلة زمنية كثر فيها الجدل واللبس حول جملة من المفاهيم المتصلة بحقلي السياسة والدين من هذه المرحلة التي نعيشها، ويكثر فيها الجدل حول مفاهيم مثل المقاومة والجهاد والإرهاب، والاستشهاد والانتحار.
 
كما لا أعلم أن مفهوم الجهاد أثار في التاريخ والفقه الإسلاميين هذه الإشكالات المثارة حاليًّا، وربما تعود التعقيدات هنا إلى هيمنة السياسة –بالمفهوم الحديث- والانقسامات بين منطق تحكمه السياسة وآخر تحكمه اعتبارات "فقهية" تنتمي لمنظومة تصورات سابقة على متغيرات النظام الدولي وموقع المسلمين منه، ونشوء الدول القومية وارتهان التصور الإسلامي للمعمورة (والذي بُني عليه الفقه الإسلامي مرجعيةُ تلك التصورات الفقهية) إلى التاريخ.
 
يضاف إلى ذلك الاختراقات التي أصابت مجتمعاتنا في ظل الانقسام بين غرب وإسلام، وانشداد كثير من نخبنا إلى الخارج الغربي بمنظومته الفكرية ومصالحه السياسية. ومن ثم وجدت مبررات الجدل والاستشكال حول مفاهيم لم تكن موضع الجدل من قبل.
 
غير أن الجديد هنا هو سريان هذا الجدل والانقسام داخل المجال الفقهي. وبالتأمل لا يمكن القول إن هذا الجدل الأخير لا علاقة له بالسياسة وضغوطها، وليس بالاعتبارات الفقهية فقط.
 
ورغم وجود العمليات الفدائية قبل 11 سبتمبر/أيلول في إيران زمن الخميني وحزب الله في جنوب لبنان وحماس والجهاد وغيرهما في فلسطين، فإن أحداث 11 سبتمبر/أيلول وعمليات القاعدة رسخت الظاهرة في مخيلة العالم، وفرضت الكثير من التساؤلات إزاءها، ومن ثم ظهرت لاحقًا الدراسات التي تتناول "العمليات الانتحارية" تحديدًا، وهي وإن ركزت في الغالب على الفلسطينيّ منها، لكنها تعرضت للقاعدة وغيرها.
 
بين الفهم والتفهم والتفسير
"
الصورة السائدة للفدائيين في الفكر الغربي عامة هي أنهم "انتحاريون معتوهون لا يبالون بالحياة"، ولم يستطع عدد من التفسيرات الغربية الخروج عن هذا الإطار بل أوغل فيها
"
هناك فصل بين الفهم والتفهم، وبالمقابل هناك علاقة وثيقة بين التفسير وبناء الموقف من القضية. ويبدو أن هذه الصلة الوثيقة كانت الدافع وراء الرفض الشديد لمحاولة تفسير دوافع الذين قاموا بعمليات 11 سبتمبر/أيلول بحجة أن هذا التفسير يعني التبرير، والإرهاب لا يمكن تبريره ولا قيمة للنظر إلى دوافع القائمين به.
 
لكن فيما يخص العمليات الفدائية بدت هناك ضرورة وخاصة بعد أحداص نيويورك وواشنطن لمحاولة "تفسير" هذه الظاهرة المعضلة بالنسبة للفكر الغربي عامة، لكنه التفسير بما هو جزء من محاربة الظاهرة وإدانتها، ولا نكاد نجد محاولات للفهم، والتي تستدعي التفهم بالنظر إلى الدوافع والغايات والمطالب التي تكمن خلف تلك العمليات.
 
محاولات التفسير المناهضة لتلك العمليات كانت دومًا تركز على الظاهرة بأبعادها النفسية أو الاجتماعية وربما أحيانًا الدينية لكن بشكل مبتسر.
 
والصورة السائدة للفدائيين في الفكر الغربي عامة هي أنهم "انتحاريون معتوهون، لا يبالون بالحياة"، ولم يستطع عدد من التفسيرات الغربية الخروج عن هذا الإطار الحاكم للصورة، بل أوغل فيها.
 
