مهما اختلفت الآراء والأفكار المسبقة برجل مثل الرئيس رفيق الحريري، سيظل علامة فارقة في تاريخ لبنان، ونقطة فاصلة في خريطته السياسية. وبصرف النظر عن هوية المخطط والمنفذ والمستفيد من اغتياله بل ومن تغييبه في هذه الظروف بالذات، يبقى لرحيله أثرا ربما ستمضي سنوات كثيرة قبل الإجابة عليها بدقة نظرا للموقع والحجم والدور الذي لعبه في الحياة السياسية اللبنانية والإقليمية والدولية. وهو بهذا المعنى ليس مجرد رجل سياسة ودولة مر في تاريخ لبنان السياسي المعاصر، بقدر ما هو حقبة سياسية من الصعب ملؤها بسهولة وبوقت يسي.
 
ومن هنا تطرح علامات استفهام كثيرة حول مستقبل لبنان كموقع ودور وحتى كتركيبة اجتماعية سياسية قابلة للحياة، ولا نجد غضاضة في القول إن الفراغ الذي تركه سيرخي بظلال كثيفة على مستقبل الكثير من المواقع السياسية في المنطقة، بل من الممكن القول إن رحيله سيعيد خلط أوراق كثيرة ومتنوعة تعيد تركيب الجغرافيا السياسية للمنطقة.
 
ففي تنفيذ الجريمة لا يبدو أن الأمر مجرد عملية تفجير عادية، بل خطط لها بعناية فائقة توقيتا وتنفيذا، وفي هذا المجال يمكن إدراج العديد من الملاحظات منها:
 
- الجريمة نفذت بأدوات محترفة ذات إمكانات عالية لا مجال للخطأ فيها، فالبيئة الأمنية التي كانت تحيط بالرئيس الراحل صعبة الاختراق بوسائل عادية، وبالتالي لا يصح الركون إلى أدلة عادية لا يمكن أن تكون مقنعة أو توصل إلى نهايات محددة كما يفترض بالتحقيق أن يسير.
 
"
أتت جريمة اغتيال الحريري وسط تقاطع العديد من الخيوط والمصالح، ففي لبنان الفرز السياسي بات واضحا وممنهجا بين الموالاة والمعارضة, وإقليميا انتهى الملفان الانتخابيان الفلسطيني والعراقي, ودوليا بدأت الأمم المتحدة بالمسار التنفيذي للقرار 1559
"
- لقد دبرت الجريمة وسط تقاطع مصالح العديد من القوى الإقليمية والدولية، ما يزيد الأمر تعقيدا وتشويشا على أي اتجاه منطقي لتحديد المسؤوليات وكشفها، وبالتالي فإن نقطة البداية في التحقيق ينبغي أن تبدأ من منطق الانفتاح على كافة الاحتمالات والمصادر المتنوعة التي يمكن أن تساعد في كشف الحقائق، وعدم الانكفاء وراء مقولة لبننة التحقيق باعتبار أن سوابق كثيرة لم يكشف النقاب عن منفذيها، وهذا لا يعني بالضرورة الانجرار كليا وراء تدويل جريمة الاغتيال، باعتبار أن تدويل التحقيق من السهل اختراقه وتجييره في اتجاهات ليست لمصلحة لبنان. والدلائل هنا كثيرة على الصعيد الدولي بدءا بحادثة اغتيال المبعوث الدولي الكونت برنادوت وانتهاء بالعديد من الجرائم السياسية التي ارتكبت في غيرما مكان في العالم وبخاصة منطقة الشرق الأوسط.
 
- لقد أتت الجريمة وسط تقاطع العديد من الخيوط والمصالح المتنوعة والمتعددة داخليا وخارجيا، ففي لبنان الفرز السياسي بات واضحا وممنهجا بين الموالاة والمعارضة بحيث لم يعد هناك حُرمة لأي سلاح، بل إن الانقسام طاول هذه المرة بنية النظام والكيان على حد سواء وبذلك فإن تراجع أي طرف عن طرحه سيشكل خسائر كبيرة لا تعوض.
 
وإقليميا انتهى الملفان الانتخابيان العراقي والفلسطيني بعدما تدعم الأخير بمقررات مؤتمر شرم الشيخ الذي ستنسحب نتائجه على لبنان عاجلا أم آجلا.
 
ودوليا بدأت الأمم المتحدة بالمسار التنفيذي للقرار 1559 عبر جولات تيري رود لارسن في المنطقة وسط تصميم ودعم فرنسي أميركي واضح، مترافقا مع ضغوط هائلة على المعنيين فيه.
 
أما في أهداف جريمة الاغتيال وخلفياتها، فتظهر العديد منها التي تتعلق بالوضع اللبناني تحديدا وما يمكن أن تستغل خارجيا ومنها:
 
- الحجم السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي الذي تمتع به الرئيس الحريري على الصعيد الداخلي قد أثر بشكل واضح وكبير على التركيبة السياسية اللبنانية، بحيث بات من الصعب إعادة التوازن إلى نظام الحكم في لبنان في غياب رجل بهذا الحجم والدور، وفي ظل غياب قطب سياسي قادر فعليا على لعب مثل هذا الدور داخليا وخارجيا.
 
وبالتالي فإن نظام الحكم في لبنان الذي استند إلى اتفاق الطائف والذي كان الرئيس الحريري أحد مهندسيه بات في دائرة الخطر، بعد سلسلة عمليات التصويب عليه تصريحا وتلميحا، وصولا إلى الدعوة التي سميت من قبل البعض بالعودة إلى الجذور أي إلى ما قبل اتفاق الطائف، وهذا ما كان الرئيس الحريري يقف ضده بقوة ويدعو إلى التمسك به نصا وروحا داخليا وخارجيا، وهذا ما ميّز به نفسه عن باقي أطراف المعارضة.
 
- تغييب الرئيس الحريري في هذه الظروف بالذات له مؤشرات سلبية كثيرة على الوضع اللبناني بالذات، فالفرز بات واضحا كما أسلفنا، وإسقاط اتفاق الطائف يعني العودة إلى الجذور كما يسميه البعض، وبالتالي إقحام لبنان في دائرة المجهول كما العراق وغيره، وبالتالي فإن مصير الكيان اللبناني كموقع ودور بات تحت وطأة علامات استفهام كثيرة لا يملك أحدا إلا الإجابات السوداء عليها.
 
"
تدويل الوضع اللبناني برمته سيفسح المجال واسعا لتحييد لبنان عن الصراع العربي الإسرائيلي، أي بمعنى فصل المسارين اللبناني والسوري وهذا لن ترتضيه سوريا ولا قسم من اللبنانيين
"
- تغييب الرئيس الحريري يأتي في منعطف خطر جدا في المنطقة، فالملفان العراقي والفلسطيني أحكمت عليهما واشنطن وتل أبيب، وما جولة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في المنطقة مؤخرا إلا مؤشر واضح على تحريك الملف اللبناني من بوابة القرار الدولي 1559 الذي شكل محطة انقسام حادة بين اللبنانيين. وبهذا المعنى فإن تغييب صوت الاعتدال الذي مثله الرئيس الحريري في هذا المجال سيتيح المجال واسعا لكل الأصوات المعارضة أو الداعمة للقرار أن تُستغل بشكل أو بآخر للتدخل في الشؤون اللبنانية، وبذلك سيكون مدخلا مناسبا لتدويل الأزمة اللبنانية لاحقا خصوصا إذا أفلتت الأمور من عقالها، لا سيما الانتخابات النيابية أو غيرها من المحطات والاستحقاقات الداخلية.
 
- تدويل الوضع اللبناني برمته سيفسح المجال واسعا لتحييد لبنان عن الصراع العربي الإسرائيلي، أي بمعنى فصل المسارين اللبناني والسوري وهذا لن ترتضيه سوريا ولا قسم من اللبنانيين، الأمر الذي سيشكل مناسبة أخرى لإقحام لبنان في دائرة الصراعات الداخلية ذات الأبعاد الخارجية المؤثرة داخليا.
 