فمثلاً تقدم باربرا فيكتور خلاصة تفسيرها الاجتماعي "للانتحاريات" بعد الإغراق في تفاصيل حياتهن، بأنهن "مجموعة من المعقدات نتيجة ضغوط هائلة من المشكلات النفسية والاجتماعية المطبقة عليهن من قبل الذكور ولا يجدن وسيلة للتخلص منها سوى قتل أنفسهن"! "فعندما تفضي كل فرصة في الحياة إلى باب موصد، وعندما ينعدم الأصدقاء الذين يمكنهم توفير الدعم العاطفي، وعندما لا تتوفر إمكانية تحقيق الطموح المهني الذي يسهم في الشعور بالفخر وتحقيق الاستقلالية، وعندما لا توجد جهة داخل المجتمع تقدم يد المساعدة في التأقلم ماديًّا وعاطفيًّا مع تربية الأطفال الذين يولدون خارج رابطة الزوجية، حينها تصبح مسألة إقناع بعض من تلك النسوة الضعيفات بإنهاء حياتهن أمرًا غير مستعص على الفهم"!
 
ويقدم كل من شاؤول كمحي وصموئيل إيفن تحليلاً نفسيًّا لشخصية "الانتحاريين" متسائلَين: من هم؟ لكن رغم تأكيدهما أن هناك دوافع معينة لتنفيذ هذه العمليات منها البيئة والواقع الاجتماعي والثقافي، فإن تصنيف "الانتحاريين" الذي يخلصان إليه لا يكاد يخرج عن حدود السؤال المطروح "من هم؟" من خلال تفسير أقرب إلى الذاتية.
 
فالانتحاري إما منتقم لأقاربه، أو وطني متعصب "لأرض يعتبرها أرضه"، أو ديني متعصب "متطلع للآخرة وما ينتظره من حور عين"!
 
حدود التفسير الديني لدى المذكورين لا تكاد تتخطى التطلع إلى حياة الآخرة والتنعم بالجنة والجنس، بل يكاد النزوع نحو هدف جنسي يطغى لدى الأوساط الإعلامية الأميركية والإسرائيلية منذ عام 2001، وهو ما أكدته مثلاً شبكة سي.بي.أس من خلال تقرير لها بثته، ومجلة نيوزويك الأميركية.
 
الحياة.. مدخلا للتفسير
"
الثقافة الإسلامية لا تمجد الموت لأجل الموت، لكن الفكر الغربي عامة يمجد الحياة لأجل الحياة، ومن هنا يشكل موضوع "حقوق الإنسان" قيمة عليا في الفكر الغربي مقابل حقوق الله في الفكر الإسلامي
"
يبدو لي أن المدخل الرئيسي للتفسير والذي سيدخلنا إلى تجمع المداخل التفسيرية المطروحة وانحرافاتها، يكمن في قضية الحياة والموت نفسها، وهو مكمن استعصاء فهم هذه الظاهرة على الفكر الغربي من جهة، ومكمن إيلام تلك العمليات وتأثيرها من جهة أخرى، وهو مكمن انكشاف ضعف المجتمع الإسرائيلي -مثلاً- في مواجهة تلك العمليات من جهة ثالثة.

إن الثقافة الإسلامية بالتأكيد لا تمجد الموت لأجل الموت، لكن الفكر الغربي عامة يمجد الحياة لأجل الحياة، ومن هنا يشكل موضوع "حقوق الإنسان" الفرد قيمة عليا في الفكر الغربي، في مقابل حقوق الله التي ظل الفكر الإسلامي عامة منشغلاً بها.

والفقه الإسلامي يعرف الإنسان بأنه "مكلف"، كما أننا نفهم جيدًا التفسيرات الأميركية التي ظهرت لأحداث سبتمبر/أيلول سواء على لسان بوش وإدارته أم على لسان المثقفين الأميركيين أصحاب البيان المعروف حينها، فالحكاية برأيهم أن هؤلاء الانتحاريين "يستهدفون العالم المعاصر"، و"يحقدون على طريقتنا في الحياة"، واحتوى بيان المثقفين الأميركيين على قيمة أميركية "جميلة" –بحسب البيان- هي "أن الإنسان يجب أن يعامل كغاية لا كوسيلة" في حين أن الفلسفة التي تبعث الحياة في المتطرفين -بحسب البيان- هي "استخفافها بالحياة البشرية".

ويعترف شاؤول وصموئيل بأن "العمليات كشفت نقطة ضعف المجتمع الإسرائيلي الذي يحب الحياة والمتع" ومن هنا تأثير تلك العمليات البالغ.

في رسالته إلى ملوك فارس قال خالد بن الوليد "لآتينكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة" (مروي في سنن سعيد بن منصور، ومسند أبي يعلى)، واستدعى هذا سليمان أبو الغيث المتحدث باسم تنظيم القاعدة في إحدى رسائله قائلاً للأميركيين "هناك الآلاف من الشبان المسلمين الذين يحبون الموت كما يحب الأميركيون الحياة" (9/10/2001).