- وصول الرئيس الحريري إلى السلطة عام 1992 ترافق مع مشاريع السلم في المنطقة بدءا من مؤتمر مدريد والمفاوضات الثنائية والمتعددة وما أعقبها من مشروع الشرق الأوسط الجديد وما أثير من دور للبنان في المنطقة بعد السلام، واليوم هل يمكن الربط بين تغييب الرئيس الحريري ومشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تقوده واشنطن في المنطقة؟ وهل يمكن التساؤل أيضا حول دور وموقع لبنان في هذا المشروع إذا كتب له النجاح في غياب الرئيس الحريري؟ وبالتالي هل كان الحريري عقبة لهذا المشروع أم كان تغييبه بمثابة وسيلة لخلط الأوراق في المنطقة لتمريره؟ وما حدود التوافق والاختلاف بين باريس وواشنطن على دور لبنان المستقبلي؟ وما حدود الحجم الذي يمثله الحريري للأحلام الفرنسية القديمة الجديدة في المنطقة؟
 
- وإذا جازت فرضية المصالح الدولية على تغييب الرئيس الحريري فإنها تجوز في المقابل على الأطراف الإقليمية التي توجه إليها عادة الاتهامات، فهل من مصلحة سوريا تغييب الحريري في هذه الظروف والضغوط الهائلة التي تتعرض لها وهي الموضوعة أصلا مع لبنان تحت المجهر الدولي؟ وما حدود الأذية -إذا وجدت- التي تسبب فيها الحريري ليكون من مصلحتها تغييبه؟ إن القراءة الدقيقة لآخر تصريح له يثبت حقيقة توجهات الرئيس الراحل وهي تحديدا وقوفه تحت سقف الطائف الذي يمثل مصلحة سورية لبنانية مشتركة بكل تفاصيلها حتى المملة منها. ومن هذا الافتراض لماذا لا يجوز التساؤل عن الجهة المتضررة من هذا الموقف الأخير تحديدا؟
 
"
لبنان اليوم في أمس الحاجة إلى لغة العقل والاحتكام إلى الضمير للخلاص من هذا القَطوع الكبير الذي لم يمر لبنان يوما بمثله. صحيح أن خسارة الحريري لا تعوض إلا أن قدر العظماء في لبنان أن يظلوا في خانة الشهداء
"
- وتبقى فرضية المصلحة الإسرائيلية في تغييبه، وهنا ليست بالضرورة التنظير لنظرية المؤامرة التي يحلو للكثيرين التندر بها، ولسنا هنا لاستعراض اللوائح الطويلة التي لليد الإسرائيلية باع طويلة بها، بل للتذكير فقط بما يمثله لبنان -سلما أهليا وإعماريا بقيادة الحريري ومشاريعه الطموحة- من خطر على إسرائيل تحديدا، أي بمعنى هل يهم إسرائيل أن يكون رجل بحجم ودور الحريري موجودا في ظل ما يحاك من مشاريع خرائط سياسية جديدة للمنطقة؟ 
 
ويبقى أخيرا موقف الحكم والحكومة في لبنان من كل ما جرى، فهل يعقل أن يعالج موضوع كجريمة الاغتيال بهذا الشكل وبهذا الأسلوب؟ وإلى متى ستظل المواقف ذات البعد الوطني ملتبسة وغير مفهومة لدى الكثيرين من اللبنانيين؟ وإلى متى ستظل القضايا الاستثنائية تعالج بمنطق القضايا العابرة؟ وإلى متى سنظل نحن اللبنانيين أسيري رد الفعل لا الفعل في تقرير مصيرنا؟ أسئلة يجب أن نسمع إجابة واضحة عنها.
 
إننا اليوم في أمس الحاجة إلى لغة العقل والاحتكام إلى الضمير موالاة ومعارضة، حكما وحكومة، شعبا وسلطة، للخلاص من هذا القَطوع الكبير الذي لم يمر لبنان يوما بمثله. صحيح أن خسارة الرئيس الحريري لا تعوض ولن يكون لمثل وجوده في لبنان شيء، إلا أن قدر العظماء في لبنان أن يظلوا في خانة الشهداء الكبار، وقد سبقه كثيرون. لكن المهم أن نعرف كيف نحافظ على مَن مِن أجله استشهد آخرهم، فهل نحن اللبنانيين قادرون على ذلك؟
ـــــــــــ
كاتب لبناني

المصدر : غير معروف