إنني أدرك جيدًا طبيعة التهوين الذي يوليه الغربيون عامة لمثل هذه القضية، وهو ما يسفر عن هامشية البعد الديني الأيدولوجي لمنفذي العمليات والذي يولّد الدافعية القصوى لديهم للقيام بالفعل، ومنتهى اليقين بصحته، والأمل بنجاحه في إيلام العدو، والوثوق من الجزاء الأخروي في الجنة عند الله.

وهذا ما يسفر عن هزال التفسيرات النفسية أو الاجتماعية لهذه الظاهرة، والتي تسعى عامدة لتغييب أو تهميش السياق الذي تتم فيه الظاهرة، وهو سياق سياسي لا يراد الاعتراف به لأن الاعتراف به يعني الخضوع له أو الاعتراف بشرعيته أو شرعية مطالبه، ومن ثم يتم "تركيب" تفسيرات هامشية كتلك التي استعرضناها لخدمة المصالح السياسية.

فنحن في حقيقة الأمر وأمام هذه الظاهرة إزاء صراع إرادات، إرادة محتل أو مهيمن مستبد يريد سلبك كامل حقوقك دون أن يكون لك حق حتى في التأوه أو الصراخ، وإرادة مقاوم يريد حقه وحريته ويضحي بنفسه في سبيل قضية يعيش لها أو وجد نفسه يحمل عبء الدفاع عنها. ومن هنا كانت وصايا الاستشهاديين ذكورًا وإناثًا تلح على النضال السياسي ومسألة الحقوق، لا على الحور التي يطمعون فيها ولا على اليأس الذي اضطرهم للانتحار!

مكمن الخطأ في التفسير الغربي
وقضية الحياة بوصفها مدخل التفسير ومدخل استعصائه معًا، تفضي إلى كشف خطأ منهجي يقع فيه الفكر الغربي في تحليل هذه الظاهرة، وهي أنه حين يحللها يفكر بعقليته هو ووفق منظومته الفكرية والتفسيرية، ويتناسى أنه يقف إزاء ظاهرة يجب تفسيرها من داخلها بتحليل عناصرها المكونة ووفق المنظومة الفكرية لمنفذيها.
 
"
مكمن الخطأ في الفكر الغربي أنه يحلل ظاهرة العمليات الفدائية بعقليته ومنظومته الفكرية, ويتناسى أنه يقف إزاء ظاهرة يجب تفسيرها من داخلها ووفق المنظومة الفكرية لمنفذيها
"
وهنا يغدو مفهومًا لماذا تلح الدراسات حول الظاهرة على بحث تفاصيل "حياة" الانتحاريين –كما يسمونهم- على اعتقاد أن التفسير كامن في "الحياة" بما هي نمط معيشي وما يعتلجه من أطوار نفسية، وكذلك نفهم ما فعلته مجلة نيوزويك الأميركية في عددها 16 أبريل/نيسان 2002 حين تحدثت عن "مهمة انتحارية" ووضعت عنوانها العريض "قصة حياتين تلاقتا في الموت" وراح جوشوا هامر يصور حياة الفتاة راشيل ليفي الفتاة الإسرائيلية البريئة التي تسببت آيات الأخرس في قتلها في عملية فدائية. وأبرز ملامح صورة البراءة في راشيل هي نمط حياتها نفسها فقد ماتت وتركت وراءها "غرفة نومها التي تحوي عطر تومي غيرل ومسحوق زينة كلينيك ومراهم فيكتوريا سيكريت لغسيل الجسم بنكهة الفاكهة.."!
 
وبتأمل العمليات الفدائية نفسها خارج السياق العربي والإسلامي تثور عدد من الأسئلة، فنمور التاميل مثلاً بسريلانكا من الهندوس الذين لا يؤمنون بجنة بعد الموت، ولا يسمح للفدائيين بالزواج لأنهم متزوجون من القضية، كما لا يسمح لهم بممارسة الجنس سعيًا لمزيد من القوة السحرية تتحرر في اللحظة الحاسمة.
 
ورغم اعترافنا بأن اختلاف المعتقد والثقافة من شأنه أن يؤثر في عملية التفسير، لكن هذه الصورة من شأنها أن تزيد في كشف سذاجة التحليل المطروح والملح حول أن الانتحاريين يسعون لحياة جنسية أو لجنة بعيدًا عن أي قضية، فالمشترك بين المسلمين والكاميكاز والتاميل هو السياق السياسي والمضمون الأيدولوجي الذي يدفعهم للمقاومة والتضحية في سبيل قضية حية تعيش في واقعهم الحقيقي كما تعيش في وجدانهم ويهبون لها حياتهم، وهو بالنسبة للمسلمين "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم..".
ـــــــ
كاتب سوري

المصدر : غير معروف